«محاورات بوينس آيرس»: الثرثرة تبقى

الإثنين 08 حزيران 2020
الكاتبان الأرجنتينيّان خورخي لويس بورخيس وإرنستو ساباتو. المصدر: Tecnología Industrial

لعل الثرثرات واحدةٌ من أكثر الأفعال الإنسانيّة حيويةً بما تتعرّض له من تحريف وزيادة واختصار ونقصان، خاصةً تلك الثرثرات الأدبيّة الأكثر متعةً التي تحدث بعيدًا عن الندوات والكاميرات، في جلسات غير رسميّة.

اشتهر أدباء أمريكا اللاتينية بهذا التقليد؛ ما من كاتب هناك تقريبًا إلّا وكان ضمن مجموعةٍ مارست الثرثرات، حتّى أن أعمالًا أدبيّة كثيرة تناولت هذه الجماعات وتفاصيل ما يجري فيها من دسائس وتنفيعات وحوارات، لعلَّ أشهرها رواية «ليل تشيلي» لروبيرتو بولانيو.

«كنّا جميعًا نعلم أن الأمر مزحة، لكنّ بعض الأستاذة الجامعيين اليوم جعلوا من هذه المساجلة موضوع بحث أكاديميّ في غاية الجديّة (..) تلك مزحةٌ تحوّلت إلى برنامج توجيهيّ للأدب الأرجنتيني».[1] هذا ما يتذكّره بورخيس عن مساجلة مجموعتيْ بويدو وفلوريدا[2] في ثلاثينيات القرن الماضي حيث اجتمع فيها أكثر من كاتب أرجنتينيّ ناقشوا خلالها دور المثقفين في البلاد. ويُمكن عدُّ الكثير من هذه التجمعات التي صاغت مصير الكثير من الأعمال المهمّة هناك، مثل أن تحرف ثرثرةٌ مسير كتابة قصيدة أو رواية.

في الأربعينيّات التقى الكاتبان الأرجنتينيّان خورخي لويس بورخيس وإرنستو ساباتو ضمن مجموعة كانت تجتمع في بيت الكاتب الأرجنتيني بيوي كاساريس، قبل أن يفترقا لعدة أسباب. في العام 1974 جمع الصحفيّ الأرجنتيني أورلاندو بارون الاثنين بعدما فرَّقّتهما السياسة، وصنع ثرثرةً بين أكثر نجمين في سماء الأرجنتين إشعاعًا وربّما خلافًا.

خلال سبع جلسات طويلةٍ تحدَّث الاثنان في كل شيء تقريبًا إلّا السياسة، إذ كان الكاتبان قد اشترطا للموافقة على إجراء الحوارات «عدم الخوض في التجربة السياسيّة البيرونيّة»،[3] هكذا شكّل محتوى هذه اللقاءات الكتاب الذي سيصدره الصحفي أورلاندو بارون وسيترجمه أحمد الويزي للعربية بعنوان محاورات بوينس آيرس، وستنشره دار شهريار 2019. وقد حصلت هذه المحاورات بين 14 كانون الأول 1974 و15 آذار 1975 في بوينس آيرس بالأرجنتين.

طريق مختلف

انتظم إرنستو ساباتو (1911-2011) ضمن كوادر الحركة الشيوعية في الأرجنتين في بداياته، قبل أن يقطع صلته بالحركة إثر موقفه من جرائم ستالين في روسيا، انتقل إلى فرنسا لدراسة الدكتوراة في فيزياء الذرة، وعمل هناك في مختبر كوري خلال النهار، وتسكّع ليلًا مع السورياليين، وقد قاده الاختلاط بهذه الجماعة إلى كتابة عدة روايات ودراسات في الأدب. تمتاز روايات ساباتو بأنها مملّة «كُتبي ليست مشوّقة، ولا أنصح أحدًا بقراءتها»،[4] يقول في حوار طويل مع كارلوس كاتانيا. أكثر ما عرف به في الأدب هي رواية النفق، لكنّه معروف هناك في الأوساط السياسيّة كناشطٍ ترَّأس اللجنة الوطنيّة للمفقودين في الأرجنتين إبان حكم بيرون وزوجتهِ، وسعى لمحاكمة العسكريين المرتبطة أسمائهم بعمليات الاختطاف.

