مدينة الزرقاء في الأدب الأردني: ذاكرة مائية جفّفها النسيان

الأربعاء 18 تشرين الثاني 2020
طفل على سطوح أحد المنازل في الزرقاء. عن موقع اليونيسيف.

احتضنت مدينة الزرقاء في القرن الماضي أدباء مبدعين على اختلاف أصولهم، وُلدوا ونشأوا فيها أو انتقلوا إليها في مرحلة الشباب لإكمال دراستهم الثانوية، مثل: فخري قعوار، وسميح القاسم، وشهلا الكيالي، وبدر عبد الحق، ويوسف ضمرة، وبسمة النسور، وأمجد ناصر، وغيرهم. إلا أن معظمهم لم يمكثوا في المدينة طويلًا، وسرعان ما غادروها إلى العاصمة عمّان أو مدن أخرى.

كما احتلّت مدينة الزرقاء في أوساط القرن العشرين مكانة مميزة في تاريخ الأردن، ولا يعود ذلك فحسب إلى «سيل الزرقاء» الذي كانت تقصده العائلات للسباحة والتنزّه، بل إن التنوّع العرقيّ القائم على قبائل البدو والشيشان والشركس وقدوم اللاجئين الفلسطينيين فيما بعد، مثّل تنوّعًا لا يقلّ أهمية عن التنوع العرقيّ في العاصمة عمّان آنذاك. وبالإضافة إلى ذلك، فإن احتواء مدينة الزرقاء على معسكرات الجنود، وقطار سكة حديد الحجاز الذي يمرّ فيها متّجهًا صوب الجنوب، وبدء ظهور المصانع ودور السينما فيها، كانت كلها عناصر مهمة تعكس جانبًا من تشكّل المجتمع الأردني، وكيف كان يتغيّر باتجاه التمدّن.

إلا أن التضخّم السكانيّ الهائل الذي شهدته مدينة الزرقاء في العقود الأخيرة، وما طرأ عليها من تغييرات قاسية نتيجة التلوّث البيئي، أثّر على حضور المدينة في مخيّلة الأدباء، وتركها محض ذكرى عابرة من ذكريات الزمن الجميل. وعليه، يُلفي القارىء أنّ أغلب ما كُتب عن مدينة الزرقاء خلال القرن الماضي- رغم شُحِّه- لا يمتّ بصلة إلى واقعها في الوقت الحالي، خاصة فيما يتعلّق بجغرافية المدينة وطبيعتها. أما عن حضور المدينة في الأدب الأردني اليوم، فيغلّفه الشعور بالحنين إلى ذلك «الفردوس المفقود»، أو تغلب عليه نبرة الحسرة والاستياء مما آلت إليه من تلوّث وقحط وإهمال. 

سيرة المدينة: زرقاؤنا ليست كزرقائهم

يرى الناظر إلى حال مدينة الزرقاء أنّ ثمّة مفارقة مُحزنة تكمن في اسمها على وجه الخصوص؛ إذ يعود سبب تسمية المدينة بالزرقاء تاريخيًا إلى كلمة أكادية من مقطعين أولهما «زار» وتعني مياه و «كي» وتعني منطقة. كما وصف ياقوت الحموي نهر الزرقاء في موسوعته الشهيرة «معجم البلدان» على أنه «موضع بالشام بناحية معان، وهو نهر عظيم في شعارى ودحال كثيرة، وهي أرض شبيب التّبعي الحميري، وفيه سباع كثيرة مذكورة بالضراوة، وهو نهر يصبّ في الغور».[1] ويتضّح من الوصف أن المنطقة كانت مائية خصبة تلفّها الغابات، وتحيطها السّباع، وتختلف اختلافًا شاسعًا عمّا آل إليه حال المدينة اليوم.

تعلّق د. هند أبو الشعر على وصف ياقوت الحموي لمدينة الزرقاء في ندوة أقيمت في «منتدى الرواد الكبار» بعنوان «ذاكرة مكان الزرقاء: الدلالة، الأهمية، التاريخ»، قائلةً: «كيف لنا أن نصدق ونحن نمر اليوم من أمام «سيل الزرقاء» الملوث الشحيح هذه المعلومة..؟ لقد تحول النهر النظيف إلى واد جاف لا شجر ولا خضرة ولا غابات، غلبته غابات الإسمنت وخنقته بلا رحمة، وامتلأت البيوت الإسمنتية بالناس الذين سيغرقون بالضحك لو قلنا لهم أن الزرقاء كانت «أرض مسبعة» تملؤها الغابات والينابيع النظيفة».

