كتب قرأناها في 2019

الإثنين 30 كانون الأول 2019

إن كنتم تبحثون عن كتب لوضعها على قائمة القراءة في السنة الجديدة، فربما تكون الترشيحات التالية مفيدة لكم. طلبنا من عدد من أصدقاء حبر وكتّابها أن يخبرونا عن كتب قرأوها هذه السنة ووجدوها مفيدة، وبناء على إجاباتهم كانت هذه القائمة. 

عمار الشقيري 

الكتاب: سرقة التاريخ
المؤلف: جاك غودي، ترجمة: محمد التوبة
الناشر: العبيكان للنشر، 2010

حسنًا، هذا الكتاب استكمال لمشروع غودي في كتابه الشرق في الغرب. يفتتح غودي الكتاب بالقول: «كثيرًا جدًا ما تستقرّ تعميمات العلوم الاجتماعيّة على الاعتقاد أن الغرب يشغل الموقع البادئ المعياري المتصل ببناء المعرفة العامّة». يُخلخل غودي هذا المعيار المُعمّم في مشروعه وفي هذا الكتاب. الكتاب كبير، والمساحة قليلة، ولذا سأختار جزءًا منه ربما يكون مناسبًا لهذه الأيّام التي تتعلّق بمضيّ عام، وقدوم عام جديد، وهو بعنوان: سرقة الزمن.

وفي هذا الجزء يقول غودي إن الغرب امتلك الزمن بفعل الاستعمار والغزو والهيمنة (بالتأريخ بما قبل أو بما بعد ولادة المسيح) وألقى بقياسات أخرى مثل الهجري، العبري، الصيني، إلى الهامش. ليس هناك منطق علميّ لهذا القياس، ولا لقياسات الزمن التي تتعلّق بوجود سبعة أيام في الأسبوع الذي يعده غودي أكثر وحدة عشوائيّة إذ أنَّ هناك وحدات أخرى في إفريقيا مثلًا من ثلاثة أو أربعة أيّام أكثر ملائمة لطبيعة العمل والسوق.

على كل حال، يرى المؤلف أنَّ طرق حساب الزمن عند الشعوب المتعلّمة كان لها إطار ديني (ولادة نبي، مصلح، ولادة العالم)، أيّ أنَّ النماذج الدينية تحكم تصورنا للعالم.

إنَّ هذه التصنيفات الزمانية التي بدأت في السرديات الدينية تحدد تفاعلنا مع العالم حتى عند تلك المجتمعات التي تميل لأن تكون علمانية «أكثر اقتصاديات العالم تقدمًا، هو اقتصاد متسم بقدر مفرط من الأصوليّة الدينية، وبارتباط عميق بتقويمه الزمني الديني». التفاصيل لهذه الجملة موجودة في الكتاب مع كثير من التحليل واستعراض الشواهد، إضافة إلى فكرته الرئيسيّة التي تتعلّق بخلخلة تعميمات العلوم الاجتماعيّة.

عبير جوان

الكتاب: المكشوف والمحجوب: من خيط بسيط إلى بدلة بثلاث قطع
المؤلفة: مينيكه شيبر، المترجم: عبد الرحيم يوسف
الناشر: دار صفصافة، 2017

يتمتع الكتاب بأهمية كبيرة راهنة، إذ يعالج مسألة حساسة ودقيقة تتمثل بالانشغال بالجسد كشفًا وتغطية، وتتضاعف الأهمية في ظل الصراع على «الحجاب» في الدول الغربية عمومًا، ورهانات السلطة والجسد، ومنها الاحتجاج على العري أو العري كاحتجاج ومقاومة. تقدم أستاذة الأدب المقارن والروائية الهولندية مينيكه شيبر، دراسة ثقافية شائقة تجمع بين الأنثروبولوجيا والتاريخ والأدب والأديان المقارنة في رحلة تتتبع تطوّر نظرة الإنسان لجسده وإحساسه بالخزي أو الاعتيادية لعريه، وظهور فكرة الملابس كغطاء منذ كانت مجرد خيط بسيط يستر جزءًا بعينه إلى أن تحولت لمجال «صراع» بين شركات الملابس والموضة وهوية طبقة أو مجتمع أو حتى التزامًا لقواعد دينية وشخصية لمجموعات صغيرة كانت أو كبيرة، أي بين السياسة والاقتصاد والأعراف والتقاليد والأمثال الشعبية والخرافات وتحكمات الدين.