بالإضافة إلى قدرته على التحدّث في شؤون الأدب مثلما لا يستطيع أحدٌ، وصل بورخيس إلى مرحلة من التأثير على أجيال الكتاب في أمريكا اللاتينية لم يصلها أحدٌ قبله.

على النقيض كان خورخي لويس بورخيس، على أقل تقدير، ملتزمًا الصمت ضد سلطات القمع، ولم يكن عنده مشكلة في التعامل معها، ليس في الأرجنتين وحسب إنما أمتدّت أذرع صمته حتى الشرق الأوسط حيث «إسرائيل». وكان يجول بين الحيوانات الخرافيّة ومغامرات كيبلبنغ ودانتي والكابالا اليهودية مستقيًا كل ما هو ديني ليوظفه في قصصه. بالإضافة إلى قدرته على التحدّث في شؤون الأدب مثلما لا يستطيع أحدٌ، وصل بورخيس إلى مرحلة من التأثير على أجيال الكتاب في أمريكا اللاتينية لم يصلها أحدٌ قبله.

تشرح قصة قصيرة جدًا كتبها الأوروغواياني فرناندو أيينسا إلى أي مدى وصل هذا التأثير باستحضار اسم بورخيس في كلّ حديث يخص الأدب، تقول قطعة من القصّة وهي على شكل وصايا إلى كاتب شاب: عليك أن ترتاح ستة أيّام وتكتب يومًا، عليك أن تخلق انتسابك الأدبيّ الخاص، لا تغو الشاعرة التي تبحث عن مقدمة [لكتابها]، لا تختلس استعارات الشاعر الذي لم ينشر بعد، «لا تذكر اسم بورخيس دون داعٍ».[5]

التاريخ الآخر

«إنَّ تاريخ الإنسانيّة لن يكون بدأ سوى بطريقة لا تستحق الذكر، بدردشات حصلت في مقهى مثلًا، أو ربَّما يُشبه هذا».[6] هكذا عبّر بورخيس عن توقيره لجلسات الثرثرات الأدبية التي جمعته بساباتو، هذه الحوارات تكشف ما لم يكن ليكون موجودًا في الكتب، وخاصة كتب السير وتاريخ الأدب إذ أنَّها تقدم الاعترافات وما حصل من تغييرٍ في المواقف.

كان ساباتو كثير الأسئلة مقارنة ببورخيس في هذه الحوارات، وهي أسئلة لم يكن لأي صحفيّ أو محاورٍ أن يستطيع توجيهها لبورخيس بهذه الجودة والمباشرة وأحيانًا بشيء من الجرأة.

كان ساباتو كثير الأسئلة مقارنة ببورخيس في هذه الحوارات، وهي أسئلة لم يكن لأي صحفيّ أو محاورٍ أن يستطيع توجيهها لبورخيس بهذه الجودة والمباشرة وأحيانًا بشيء من الجرأة، إذ أن ساباتو قارئٌ لبورخيس، وأكثر من ذلك يعرفه كما لم يعرفه صحفيّ من قبل، إذ كانا قد تعارفا سنة 1940 ببيت بيوي كاساريس. يسأل ساباتو بورخيس: «إنما قلّ لي بربك يا بورخيس، لماذا كتبت -إذا كنت لا تؤمن بالله- الكثير من القصص اللاهوتيّة؟»، يرد بورخيس «لأني أؤمن بأن اللاهوت ليس سوى أدب فانتاستيكي، إنه في غاية الكمال والإتقان كجنس أدبي».[7]

من المواقف التي تظهرها هذه المحاورات تغيّر آراء بورخيس في كثيرٍ من الأعمال الأدبيّة التأسيسيّة، فقد كان بورخيس يرى في الدون كيخوته مثلًا عملًا عاديًا، وأنَّ كيبيدو (كاتب معاصر لثرفانتيس) أحذق منه في توظيف فن اللغة وأن ثرفناتيس كاتب نصوص فروسيّة شعبيّة «أعتقد أنني كنت ظالمًا في حُكمي».[8]

لا تسير الحوارات بينهما في محاور محددة رغم محاولة الصحفي بارون السيطرة، إذ بدا وكأنه مستبعدٌ تمامًا أو غير حاضرٍ. في المحاورة الثانية بدأ بورخيس بسرد ما جرى له قبل أيّام، وهكذا فلتت الأمور من يد بارون تمامًا.

