لماذا لم أعد أكره شكسبير

الأربعاء 22 تموز 2020
تصميم ندى جفّال.

كتب جيمس بولدوين هذا المقال عام 1964، وأعيد نشره في كتاب «صليب الخلاص» الذي ضمّ مجموعة من مقالاته، والصادر عام 2010 عن دار Pantheon Books في نيويورك.

كل كاتب في اللغة الإنجليزية -كما أتخيّل- كَرِه شكسبير في مرحلة ما من حياته، وأعرض عن ذلك الإنجاز الهائل بنوع من الحسد السَّقيم. في الأيام التي كنت فيها مناهضًا بشدة للغة الانجليزية استهجنته باعتباره شوفينيًا («هذه إنكلترا» بالفعل!)، ولأنني شعرت أنه أمرٌ شاذٌ بمرارة أن يضطر رجلٌ أسود للتعامل مع اللغة الإنجليزية من الأساس، أن يضطر لمهاجمة اللغة الإنجليزية لكي يكون قادرًا على التحدث، فقد استهجنته كواحد من كتّاب ومهندسي الظلم الواقع عليّ. 

من جديد، وعلى طريقة بعض اليهود الذين يستقبحون شايلوك بمرارة ودون وجه حق، كنت مترددًا تجاه عطيل (ما الذي رآه في ديدمونة؟) وساخرًا تجاه كاليبان. اضطهدتني شخصيات شكسبير الوافرة والعديدة بشكل لا يوصف، تلك الشخصيات التي كان واقعها متناقضًا بقدر ما كان غير قابل للتفسير. كنت مستاءً بالطبع من التهجم على بساطتي، وبطريقة أخرى كنت ضحية ذلك التعليم المجرّد من الحب الذي يؤدي بالكثير من التلامذة إلى كراهية شكسبير. لكنني خشيته أيضًا، خشيته لأن اللغة الإنجليزية أصبحت بين يديه أشدّ الآلات بأسًا. لن يكتب أحد بتلك الطريقة ثانيةً، لن يكون هناك أحد قادر على مضاهاته، فما بالك بالتَّفوق عليه.

حسنًا، كنت شابًا وفاتتني الفكرة كليًا، لم أكن قادرًا على تجاوز الكلمات وأسلوب البيان، إذا جاز التعبير، نحو ما كان الشَّاعر يقوله. لا أزال أذكر صدمتي عندما سمعت أخيرًا هذه الأبيات من مشهد القتل في مسرحية يوليوس قيصر. القتلة يغسلون أيديهم بدم قيصر. يقول كاسيوس:

لننحني إذن ونغسل أيدينا. على مدى كم من العصور من بعدنا
سيعاد تمثيل هذا المشهد الجليل،
في دول لم تولد بعد وبلهجات لم تعرف بعد!

كان ما سمعته فجأة للمرة الأولى متعدد المستويات. كان هناك صوت كاسيوس المهجور، المتفاني، المخدوع الذي لم تكن حياته يومًا حقيقية بالنسبة لي من قبل، فجأة بدا لي أنني أعرف ما عنت له هذه اللحظة. لكن دون ذلك الصَّوت، وبعيدًا عنه، سمعت أيضًا نغمةً أكثر قساوة وموضوعية ومعاصرةً: كان ذلك «المشهد الجليل» بكل ما استلزمه من دم وحمق، بعماه وألمه الضروريّ، مطروحًا في منظور لم يغادر عقلي أبدًا. بالفعل، هكذا تمامًا هي الدولة المستهترة التي أسقطها الرجال، الذين توجب عليهم لكي يسقطوها أن يمتلكوا، بصورة يائسة، عقلًا أحاديًا ضيقًا. وهذا العقل الأحادي الذي نراه تعظيمًا للإنسان (لماذا؟) يعمل أيضًا وبثقة أكبر بكثير لتشويه الإنسان وتقزيمه، لتشويهنا وتقزيمنا جميعًا، حتى، أو ربما لا سيما، أولئك الذين جعلت حاجاتهم وطاقتهم من إسقاط الدولة أمرًا محتومًا وضروريًا وعادلًا.

