مسلسل «Counterpart»: قصة عولمتين

الخميس 15 تشرين الأول 2020
مشهد من مسلسل «Counterpart».

يقع على عاتق أعمال الخيال العلمي التنبؤ بالمستقبل أو التحذير منه بشكل عام. قليلة تلك الأعمال التي تتنبأ بكارثة بدقة فتحدث بعد فترة. على سبيل المثال، صدر فيلم «Stalker» للمخرج السوفيتي «إندريه تاركوفسكي» في عام 1979، ليحكي حكاية «منطقة» معزولة خطرة تحدث فيها ظواهر غريبة ويمنع دخولها بأوامر من الجيش، وذلك قبل سبع سنوات تقريبًا من كارثة «تشرنوبيل» في أوكرانيا، التي أدّت إلى خلق «منطقة استبعاد» معزولة واسعة وخالية من سكانها. 

أما مسلسل «Counterpart» للمخرج جاستن ماركس والذي صدر على شبكة «Starz» في نهاية عام 2017، فقد تحدث عن «زيارة» الشخصية الرئيسية لعالم فيه مدن شبه خالية، اقتصادات منهارة، أفلام توعوية عن طريقة التعامل مع الفيروس، وضحايا وباء عالمي وصل عددهم إلى سبعة بالمائة من سكان العالم، وذلك قبل سنتين من تفشي جائحة كورونا. 

إلا أن الوباء الموصوف بدقة ليس الأداة الروائية الأساسية المحركة للحبكة في هذا المسلسل. في عام 1987، أي قبل نهاية الحرب الباردة بقليل وقبل ثلاثة عقود من بداية الحبكة الرئيسية، تؤدي حادثة في إحدى التجارب التي يقوم بها فريق من العلماء في برلين الشرقية، إلى انقسام العالم إلى عالمين متوازيين متطابقين بينهما «بوابة عبور»، حيث يحمل كل من العالمين صفات مطابقة للعالم الأصلي قبل الانشطار، لكنهما يبدآن بتطوير صفات مغايرة ومنفصلة بتسارع في طريقة تطورهما. 

بعد نهاية الحرب الباردة، تؤسس مجموعة العلماء (تحوي الخبير ونظيره من كلا العالميْن) منظمة دولية برعاية الأمم المتحدة وعدد من الحكومات الغربية (من كلا العالمين كذلك)، وذلك بهدف الابقاء على سرية «بوابة العبور» وإدارة الشؤون القنصلية والدبلوماسية والأمنية بين العالمين، وكذلك من أجل تبادل المعلومات الاقتصادية والعلمية عن المصادر الطبيعية في العالمين المتطابقين. وعلى هذا الأساس، تسمى هذه المنظمة بشكل مبهم «مكتب التبادل» أو «Office of Interchange»، وفي نقطة ذكية للحبكة، ورفضًا لأن يكون أي من الطرفين تابعًا للآخر، يسمى أحد العوالم «العالم ألف»، ويسمى الآخر «العالم الرئيسي». 

وفي عام 1996 يتفشى وباء في «العالم الرئيسي»، يؤدي إلى حدوث انهيار جزئيّ وتأخر في منظومته السياسية والاقتصادية، بينما يستمر «العالم ألف» بالنمو والازدهار بوتيرة أسرع، وتؤدي هذا الجائحة إلى توتر العلاقات وتبادل الاتهامات بين الطرفين في المنظمة حول سبب تفشي الفيروس، وإلى تأسيس تنظيم يميني سريّ متطرف في «العالم الرئيسي» يدعى «المدرسة»، حيث يهدف مؤسسوه إلى الانتقام عن طريق زرع خلايا نائمة مسلحة في «العالم ألف». 