يروي بروخيس خبر تلقيه اتصالًا من مخرج، يطلب منه تحويل قصته الميّت إلى فيلم سينمائي «نصحت المنتجين بعدم احترام القصّة، الأدب شيء والسينما شيء آخر، اعتماد القصة منطلقًا لا أقل ولا أكثر، وترك المخيلّة حرة بعد ذلك، وطلبت منهم ألا يشيروا إلى اسمي».[9]

هكذا انتقلت المحاورة للحديث عن السينما والأدب، شرح خلالها ساباتو كيف كان همنغواي يستقي أفكارًا لنصوصه من أقلّ الأحداث احتمالًا لأن تكون مصدرًا للكتابة، إذ كان همنغواي يشاهد الأفلام التي أُخذت عن رواياته، ومن المشاهدة يستوحي أفكارًا لقصص أخرى. ثم يستطرد ليتذكر شكسبير الذي كان يستوحي نصوصه من كتّاب الدرجة الثانية ومخطوطاتهم الأكثر ابتذالًا.

ينتقلان سوية إلى الحديث عن الفنّ الشعبيّ كمصدرٍ ثانويّ، موسيقى التانغو الشعبية في الأرجنتين التي لا يستسيغها بورخيس، لا هي ولا موسيقى الروك والبلوز التي يصفها بأنها «موسيقى الصخب والضجيج». في حين كان ساباتو أكثر اهتمامًا بهذه المصادر الثانويّة؛ إذ أخذ يعدّد على مسمع بورخيس التيّارات الحديثة في الموسيقى وكتّاب الأغاني تلك الفترة مثل بوب ديلان،[10] لقد بدا ساباتو أكثر انفتاحًا من بورخيس على ما هو خارج الكتب.

في هذه الحوارات كان ساباتو يقود أفكاره في كثير من الأحيان إلى السياسة، بينما كان بورخيس يقودها إلى السخرية. فمثلًا، حين كانا يتحدثان عن جائزة نوبل، أشار بورخيس إلى ما يحصل معه عندما يقول له أحد الكتّاب أنه أحق من بورخيس بجائزة نوبل، ليردّ عليه الأخير بالقول إن هناك عشرات الكتاب في الأرجنتين وفي العالم أفضل منه، ومن بينهم كتّاب في مالي وفي بلاد الأسكيمو. أمّا ساباتو فيذهب إلى مناقشة معايير منح الجائزة «إن تلك اللجنة المكلفة بإعطاء الجائزة تنكبّ الآن بلا شكّ على التفكير في تمييز كاتب عربي، أو كاتب ينتمي على الأقل للشرق الأوسط، على اللجنة في السويد أن تنظر إلى الخريطة، وأن تحرص على التوازن».[11] 

يتقن بورخيس أكثر من لغةٍ، ومثله ساباتو، الأمر الذي جعلهما يبديان رأيهما في اللغات والترجمات أيضًا، ربما كانت الترجمات هي الميزة الأساسيّة التي خاضا فيها في أكثر من محاورة، بدا الاثنان وكأنهما يقودان مرافعات في فلسفة اللغة، من العربية التي سمعا عنها وحتى الألمانية، وخصائص الترجمات من الإنجليزية إلى الإسبانيّة، ثم عن الترجمات التي جاءت أفضل من النصوص الأصلية، والترجمات المشّوهة التي قلبت المعنى إلى آخر طريف. وترجمات الأعمال القديمة بلغة جديدة، وعن الترجمات التي أضافت للنصوص ما لم يكن فيها.

جال ساباتو وبورخيس على معظم الأعمال حول العالم، في نهاية إحدى المحاورات رد بورخيس بسخرية على سؤال لبارون فيما إذا قرأ أعمالًا من أمريكا اللاتينية «لا، أنا كرّست قراءتي منذ سنة 1955، للأدب الحديث، الذي يمتد من القرن 18 إلى القرن 19، وخاصة منه الأدب الأنغلوساكسوني والاسكندنافي»، ليعيد بارون عليه السؤال حول من يحضر بذهنه من أسماء الكتاب المعاصرين الذين ينتمون إلى هذا الجزء من العالم، وشرح ساباتو لبورخيس أن بارون يسأل عن كتّاب أمريكا اللاتينية المشهورين في تلك السنوات، تهرّب بورخيس، وعلى نحوٍ غير مفهوم لم يذكر اسم كاتبٍ من القارّة «لا والله أنا في هذه النقطة أتمسك بجهلي الذريع».[12]