صورة قديمة ملونة حديثا لسيل الزرقاء في خمسينيات القرن الماضي.

من هنا، يبرز التركيز في النصوص الأدبية التي تتحدّث عن مدينة الزرقاء في الماضي على العنصر المائي وما يحوّطه من أشجار وخضرة، بين الذكرى والغياب. فمثلًا، تُخصّص د.عايدة النجار في سيرتها الأدبية «بنات عمّان أيام زمان، ذاكرة المدرسة والطريق» عام 2009 قسمًا كاملًا لوصف ذكريات الزرقاء في خمسينات القرن الماضي بعنوان «يمنة ويسرة إلى الزرقاء الجميلة». تصف النجار الطريق الواصل بين عمان والزرقاء، قائلة: «وفي الطريق إلى الزرقاء وعلى الجهة اليمنى، كانت هناك منطقة شبه صحراوية تختلف عن الجهة اليسرى التي يمر بها «النهر» إلى الرصيفة والزرقاء. ويرى المسافر من عمان إلى الزرقاء مجتمعًا من البدو الرحّل مع ماشيتهم التي تبحث مع أصحابها عن الكلأ والماء».[2] ويتضح من الوصف أن العنصر المائي كان ملحوظًا على الطريق المودي إلى المدينة، أما الطبيعة «شبه الصحراوية» فكانت تسود جانبًا واحدًا فقط.

كما تستعرض الكاتبة بداية ظهور التنوّع الاجتماعيّ والعرقيّ الذي شهدته مدينة الزرقاء آنذاك بسبب وجود الماء الذي كان يستقطب الجماعات إليها. وبالإضافة إلى حديثها عن المجتمع البدوي، تعكس النجار بدايات انتقال الطابع المدني والحضري من العاصمة عمّان إلى الزرقاء، حيث كانت العائلات المدنية «المتحررة» تقصد «بركة الزرقاء» للسباحة والتنزّه، فتقول: «عندما يصل الباص للزرقاء كان يستقبله مشهد مميز ظلّ في الذاكرة وهو بركة أو مسبح الزرقاء ونادي الضباط في الزرقاء الذي كان ملتقى الطبقة الراقية الوافدة من عمان. وقد استفادت بعض العائلات المثقفة المتحررة التي تسكن الزرقاء من هذه الخصوصية وعلّمت الأطفال من البنات والأولاد السباحة».[3] وكذلك تسهب في حديثها عن جوانب المتعة التي لا تنسى عند زيارة الزرقاء وعن منطقة «شارع الجيش» التي اعتبرتها أجمل المناطق التي كان يجيء إليها أهل عمّان وأهل الزرقاء لارتياد أوائل دور السينما ومشاهدة أفلامها، مثل سينما «النصر» وسينما «سلوى».

ما اعتبر بديلًا عن فردوس مفقود بالنسبة للمجتمعات التي هاجرت للمدينة، كان بذاته «فردوسًا مفقودًا» لا رجوع إليه بالنسبة لجيل لاحق.

وتذكر النجّار جماعات الشيشان والشركس الذين هاجروا إلى الأردن عام 1917 واستقروا في شمال المدينة قريبًا من «قصر شبيب» الذي يطلّ على سيل الزرقاء، وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية والتراثية في الرقص والغناء التي كانت تثير اهتمام جيرانهم العرب وتكسر مللهم في «ليالي الزرقاء الهادئة». وعلى ما يبدو، فإن تاريخ المنطقة ينطوي على العديد من المفارقات المحزنة؛ حيث تمثّل تحوّلات الزرقاء من النهر العظيم والغابات الكثيفة إلى سيل هزيل تحيط به الخضرة من جانب وتزحف إليه الطبيعة الصحراوية من جانب آخر محاكاة لقصة حياة المجتمعات التي هاجرت إليها. فقد هاجر الشيشان والشركس من طبيعة جبال القوقاز إلى منطقة الزرقاء في مطلع القرن العشرين، وحلّوا في أرض لا تشبه التي خلّفوها وراءهم. وكذلك هو حال مدخل المدينة الذي تذكر النجّار خصوصيته التاريخية المؤلمة، وذلك لوجود مخيم اللاجئين الفلسطينيين الذين جلبوا معهم مظاهر ثقافتهم أينما حلّوا بعد هجرتهم: «هذا المكان يبعث على الأسى والألم للحالة الاجتماعية البائسة التي يعيشها اللاجئون. وقد تركوا بيوتهم الحجرية الجميلة والبيارات المزروعة بالبرتقال والحواكير المزروعة بأشجار التين والزيتون والكرمة».[4]