الأسلوب السردي والسينمائي بالمقارنة مع أعمال أخرى 

يندرج المسلسل تحت فئة أعمال الخيال العلمي التي تأتي في سياق معاصر وواقعي. مصطلح «النولنة» أو «Nolanization» يصف الطريقة التي طور فيها المخرج «كريستوفر نولان» هذا الصنف من الأعمال. استجلب «نولان» في أسلوبه فكرة الخيال العلمي أو الاجتماعي غير الواقعية، مثل ظهور شخصية «الجوكر» في المجتمع في فيلم «فارس الظلام»، وظهور تكنولوجيا العقل الباطن في فيلم «Inception»، ووضع تلك الأفكار في سياق أنيق ومعاصر شديد الواقعية وبالغ الشبه بالعالم الذي نعيش فيه.

يعتبر مسلسل «Counterpart» عملًا «نولنيًا» بامتياز، إذ إنه يضع فكرة الخيال العلمي القائمة على تعدد العوالم الموازية في سياق غربي دولي وبيروقراطي وأمني في منتهى الواقعية.

وقد جرى تبني هذا الأسلوب في عدة أعمال أخرى، مثل فيلم «جيمس بوند» الثالث والعشرين «Skyfall» من قبل المخرج «سام مينديز»، حيث يمكن اعتباره من أفضل الأفلام في تاريخ تلك السلسلة. يمكن ملاحظة عدة قواعد «للنولنة»: المعاصرة والابتعاد عن المستقبل البعيد أو عن الدستوبيا المتطرفة، الابتعاد عن المبالغة الكرتونية في وصف عالم القصة، تجنب استخدام المؤثرات البصرية عبر تقنية الحاسوب والتركيز عوضًا عن ذلك على التصوير البانورامي للمدن والأماكن الواقعية وتمثيل الشخصيات المبنية على نحو تفصيليّ وإنسانيّ.

على هذا النسق المذكور، يعتبر مسلسل «Counterpart» عملًا «نولنيًا» بامتياز، إذ إنه يضع فكرة الخيال العلمي القائمة على تعدد العوالم الموازية في سياق غربي دولي وبيروقراطي وأمني في منتهى الواقعية. وزيادة على ذلك، لا يرينا المسلسل عالمًا واحدًا فحسب، بالغ الواقعية والشبه بعالمنا، بل عالمين اثنين، إذ يوظف الاختلاف والانعكاس في أسلوب التصوير للتفريق بين هذين العالمين. ففي «العالم ألف» المزدهر، تستخدم الكاميرا ذات العدسة الصفراء، ويجري التركيز على الألبسة والأثاث والمقتنيات ذهبية اللون، وعلى المشاهد المشمسة الدافئة. وفي «العالم الرئيسي» المنكوب، تستخدم الكاميرا ذات العدسة الزرقاء ويجري التركيز على الحاجيات الزرقاء والرمادية وعلى المشاهد الليلية والشتوية الباردة. وأما مشاهد «بوابة العبور» فقد اعتمدت على بناء موقع تصوير بسيط ذي طراز عتيق سوفيتيّ، على نحو يذكرنا بمشاهد الأماكن الصناعية المهجورة في فيلم «Stalker».   

يعتبر المسلسل واقعيًا وأصيلًا في أسلوب مقاربته لأداة الرواية الرئيسية. إذ إن الحادثة في التجربة العلمية، لم تؤدِ إلى فتح بوابة إلى عالم آخر (كما هو المعمول به في العديد من الأعمال المشابهة)، بل أدت إلى انشطار العالم الواحد إلى اثنين، بحيث يسمح بدراسة تجربة اجتماعية خيالية جديدة: إذا كان لدينا عالم واحد وأصبح لدينا اثنين، فهل من الحتمي أن يتطور العالمان التوأمان على ذات النسق، أم سيتطور كل منهما بشكل مستقل؟ 

كذلك، يوظف المسلسل حدث الانشطار لإثراء شخصيات المسلسل وتمتينها عن طريق دراسة الفرق والتضاد بين نسختي الشخصيات الرئيسية في العالمين. حيث يلعب الممثل الأمريكي «جي كي سيمونز» (المتألق والحائز على جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم «Whiplash») دور «هاورد سيلك من عالم ألف» موظف منخفض المرتبة في «مكتب التبادل»، ساذج وطيب وزوج محب، يلتقي من خلال الأحداث بنظيره «هاورد من العالم الرئيسي»، عميل أمني عالي الرتبة والنفوذ في «مكتب التبادل»، قاسٍ ومتهور ومنفصل عن زوجته منذ وقت بعيد.