يعالج الكتاب سؤالًا رئيسًا، مفاده: كيف ولماذا نغطّي أنفسنا؟ وإلى أي حد يتعرض جسدي للسخرية إذا مشيت به عاريًا أو بملابس تخص هوية معينة؟ وفي معرض الإجابة تتبع مينيكه شيبر بداية ظهور فكرة الملابس كغطاء منذ كانت مجرد خيط بسيط وصغير يغطي أجزاء صغيرة «وحساسة» للجسد الذكوري مع بداية ظهور الإنسان العاقل. ويستكشف الكتاب العادات المعقدة والمتنافسة الخاصة بارتداء ملابس معينة أو عدم ارتدائها بالحجب أو التعرية، ويتتبع تاريخ هذه العادات ومحطات تحولها، وتراجعها ثم معاودتها للظهور. 

روان بيبرس

الكتاب: كيف تلتئم؛ عن الأمومة وأشباحها
المؤلفة: إيمان مرسال
الناشر: جمعية «مفردات»، 2017

الكتاب الصغير في الحجم، الكبير في المفعول هو أحد تلك الكتب التي تلازمك أفكارها حتى بعد الانتهاء من قراءتها فترة طويلة. جرعة ثورية تتحدى فيه إيمان مرسال الكثير من السرديات المتداولة عن الأمومة والنسوية وقيم التضحية والتفاني والشعور بالذنب وغيرها.

لا تقتصر الأمومة في الكتاب على النساء اللواتي أنجبن، بل تُقدّم كمفهوم أوسع ومتعدد الاتجاهات يشمل علاقة الأم بالأبناء، وعلاقة الأبناء بالأم سواء كانت حاضرة أو غائبة، ورمزية الاغتراب والابتعاد عن الوطن الأم.

من الممكن أن تبدو فصول الكتاب ومحاوره مشتتة للوهلة الأولى، حيث تبدأ بفصل «الأمومة والعنف» ثم تنتقل مرسال إلى فصل آخر تسأل فيه «كيف تجد أمك في صورتها؟» وتتوسع في دراسة الأمومة والفوتوغرافيا ثم تصل إلى «اليوميات» التي تأخذ بُعدًا شخصيًا وحميميًا عن تجربتها مع ابنها يوسف الذي يعاني من الاكتئاب الثنائي القطب ولديه نزعة انتحارية في عمر صغيرٍ جدًا. إلا أن لكل فصل على حدة عمقًا خاصًا، يمكن أن يتم التوسع فيه كموضوع لورقة بحث أو مقال تحليلي معمّق يتناول جزئية غنية عن الأمومة.

لا أنكر قدرة الكتاب على استثارة مشاعر متضاربة تتراوح بين البُغض والإنكار الشديد لبعض الأفكار والخواطر، ومشاعر أخرى دافئة مشبعة بالحزن والتعاطف. وقد تسبب المواضيع التي يطرحها الكتاب شعورًا بعدم الارتياح للقراء لكنها في نفس الوقت باعثة على التفكير وقد تفتح حوارات ضرورية لسنا معتادين على خوضها.

حسن أبو هنية

الكتاب: شرّنا يأتي مما هو أبعد: التفكير في مذبحة 13 نوفمبر
المؤلف: آلان باديو، المترجم: محمد هاشمي
الناشر: مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» ومعهد «غرناطة للبحوث والدراسات العليا»، 2017

يقدم الكتاب إجابة فلسفية على سؤال «العنف» الشائع في زمن العولمة الرأسمالية، وذلك بالتعمق بمعرفة السبب الحقيقي الذي يقف خلف أشكال وصور القتل الجماعي الراهن بطريقة درامية مشهدية مروعة، وهو في الأصل محاضرة قدمها الفيلسوف الفرنسي آلان باديو حول أحداث 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، أي المذبحة الجماعية والعشوائية، التي وقعت في باريس؛ والتي عُدَّت الأكثر دموية في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية، وقد أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) مسؤوليته عن تنفيذها.