لكن ما اعتبر بديلًا عن فردوس مفقود بالنسبة للمجتمعات التي هاجرت للمدينة، كان بذاته «فردوسًا مفقودًا» لا رجوع إليه بالنسبة لجيل لاحق. إذ تعبر الكاتبة الأردنية بسمة النسور عن حنينها إلى مدينة الزرقاء -مسقط رأسها في ستينات القرن الماضي- وإلى ذكرياتها الحميمية فيها، في مقابلة أجريت معها، قائلةً: «زرقائي حالة شديدة الخصوصية والاختلاف وهي قطعًا مكاني الأول الذي استعيد مفرداته بصعوبة محاولة التمييز بين الوهم والحقيقة، غير أنها تسكنني مثل بقية حلم غامض يرفض أن يغادرني تمامًا». كما تصف النسور زرقاء الستينيات على أنها «حالة متقدمة بكل المقاييس في تاريخ المكان الأردني عمومًا، مدينة تكونت بمحض الغبار والصدفة على هامش المعسكرات، تميزت بذلك الخليط السكاني العجيب»، وتعتبر النسور تنوّع المدينة وتعدّد أنماط الحياة والبشر وتعايشهم الرائع معًا عاملًا رئيسيًا أثرى رغبتها في الكتابة. ولم تُخفِ النسور شعورها بالحسرة على تلك الفترة الذهبية، وذكرياتها الدافئة عن المكان، وحزنها بسبب ما طرأ على المدينة الهادئة من تحوّلات اجتماعية وسياسية أثّرت سلبًا على نسقها، قائلة: «اعذريني إذا تعاطيت مع الزرقاء كفردوس مفقود لأنها كانت كذلك فعلًا لأبناء جيلي، حيث انتزعنا مرة والى الأبد من حالة التيقن والاطمئنان للناس وللمكان في مرحلة السبعينات وأحداثها السياسية العاصفة حين عمّ الخراب والانقسام والفتنة التي تمكنت من البسطاء فشوهت بساطتهم، وأجهزت عليها، وسادت حالة من الريبة بالآخر والانكفاء على الذات».

أما «حارة السعادة» التي تحدّثت عنها النسور في المقابلة، فقد تحوّلت اليوم إلى «شارع السعادة» الذي يحمل مفارقة أخرى مُضحكة مُبكية في اسمه؛ إذ يُعتبر من أكثر مناطق الزرقاء ازدحامًا واتّساخًا وتعاسةً؛ حالة تعكس شعور ساكني المدينة واضطرارهم للتعامل اليومي مع هذا الانفصام العميق بين تاريخ المدينة وحاضرها، وكلّ تلك المفارقات الساخرة التي تحملها أسماء المناطق أمام واقع المدينة القبيح.

شعريّة الزرقاء

لا يعتبر حضور مدينة الزرقاء في الشعر الأردني كثيفًا على الرغم من أنها كانت وما زالت تحتضن عددًا من الشعراء الأردنيين والفلسطينيين. واستنادًا على قراءتي لعدد من القصائد القليلة التي كُتبت عنها، فيمكن القول إن معظم محاولات احتواء مدينة الزرقاء من خلال التجارب الشعرية ما زالت محدودة الأبعاد، تنقصها الخصوصية، وتفتقر إلى عنصري التجريب والابتكار بعيدًا عن الأسلوب التلقيني المباشر، كما في قصيدة «الزرقاء عاشقة الفرسان»[5] للشاعر حمودة زلوم.

أما الشاعر الأردني المولود في الزرقاء مهدي نصير فتبدو تجربته الشعرية أكثر نضجًا وتعمّقًا في ذاكرة المكان والبيئة المحيطة كما في مجموعته الشعرية «قراءة في نقش صحراوي» عام 2010. وعلى الرغم من غياب الكثير من مظاهر الشعرية والجمال عن المدينة، إلا أن الشاعر ما زال محتفظًا بشاعرية أخرى تمثل خصوصية علاقته مع الزرقاء في قصيدة «الزرقاء هذه المدينة المدهشة» عام 2014، حيث ترتكز أبرز الثيمات الظاهرة في قصيدته على ذكريات الطفولة البسيطة في أرجائها، والإصرار على الشعور بالانتماء إلى المدينة رغم تردّي أوضاعها. يقول نصير: «أنا الذي عشقَ الزُّرقةَ باسمِها/ والذي نبتتْ لثغاتُ طفولتهِ في شوارِعِها/ ومطارِحِها/ وأزقَّتِها/ وعلى شُرُفاتِ مقاهيها./ أنا ابنُ شِتاءاتِها/ وابنُ دهشَتِها/ وابنُ أسواقها/ وابنُ طينِ مُخيَّمِها/ وابنُ أبنائِها البُسطاء».