هذه الدراسة للشخصيات تذكر بالنوع الروائي الخيالي القائم على جزع الإنسان من أن يحلّ توأمه الغريب عليه فجأة مثل رواية «الشبيه» لدوستويفسكي ورواية «رجل مكرر» لجوزيه ساراماغو. 

عوالم العولمة 

مع أن الشخصية الرئيسية اختيرت لتكون أمريكية الجنسية (ربما من أجل جذب المشاهد الأمريكي)، إلّا أن قصة المسلسل أوروبية بامتياز. إحدى أفضل القرارات التي قام بها صناع المسلسل كان اختيار العاصمة الألمانية برلين مكانًا للقصة. فوجود نسختين من المدينة في كونين مختلفين حاكى جو الحرب الباردة عندما كانت المدينة منقسمة بالفعل في فترة الثنائية القطبية بين الشرق والغرب. واختيار برلين مكانًا للمسلسل، عنى بالمحصلة اختيارها مقرًا لمنظمة «مكتب التبادل» الدولية، على نحو يحاكي عدة عواصم ومدن أوروبية أخرى، مثل مكتب الأمم المتحدة في جنيف في سويسرا، والمحاكم الدولية في لاهاي في هولندا، ومقرات الاتحاد الأوروبي في بروكسل في بلجيكا.

إلا أن «مكتب التبادل» يُذكّر في هندسته المعمارية ومظهره الخارجي «بمنظمة التعاون والأمن في أوروبا» في العاصمة النمساوية فيينا، والتي تم تأسيسها في مرحلة «الانفراج الدولي» في عام 1975، من أجل تنسيق العلاقات الأمنية بين المعسكرين الشرقي والغربي، حيث أدّى ذلك إلى تطبيع وتحسين العلاقات بين الجمهوريتين الألمانيتين الشرقية والغربية. 

بناءً على هذه الأسس، يفكك المسلسل سردية توحيد العالم في حقبة العولمة تحت إدارة مؤسسات المجتمع الدولي الليبرالية (عندما جرى إدماج الألمان «الشرقيين» ما بعد الشيوعية في المجتمع الأوروبي). تلك المؤسسات الدولية تضخمت في فترة ما بعد الحرب الباردة على نحو يشابه فترة إنشاء عصبة الأمم، على يد «وودرو ولسن» والحلفاء الغربيين بعد الحرب العالمية الأولى، وفترة إنشاء الأمم المتحدة وبدايات الاتحاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية (عندما جرى إدماج الألمان «الغربيين» ما بعد النازية في المجتمع الأوروبي). 

لا يسعى هذا العمل إلى القيام بتلك العملية التفكيكية بشكل سطحي، متبنيًا سردية حقبة «ما بعد العولمة» السائدة بعد أزمة عام 2008، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، وصعود اليمين المتطرف والانعزالية والحمائية، بل يذهب أبعد من ذلك، إلى بدايات فترة ما يسمى بالأحادية القطبية.

إن اختيار المسلسل للعام 1996 تاريخًا لتفشي الوباء في «العالم الرئيسي»، وتركيزه على مشاهد الموت والفقدان بالعدسة الزرقاء الرمادية الباردة، يذكرنا أن حقبة التسعينات لم تكن فترة ذهبية تستحق الحنين؛ حصار العراق واقتتال الصومال وتفكك يوغسلافيا كان مجرد مقدمة لما سيأتي لاحقًا. 