التقليد القديم

يُحافظ الاثنان في نهاية الحوارات على تقليد قديمٍ في أمريكا اللاتينية، وهو اختصاص الشباب بشيء من أسرارهما أو الطريقة التي يكتب بها الكاتب نصوصه، إذ تحدث الاثنان بطلب من بورخيس عن هذا الأمر «حضرت موضوعًا للقاء اليوم سيكون بمستطاع كل منّا التحدث عن الكيفية التي يكتب بها» يقول بورخيس ويرد ساباتو «بإمكان هذا الموضوع أن يكون في غاية الأهمية بالنسبة للكتّاب الشباب»،[13] هكذا يشرعان بالحديث عن طريقة كتابة الرواية والقصة، بشيء من التفصيل.

في نهاية الحوار الأخير كان بورخيس يعترف بما اتّهم به على الدوام «ما أنجزته ليس سوى معارضةٍ وتقليد»،[14] وكان ساباتو يقدّم له العزاء في أن شكسبير ظلّ يقلّد ويعيد كتابة قصص وضيعة لكتاب وضيعين ويُخرجها بشكل آخر جيّد.

اشتهر بورخيس بأنه القارئ الذي لا يضاهيه أحدٌ في القراءة، لكن بعد قراءة هذا الكتاب سيكون علينا إضافة ساباتو إلى صورة القارئ الشامل، بسبب التشكيلة الواسعة من الكتب التي يتحدث عنها وآرائه الغريبة فيها.

بعد هذه اللقاءات التي جمعت ساباتو ببورخيس، عادت القطيعة بينهما، على نحو لا يعرفه أحدٌ، لكن ما كان معروفًا أن الأرجنتين دخلت بعد نشر هذه الحوارات سنة 1976 في قيود الحكم الحديدية التي جاء بها الجيش؛ إذ فُرض حظر التجوّل في البلاد. وفرضت الرقابة على كل ما كان يُكتب. توفي بورخيس سنة 1986. ودخل ساباتو في عزلةٍ واكتئاب طويلين، سيخرجه منهما حوار طويل آخر على شكل ثرثرة، أجراه الصحفي كارلوس كاتانيا ونشره في كتابٍ تحت اسم «إرنستو ساباتو بين الحرف والدمّ».

  • الهوامش

    [1] أورلاندو بارون، «محاورات بوينس آيرس»، ترجمة أحمد الويزي، دار شهريار، البصرة، 2019، ص 23.

    [2] بويدو وفلوريدا حركتان أدبيتان استلهمت الأولى مدرسة «المستقبلية الروسية» والروح الثورية من خلال الفن القصصي ومنهم ساباتو، بينما انحاز أعضاء «فلوريدا» ومنهم بورخيس إلى الشعر.

    [3] نسبة إلى الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون الذي حكم بين (1946-1955) و(1973-1974) وبعدها خلفته زوجته إيزابيلا وكانت فترة حكمهما فترة قمعٍ وجرائم ضد الناشطين السياسيين واليسار، وشهدت اختفاء 10-20 ألف مختطف.

    [4] كارلوس كاتانيا، «إرنيستو ساباتو بين الحرف والدمّ»، ترجمة عبد السلام عقيل، دار المدى، دمشق، 2003، ص 21.

    [5] «بحثًا عن الديناصور، مختارات من القصة القصيرة جدًا في أمريكا اللاتينية»، إعداد وترجمة سعيد بن عيد الواحد وحسن بوتكي، معهد ثرفانتيس بالدار البيضاء ط1 2005، ص 27.

    [6] محاورات بوينس آيرس ص 40.

    [7] المصدر السابق ص 42.

    [8]  المصدر السابق، ص 71.

    [9]  المصدر السابق ص 56.

    [10]  سيعيش ديلان وسيحصد جائزة نوبل للأدب عام 2016، رغم أنه بالدرجة الأولى غير روائيّ أو شاعر.

    [11]  المصدر السابق، ص 142.

    [12] محاورات بوينس آيرس، ص 116.

    [13] المصدر السابق، 163.

    [14] المصدر السابق، ص 190.