ورغم الطابع العاطفي الذي يغلّف هذه الأسطر الأولى من القصيدة، إلا أن الشاعر على ما يبدو يدرك جيدًا واقع مدينته وبساطتها، وأن زرقتها أمست محض صفة لا تتعدّى اسمها، ومع ذلك فهو لا يتردّد في الإعلان عن انتمائه إلى كل زواياها وأزقتها. كما  يوظّف الشاعر العنصر المائي في الأسطر التالية باعتباره جزءًا من تاريخ المدينة، وذاكرة من لجأوا إليها في زمن الاحتلال والحروب: «وابنُ بسْطةِ فلاَّحةٍ/ كانتِ التحفتْ ثوبَها القرويَّ/ ورشَّتْ على ضُمَمِ الزعترِ والجرجيرِ ماءً/ ليبقى طازجاً كقلبِها المقدودِ من حزنِ ماء الشريعةِ/ حينَ حَمَلتْ أطفالها وجثَّةَ زوجها الشهيدِ/ لتسكنَ قرب ماءٍ/ كان يخترق الزرقاء ليمضيَ نحو مصاطبِ زعترها البعيدة». 

ولا ينكر الشاعر أن مدينته تبدّلت وصارت تنطوي على كثير من التناقضات، لكنه يرى أن انتماءه إليها آخذ بالتشكّل من وحي تلك التناقضات، ورغم كل التغيّرات التي طرأت على طبيعة المدينة منذ طفولته. ومن هنا يتضّح اتّكاؤه على عنصر السرد في القصيدة، فيقول: «أنا ابنُ مائكِ/ وابنُ قحطِكِ/ وابنُ حزنِكِ/ وابنُ أفراحِكِ الشَّحيحات./ أنا ابنُ سيلِكِ حينَ كانَ يهدرُ/ وحينَ كانَ يجفُّ/ وحينَ كانَ يلملمنا صِبيةً تحتَ ظلِّ توتةٍ لفلاحٍ شيشانيٍّ قاسٍ، كان يحرسُ ثمرات التوتِ بكرباجٍ أسودَ غزلتهُ لهُ امرأةٌ شيشانيَّةٌ من ذيلِ ثورٍ هَرِمَ وهو يحرثُ قي ضفافِ السيلِ الوعرة» إلا أن مشاعر الدهشة والفخر والانتماء لم تمنع الشاعر من أن ينهي قصيدته متسائلًا، أو لربما مستنكرًا، عمّا حلّ في المدينة اليوم نتيجة الإهمال والتخلّي: «الزرقاء: هل غادرناها أم غدرناها؟».

«زرقاء بلا ذنوب»

بعد أن جفّ سيل الزرقاء وخفتت صفارات القطار فوق السكّة الحديدية، لم يعد هناك شيء يميّز المدينة اليوم سوى هوائها المُلوّث بدخّان مصانعها ووجوه سُكّانها المنهكين. ولعلّ المجموعة القصصية «زرقاء بلا ذنوب» عام 2010، للكاتب الفلسطيني الأصل والمقيم في مدينة الزرقاء سعادة أبو عراق، من المجموعات القصصية النادرة التي أنصفت حضور المدينة في مجال القصة القصيرة الأردنية، وتعمّقت في خصوصية مناطقها، وألقت الضوء على مشاكلها في مطلع الألفية الجديدة. تضمّ المجموعة القصصية عشرين قصة، تحمل عناوينها أسماء مناطق مختلفة من مدينة الزرقاء، يتّكىء الكاتب فيها بشكل رئيسي على خلق شخصيات زرقاوية بامتياز، يسعى من خلالها إلى عكس أجواء ومشاكل المدينة وإعطائها نكهة خاصة بها.