بحسب الآن باديو فإن الدين ليس هو أسُّ هذه الفاشية المعاصرة، وإنما أسُّها الرأسمالية المعولمة التي تجعل الفاشيين يعتقدون أن ما يقترفونه من مذابح وتفجيرات هو مجرد رد فعل مضاد للغرب، مبررين هذا الانفعال بالدين، والحال أن مرد انفعالهم هذا إلى كون الرأسمالية المعولمة لم تستوعب حشود اللاجئين والمعطلين والمهمشين الذين يقدرون بالمليارات في العالم، حتى غدوا في نظرها في حكم العَدَم، أما الإطار المقدس والنزعة الماضوية فهو غطاء أيديولوجي يوظف لتبرير القتل، فما بات يعرف بـ«داعش» لا يعدو سوى مظهرٍ من مظاهر الفاشية المعاصرة الغارقة في دوامة بنية لا تجد عنها مخرجًا غير الاشتغال بآلياتها وإعلان العداء لها، من خلال تجنيد الشباب الذين يقعون على هامش فئة المستهلكين والأجراء. 

يؤكد باديو على أن هذا الفعل الذي جرى توصيفه في وسائل الإعلام بالبربري والهمجي لا يقل في الواقع عن بربرية وهمجية الرأسمالية المعولمة التي تقتل الناس الأبرياء، أطفالا وأمهات وشيوخًا، بالمئات والآلاف، معتمدة على أحدث تكنولوجيا القتل الجماعي، من أجل البحث عن أسواق لتصريف فائض إنتاجها، ومناطق خصبة لاستغلال ثرواتها الطبيعية والبشرية؛ وبالتالي، فإن كان هناك من فرق بين بربرية الفاشيين المعاصرين وبربرية الرأسمالية المعولة فهو لا يعدو كونه فرقًا في الدرجة لا في الجوهر؛ إذ كل ما في الأمر أن البربرية الأولى متخلفة، في حين أن البربرية الثانية متحضرة.

باسل محمد 

الكتاب: الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية (1949-1993)
المؤلف: يزيد صايغ، المترجم: باسم سرحان
الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002

رغم صدور كتاب يزيد صايغ لأول مرة قبل 22 عامًا ونشره مترجمًا قبل 17 عامًا إلاّ إنَّه ما زال يحتفظ بأهميته، إذ أنه كتاب مرجعي حول القضية الفلسطينية وتاريخ فلسطين الحديث والفعل العسكري بعد النكبة. كما يقدم الكاتب قراءةً لهذا الفعل العسكري مُترافقةً مع الأحداث والتطورات السياسية التي كانت تحصل في حينه. 

يتناول الكتابة حقبةً تاريخيةً طويلة نسبيًا. وبالإضافة لتناوله العمليات التي نفذت بعد النكبة مباشرةً وهي فترة قل التأريخ لها، يتناول فترة الكفاح المسلح الفلسطيني التي انطلقت مع الثورة الفلسطينية عام 1965 في كافة محطاتها، راصدًا التحوّلات التي طرأت عليها من صعود وهبوط، ومن جذرية وتنازل. يعتقد صايغ في كتابه بأنَّ منظمة التحرير الفلسطينية كانت تمتلك سعيًا دولانيًا منذ بداياتها تقريبًا وهو نتيجة لعوامل ذاتية مثل الجمع بين الشعبوية والخطاب الوطني الفلسطيني والبنية النفعية التي رعتها المنظمة وعدم تقديمها نموذجًا جديًا في الكفاح المسلح رغم كل التضحيات التي قدمت، وأخرى موضوعية مثل الخضوع للأنظمة العربية وخسارتها لقواعدها بشكلٍ متكرر وتدفق الأموال عليها. 

ويخلص صايغ إلى نتيجة مفادها أنَّ السعي الدولاني كان منذ بدايات منظمة التحرير، وقد استغل هذا السعي الكفاح المسلح لتحقيق غاياته، ونجح عرفات كشخص في ذلك. قراءة هذا الكتاب اليوم تساهم في فهم الحالة التي وصلتها السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير اليوم، وفهم التصرفات التي تبدو غير منطقية، ومن خلال فهم هذا التاريخ يمكن لنا أن نرى كيف كانت هذه الحالة غير المنطقية متأصّلة على الدوام، وهو ما أنتج واقع اليوم.