والأمر الفظيع في هذه المسرحية في نظري -وهي ليست بالضرورة مسرحيتي المفضلة، بغض النظر عمّا يعنيه ذلك، لكنّها المسرحية التي اكتشفتها أولًا إن جاز القول- هو التوتر الذي تقرّه بقسوة بين طموح الفرد، الخجول، المخدوع، المثالي، أو الفاسد، والشغف الأعمى الطائش، الذي يقود الفرد ليس بأقل مما يقود الغوغاء. «أنا سينا الشَّاعر، أنا سينا الشَّاعر… أنا لست سينا المتآمر»، تلك الصَّرخة ترن في أذني. ويرد الغوغاء: «مزّقوه لرداءة شعره!». رغم ذلك -ورغم أن أحدهم ولْوَلَ مع سينا وشعرَ بوقفته المريعة، بين أيدي مواطنيه، حتى الموت- فقد كان مستحيلًا أن تكره الغوغاء. ولربما كان أسوأ من مستحيل؛ فقد كان عديم الفائدة. إذ ها نحن هنا، نُوَلْوِل ونمزَّق إربًا في الوقت نفسه، لكننا أدوات الشَّر الوحيدة وأدوات النبل الوحيدة في الكون كله. لكن المسرحية لا توحي حتى بأننا نمتلك الإدراك لنعرف الشَّر من الخير، أو أن مثل هذا التمييز يمكن أن يكون واضحًا في أي وقت من الأوقات: «الشَّر الذي يقترفه الرجال يعيش من بعدهم، الخير مدفون مع عظامهم غالبًا…».

ما بدأت أراه هو أن التجربة هي التي تشكل اللغة، وأن اللغة هي التي تتحكم بالتجربة.

بمجرد أن يبدأ المرء بالشكّ في العالم بهذا القدر -بمجرد أن يشكّ المرء بأنه ليس ولن يكون أبدًا بريئًا، لأنّ ما من أحد بريء- تبدأ بعض حجب الحماية الذاتية بين المرء والواقع بالسقوط. إنه ربما على قدر من الأهمية، ولو أننا لا نستطيع أن نتتبعه هنا، أن فهمي الحقيقي الأول لشكسبير جاء عندما كنت أعيش في فرنسا، وأفكر وأتحدث بالفرنسية. ضرورة إتقان لغة أجنبية أرغمتني على تكوين علاقة جديدة بلغتي. (حدث هذا أيضًا في فرنسا، ولذلك بدأت أقرأ الكتاب المقدس ثانية).

كان خلافي مع اللغة الإنجليزية أن اللغة لم تكن تعكس شيئًا من تجربتي. لكنني الآن بدأت أرى المسألة بطريقة مختلفة تمامًا. إذا لم تكن اللغة لغتي، فقد يكون هذا خطأ اللغة، ولكنه قد يكون خطئي أيضًا. ربما لم تكن اللغة لغتي لأنني لم أحاول قط استعمالها، وتعلمت فقط تقليدها. إذا كان الأمر كذلك، فعندئذ يمكنني أن أحمّلها ثقل تجربتي لو تحلّيت بالجَلَد الكافي كي أعرِّضها، وأعرِّض نفسي، لمثل هذا الاختبار.

كان لدي شاهدان قويان يدعمان هذه الإمكانية: أسلافي السُّود الذين أطلقوا أغاني الأسى، البلوز، والجاز، وابتكروا طريقة تعبير جديدة كليًا في مكان معادٍ بشكل ساحق، وشكسبير الذي كان آخر كاتب فاسق في اللغة الإنجليزية. ما بدأت أراه -لا سيما أنني كما قلت كنت أقيم في فرنسا وأتحدث بالفرنسية- هو أن التجربة هي التي تشكل اللغة، وأن اللغة هي التي تتحكم بالتجربة. علمت من بنية اللغة الفرنسية شيئًا عن التجربة الفرنسية، وأيضًا عن التطلعات الفرنسية، التي لم تكن بالتأكيد مطابقة للتطلعات الأميركية، طالما أن الفرنسيين قالوا كل يوم وكل ساعة أمورًا لا يستطيع الامريكيّون قولها على الإطلاق (ولا حتى بالفرنسية). على نحو مماثل، فإن اللغة التي بها ترعرعت لم تكن بالتأكيد إنجليزية الملك. فقد ألّفت تجربةٌ هائلةٌ هذه اللغة، التي كانت (وما تزال) واحدة من أدوات بقاء الناس على قيد الحياة، وكشفت عن تطلعاتٍ لا يمكن أن تجول خاطر أمريكي أبيض بسهولة. كانت سلطة هذه اللغة تكمن في صراحتها، في تهكّمها، في كثافتها، وفي نبضها: هذه كانت سلطة اللغة التي أنجبتني، وكانت أيضًا سلطة شكسبير.