وعلى الرغم من أن الشخصيات التي يخلقها الكاتب ذات أبعاد واقعية، إلا أن ارتكازه بكثرة على توظيف الراوي العالِم الذي يسرد الأحداث بضمير الغائب يترك الشخصيات مغيّبة عن واقعها، لا لسان لها، باستثناء بعض القصص التي يسمح الكاتب لشخصياته بسرد الأحداث بلسانهم، بعد أن خرجوا عن حرقة صمتهم. وتُخيّم على قصص المجموعة صبغة قاتمة، كما يسيطر الطابع المأساوي حتى على بعض القصص الرومانسية فيها؛ تلك التي تحكي ذكريات المدينة الجميلة، مثل القصة الأولى في المجموعة وعنوانها «شارع النزهة»، وهي إحدى القصص الحزينة التي تربط ذكريات عجوز عن المدينة بالحبيبة القديمة التي اختفت وعادت في هيئة أخرى تمامًا. حيث يلتقي حبيبان قديمان بعد أن صارا عجوزين على أبواب المحكمة، وفيما يحاول العجوز نايف كاتب الاستدعاءات أن يستعيد كتابة حلم الشباب بعد أن فات الأوان، يطلب من العجوز زكية التي جاءت لتشتكي على أولادها أن تتزوجه، فتعود ذكريات العجوز المائية الخصبة إلى مجاريها: «أطرقت وهي تبتسم، فاسترخت قسمات وجهه، فرأي السيل يتدفّق بمياهه الصافية، ورأى القصب يحفّه، وبساتين الخصّ، وأشجار التوت والمشمش وارفة كما يشتهي».[6] 

أما في قصة «سينما النصر»، تنتهي زيارة زياد شكري وخطيبته إلى السينما بتصادم عنيف مع شخصية بدر البدران؛ شخصية يخلقها الكاتب لتمثّل أحد رموز السلطة والوشاية والفساد في المدينة. يصف الكاتب كيف تغيّر حال المدينة مؤخرًا، وكيف غابت عناصر الاستقرار والطمأنينة عنها في السطور الافتتاحية للقصة قائلًا: «هي الزرقاء، مترفة بينابيعها وبساتينها وسينماتها الأربع، تصحو باكرًا إلى المصانع والمعسكرات، وتبيت نصف الليل في السينمات، ونصفه الآخر في البيوت، لكنها في سنواتها العجاف هذه، تسهر الليل كله خشية العسس والواشين».[7]

«أيها الناس، لا تصدقوا أن الزرقاء بلا قلب، بل قولوا: قلبها لا ينبض».

يعالج الكاتب في القصص الأخرى تلك النظرة الدونية نحو مدينة الزرقاء، خاصة من أهلها أنفسهم. إذ لا يتردّد البعض أن يدير وجهه عن المدينة ويتبرّأ منها سرعان ما تسنح له الفرصة بالهروب، كما في قصة «نادي الضباط». تعكس شخصية فاروق بازرجي الرجل العسكري الذي يعيش في عظمة زائفة، «متمسّكًا بمظهرية عسكرية عاشها من ستين سنة»، فيحضر حفلات نادي الضباط رغم انسلاخه عن واقع المدينة وأفكاره المتناقضة في تربية ابنه فؤاد، حيث أرسله ليدرس في بلاد الإنجليز بعد أن شحنه «بالإعجاب المفرط» بهم وشجّعه على «تحقير العرب»، فذهب الولد ولم يعد إطلاقَا، لأن الزرقاء في نظره «بلد البدو والعمال واللاجئين، ولم يجد في نفسه رغبة أن يأتي ليشارك في تشييع أمه، فالزرقاء لا تصلح مهبطًا لقدميه».[8] وتظهر تلك النظرة الدونية إلى مدينة الزرقاء أيضًا في قصة «الزرقاء الجديدة» حيث يغير عدنان الخطيب مسقط رأسه من الزرقاء إلى عمان، ويدّعي أنه من سكان عمان «الأصليين» حتى يغطّي شعوره بالعار من المكان، ويتخلّص من طلبات أهل مدينته للحصول على مساعدة في الوزارة التي يعمل بها. إلا أن عنصر الصدمة يظهر عندما تعلن الوزارة عن رغبتها في تعيين رئيسًا لبلدية الزرقاء شرط أن يكون من مواليدها، فحينها لا يخجل أن يصرّح عدنان عن أصله طمعًا في تحقيق غايته: «والله إني من الزرقاء ومن مواليدها… أقسم أنّي من الزرقاء».[9]