يزن اللجمي

الكتاب: عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار
المؤلف: إدوارد سعيد، المترجم: فواز طرابلسي
الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002

سيبهر من لم يعرف سعيد إلا عبر «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية» بالسحر الخاص لهذا الكتاب الصغير والأخير، والذي توفي المفكر الفلسطيني أثناء كتابته ليتركه مكتملًا بالكاد.

الموضوع ليس صدفة، فوصف «الأسلوب المتأخر» يطلَق على الأعمال الأخيرة لفنان ما. لكن لماذا «متأخر»؟ متأخر على ماذا وبالنسبة لمن؟ سؤال يطرحه سعيد عبر أمثلة متنوعة: لماذا يرد ريتشارد شتراوس على تفجر النازية بالعودة إلى موسيقى القرن الثامن عشر المغبرّة؟ ولماذا يقرر فيسكونتي في خضم الستينيات ترك الواقعية والعودة في تحفته «الفهد» إلى سينما مبهرجة تتشبه بالأوبرا وتستحضر أرستقراطية مهترئة؟ 

يرى سعيد أن الرجعية تهمة مجانية وسهلة، وأن ما يجمع أعمالًا بهذا التعقيد هو وعي مأساوي ورفض عنيد للتصالح مع الذات ومع الحاضر، «نزعة إنتاجية عديمة الجدوى تسير بالاتجاه المعاكس عمدًا»، خلفها فنانون عالقون بين عوالم مختلفة، يحيدون عنها إلى ماض مفلس ومحنط. هنا نقترب من فهم علاقة سعيد بتلك الأعمال، علاقة تنكشف بوصفه أعمال بيتهوفن الأخيرة كـ«شكلٍ من أشكال المنفى».

يجهل أو يتجاهل غالبية قراء سعيد مسيرته الموازية (أو بالأحرى الوجه الآخر للمسيرة ذاتها) التي خاضها مع النقد الفني، خصوصًا مع الموسيقى الكلاسيكية التي شغف بها منذ طفولته. لكن الكتاب هذا سيترك قارئه متيقنًا من أن مسرحيات جان جينيه ورباعيات بيتهوفن والقضية الفلسطينية ليست مجرد تصفيفة من اهتمامات سعيد الشخصية، بل ظواهر يصرّ على وجوب قراءتها عبر بعضها. بكل ما أوتي من عناد وحساسية، يخترق الكتاب تلك الظواهر المتباعدة كخيط ضوء ثاقب، عله يطال المنفيين في بلادهم وعنها والعالقين بين العوالم المختلفة، وكل المتأخرين.

لينا عجيلات

الكتاب: في أثر عنايات الزيّات
المؤلفة: إيمان مرسال
دار النشر: الكتب خان للنشر والتوزيع، 2019

في يوم ما في مطلع التسعينات، عثرت الشاعرة والكاتبة إيمان مرسال صدفةً على رواية بعنوان «الحب والصمت» لكاتبة لم تسمع بها من قبل اسمها عنايات الزيّات، نُشرت في عام 1967، بعد أربع سنوات من موت الكاتبة انتحارًا بابتلاع عشرين حبّة منوّمة، وهي لم تتجاوز الرابعة والعشرين من العمر. 

عندما انتهت مرسال من قراءة الرواية، استحوذت عليها الأسئلة حول كاتبتها والرغبة في التعرف عليها، فانطلقت في رحلة تتبع أثر عنايات الزيّات، من خلال مقابلات وحوارات مع عائلتها وأصدقائها، وأهمهم صديقتها المقرّبة جدًا الممثلة ناديا لطفي، والغوص في الأراشيف الرسمية وأراشيف دور الكتب والمجلات، والبحث عن أسماء شوارع لم تعد موجودة، والتجوال في المقابر. هذه الرحلة امتدّت سنوات في محاولة لاستكشاف جانب من قصة الكاتبة الشابة التي رفضت دار النشر القومية في مصر نشر روايتها، والتي كانت تخوض معركة مع القضاء من أجل الطلاق من زوجها والحصول على حضانة ابنها.