الانقسام الأساسي بين عالمي المسلسل (وفي عالمنا)، ليس تضادًا بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، وليس انقسامًا حضاريًا على طريقة «صامويل هنتنجتون»، بل هو انقسام بين نسختين وسرديتين عن العولمة، بين المحظوظين الرابحين من العولمة وبين التعساء الخاسرين فيها.

هذه الثنائية تذكرنا بالاختلاف على تفسير الأحداث التاريخية المفصلية في الجملة الأولى من رواية «قصة مدينتين» للكاتب تشارلز ديكنز:

«كان أحسن الأزمان وأسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة وكان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان وكان عهد الجحود، كان زمن النور وكان زمن الظلمة، كان ربيع الأمل وكان شتاء القنوط. كان أمامنا كل شيء ولم يكن أمامنا شيء». 

وبسبب الالتباس والغموض والتغير المستمر في تحديد معالم هذا الانقسام، لا يمكن الحديث عن أحادية أو ثنائية قطبية أو حتى عن تعدد الأقطاب، بل ينتقل العالم إلى مرحلة «ما بعد القطبية»، حيث تظهر حركات اجتماعية جديدة لا يمكن فهمها أو قياسها بالطرق التقليدية. (على سبيل المثال، تنظيم «المدرسة» في المسلسل، لم يكن حراكًا يمينيًا عرقيًا أبيض، ولم يكن يساريًا اشتراكيًا، بل هو تنظيم متعدد الأعراق والثقافات، لا أيدولوجية له ولا هدف، إلا الانتقام العدمي والمرير من سكان العالم الآخر).  

مسألة الهوية أيضًا تصبح غامضة في عالميْ المسلسل، ويمكن ملاحظة ذاك الغموض والتغيير على الشخصية الرئيسية (أو الشخصيتين الرئيسيتين)، والشخوص الأعضاء في تنظيم «المدرسة»، فالآخر لم يعد ذلك الآخر البعيد المريح المغاير المتطرف، الذي يساعدنا على تحديد أنفسنا ببساطة، بل هو الآخر القريب المشابه الذي لا نعرف أين نبدأ نحن وأين ينتهي هو.  وأمّا نحن، فأولئك الذين يشكل هويتهم تراكم التاريخ وظروفه، فإذا ولدنا في الجزء المظلم من العالم، سنجد أنفسنا نقتل أجزاء من نفسنا ومن هويتنا من أجل النجاة. وكأن المسلسل يحاول أن يقول أن المعاناة الخفية هي بحد ذاتها العالم الخفي، هي ذاك العالم الآخر الذي لا نعلم عنه. 

لا يمكن مقارنة مسلسل «Counterpart» كإنتاج سينمائي بفيلم «Stalker»، فالأخير يعتبر من بين أعظم الإنتاجات في تاريخ السينما. أمّا مسلسل «Counterpart» فليس مثاليًا وتشوب حبكته بعض العيوب؛ هل من المُرجّح أن يعمل «هاورد» في «مكتب التبادل» ثلاثين عامًا دون أن يعرف ما يتمحور حوله عمله؟ كيف يمكن تهريب أشخاص بين العالميْن مطابقين في منظرهم لعاملين في «مكتب التبادل»؟ لماذا لم يتفش الفيروس إلى «العالم ألف» بسهولة كما تفشى فيروس «كورونا» ووصل إلى رؤساء وقادة في عالمنا؟ مع ذلك، إن ما يجمع العمليْن كما قلنا هو تنبؤهما بحدث سبب تحويرًا جسيمًا في سير التاريخ، كارثة «تشرنوبيل» كانت إحدى العوامل وراء انهيار الاتحاد السوفيتي، أمّا جائحة هذا العام فها نحن نترقب، في الحجر وخارجه، ما سيترتب عليها.