إن المجموعة القصصية زاخرة بشخصيات زرقاوية من وحي المكان، يسلّط الكاتب من خلالها الضوء على العديد من المشاكل التي تغرق بها الزرقاء، ومنها مشاكل الفساد والاستغلال الإداري في الانتخابات. فمثلًا في قصة «المسلخ»، يصوّر الكاتب بأسلوب ساخر كيف تأخذ عملية الانتخابات مجراها في المدينة، وكيف يُساق الناخبون إلى العملية الانتخابية كالخراف التي يأتون ليتناولها فيما بعد، دون أن يدركوا أنهم أول وآخر ضحايا هذه العملية بأكملها: «منذ ابتداء الحملة الانتخابية، ومسلخ البلدية أهم موقع في الزرقاء، ذلك أن المرشحين ومديري حملاتهم الانتخابية، يأتون صباحًا إلى المسلخ، وفي سياراتهم البيكب عشرات الخراف والماعز، يأخذون الدور، لتذبح لهم الخراف باكرًا»، ويضيف ساخرًا كيف تعمل الانتخابات على تعميق الإحساس بالوحدة الوطنية، وتظاهر المرشّحين بالسعي إلى حل مشاكل المواطنين، وذلك من خلال استرضائهم للناخبين بتأمين احتياجاتهم المؤقتة: « هكذا توحّد في الزرقاء المنسف الكركي والكنافة النابلسية وأصبحت كل مشكلات الزرقاء محلولة».[10] ولا يغفل الكاتب كذلك عن استعراض شرائح أخرى من المجتمع الزرقاوي؛ تلك التي تؤثر التكاثر على هيئة جماعات، وبالتالي تشكّل خطرًا أكبر على المدينة، مثل العصابات في قصة «شارع السعادة»، والجماعات الإسلامية المتطرّفة كما في قصة «شارع الإسلام».

ولا أدري في الحقيقة إن كان تشاؤمًا أم واقعية أن يكون مصير كل الشخصيات الزرقاوية التي تسعى إلى التغيير هو الخيبة والفشل، مثل قصة «عوجان» التي تحكي قصة فدوى ومحاولاتها الفاشلة في تأسيس ثورة العمال وإعادة المرأة إلى ساحة القرار. أما في قصة «حي معصوم»، وخلافًا لمعظم قصص المجموعة التي استندت على توظيف الراوي العالِم واستخدام ضمير الغائب للحديث عن الشخصيات الزرقاوية المغيّبة عن الساحة، فإن الكاتب يوظّف في هذه القصة تقنية الراوي بضمير المتكلّم، بمثابة ردة فعل للمواطن الزرقاوي بعد أن خرج عن صمته بعد معاناته الطويلة من إهمال البلدية وتهميشها له، رغم ولائه الخالص لمنطقته: «أيها الناس، لا أملك أن أغادر معصوم إلى عمان، ولا أملك أن أرى المكان الذي هُرس فيه أبي قد أصبح مجلس أرجيلة… أيها الناس، لا تصدقوا أن الزرقاء بلا قلب، بل قولوا: قلبها لا ينبض».

في النهاية، تخلص معظم الشخصيات الزرقاوية في المجموعة إلى أن محاولات التمسّك بذاكرة المدينة والولاء إليها ممكنة بعد عناء، لكنها لا تخلو من مشاعر الحزن والحسرة على ما لا يمكن استرجاعه أو حتى تغييره. وتظلّ مشاعر أهل المدينة متضاربةً متذبذبةً كسيلها؛ الذي يجفّ صيفًا، ويفيضُ شتاءً، فيتسلّل إلى بيوت الناس المنهكة، ويزيد طينها بلّة.

  • الهوامش

    [1] معجم البلدان، ياقوت الحموي، المجلد الثالث، ص 137.

    [2] بنات عمّان أيام زمان، ذاكرة المدرسة والطريق، د. عائدة النجّار، ص 54.

    [3] المصدر السابق، ص 57.

    [4] المصدر السابق، ص 61.

    [5] لقراءة القصيدة انظر/ي، أنطولوجيا الزرقاء الإبداعية، محمد المشايخ، ص 70.

    [6] زرقاء بلا ذنوب، سعادة أبو عراق، ص 13.

    [7] المصدر السابق، ص 31.

    [8] المصدر السابق، ص 49.

    [9] المصدر السابق، ص 84.

    [10] المصدر السابق، ص 142.