يثير الكتاب أسئلة مهمّة، عن الأرشيف وضرورة إعادة اكتشافه وحمايته من الموظف أو الخبير الذي يقرر في لحظة ما أنه عبء على الحيز الذي يشغله وينبغي تدميره، ومن «الوصاية العائلية» التي تفرض سلطتها بعد موت الفرد فتحرق غالبية مسوداته، مثل عائلة عنايات الزيّات البرجوازية المحافظة التي خافت على سمعة الأسرة فانتقت أجزاء محددة مما كتبته ابنتها وسمحت بنشرها. تدعونا مرسال للعودة إلى الأرشيف -أو ما تبقى منه- حتى لا نسمح بإعادة إنتاج ما قاله الآخرون إلى ما لا نهاية، بدون اختبار، ولا نتركهم يحوّرون قصة حياة الميت ويفرغونها من معناها.

تدمير أرشيف عنايات الشخصي دفع مرسال لتتبع أثر ما تم طمسه، وتتبع الأثر كما تقول «لا يعني ملء كل الفجوات، ولا يعني البحث عن كل الحقيقة من أجل توثيقها .إنه رحلة تجاه شخص لا يستطيع الكلام عن نفسه، حوار معه، ولا يمكن إلا أن يكون من طرف واحد». 

سارة الشمري

عنوان الكتاب: سوسيولوجيا الغزل العربي – الشعر العذري نموذجًا
المؤلف: الطاهر لبيب، ترجمة: محمد حافظ دياب
الناشر: سينا للنشر، 1994

لطالما شغلتني مسألة اللغة كنظام، فأستمر بالتساؤل الذي شغل النقاد والمفكرين قديمًا وحديثًا: هل ذواتنا سابقة على اللغة؟ أم اللغة تسبق ذواتنا؟ بصيغة أخرى: إلى أي مدى يمكن للذات أن تكون حرّة في صياغة الألفاظ والمعاني؟ هل لنا سلطة على النظام اللغوي أم أننا نتحرك داخله وفقًا لقوانينه؟ ميشيل فوكو (وليس هو الأول في الرأي ولا الوحيد) يقول إن قواعد النحو والتراكيب للغة ما قد وُجدت وصيغت قبل أن نتلفظ بها. 

يبحث الطاهر لبيب في كتابه عن بنية الغزل العذري من منظور سوسيولوجي ثقافي، فيناقش هذا المأزق الإنساني مع اللغة من خلال تركيزه على شعر قبيلة (بني عُذرة) في العصر الأموي، فيرفض الرأي السائد الذي يقول باتساق قصائدهم مع العفّة الإسلامية والضمير الديني. لكنه يقترح أن الحبيبة الواحدة الذي يتخلى الشاعر عن ذاته وممتلكاته في سبيلها توازي عقيدة التوحيد التي يسّلم لها المؤمن بالله الواحد الأحد. عبادة الله تماثلها عندهم عبادة المحبوبة، وجهاد المؤمن في سبيل الله يوازيه فناء العذري في المحبوبة. هذا الاستغراق العذري في العشق كما يراه لبيب تعبير عن لا مبالاة هذه الجماعة المهمّشة (لأسباب اقتصادية واجتماعية خاصة بعد انتقال مركز الخلافة إلى دمشق) بما يحدث خارجها، ورفضها للالتزام العسكري ولأي نوع من المشاركة في شؤون الأمة.

 لقد أعادتني هذه الدراسة لسؤالي الأول حول اللغة، إذ إن من بين ما يقترحه لبيب -كما أفهم- هو إن كانت ثمة إمكانية لمواجهة خطاب سائد أو رفضه فلن يتحقق ذلك إلا من خلال الاستفادة من ذات النظام وأدواته، وقد يقول التفكيكيون إن استخدامنا أصلا لما تأسس مسبقًا هو أمر لا محالة منه ولا فكاك. يبقى السؤال هنا عن دور الوعي الفردي أو الجمعي في خلق خطاب مماثل في النظام، لكن بدلالات منزاحة.