من جديد، كنت أستمع بإمعان إلى الجاز وآمل أن أترجمه ذات يوم إلى لغة، وأصبحت بذاءة شكسبير على قدر كبير من الأهمية بالنسبة لي، طالما أن البذاءة كانت واحدة من عناصر الجاز وكشفت عن احترام هائل ومحبّ وواقعي للجسد، وعن تلك القوة التي تفوق الوصف التي يحتويها الجسد، والتي فقدها الأمريكيون غالبًا، والتي اختبرتها فقط بين الزنوج، والتي لُقّنت الاستحياء منها.

عندئذٍ، أظهرت علاقتي بلغة شكسبير نفسها بوصفها علاقتي بنفسي وبماضيّ، لا أقل. في ضوء هذا الكشف، بدأت أنا وماضيّ على حدّ سواء نتفتح ببطء، ربما كما تتفتح زهرة في الصَّباح، لكن على الأرجح مثل عضلة ضامرة تبدأ بالعمل، أو أصابع متجمدة تعود للحركة من جديد.

وجدَ الشَّاعر الأعظم في اللغة الإنجليزية شعرَه حيث يوجد الشِّعر: في حياة الناس. كان بوسعه أن ينجز ذلك فقط من خلال الحب، بمعرفة أن أيا ما كان يحدث لأي شخص كان يحدث له، والمعرفة أمر مختلف عن الفهم.

وجدَ الشَّاعر الأعظم في اللغة الإنجليزية شعرَه حيث يوجد الشِّعر: في حياة الناس. كان بوسعه أن ينجز ذلك فقط من خلال الحب، بمعرفة أن أيًا ما كان يحدث لأي شخص كان يحدث له، والمعرفة أمر مختلف عن الفهم. يقال إن زمنه كان أسهل من زمننا، لكنني أشك في ذلك، فما من زمن يمكن أن يكون سهلًا إذا كان المرء يعيشه. أظن ببساطة أنه مشى في شوارعه ورآها، وحاول ألا يكذب بشأن ما رآه: شوارعه العامة وشوارعه الخاصة، التي هي دومًا متصلة بعناد وبغموض، لكنه وثق بتلك الصلة. ولكن رغم أنني، وكثر سواي، هجوت بمرارةٍ (وسأهجو مجددًا) معظمَ ما يجعل المرء كاتبًا أمريكيًا -أي أن تكون جزءًا من مجموعة من البشر لديهم آذان ليسمعوا ولا يسمعون، لديهم عيون ليروا ولا يرون- فإنني واثق من أن شكسبير فعل الأمر عينه. سوى أنه رأى، كما أظن أن علينا أن نرى بدورنا، أن الشعب الذي ينجب الشاعر ليس مسؤولًا تجاهه: بل هو مسؤول تجاههم.

لهذا السَّبب يدعى شاعرًا، ومسؤوليته، التي هي أيضًا سعادته وقوته وحياته، هي أن يهزم كل التصنيفات وأن يعرقل كل المعارك بالإصرار على اللغز الإنساني؛ أن يكون شاهدًا، ما دام حيًا يرزق، على تلك القوة القاهرة التي لا يمكن ذكر اسمها، المتبدلة المظهر والتي تحيا في روح الانسان، وأن يصبو لتأدية عمله على نحو ممتاز لدرجة أنه حين يلفظ أنفاسه الأخيرة، فإن الناس -جميع الناس!- الذين يبحثون في الحطام عن إشارة أو شاهد، سيكون بمقدورهم العثور عليه هناك.