مروان محفوظ: مسيرةٌ في مراوغة الظلّ

الثلاثاء 18 آب 2020
مروان محفوظ، عن غلاف إحدى أسطواناته، صادرة عام 1974.

توفيّ المغنّي اللبناني مروان محفوظ في الـ25 من شهر تمّوز الجاري في دمشق. أعلنت وزارة الثقافة السورية في بيان رسمي أنّ محفوظ قدّم حفلًا غنائيًا في دار الأوبرا السورية في دمشق، قبل أن يصاب بفيروس كورونا المستجد، الذي أدّى إلى تدهور حالته الصحيّة ووفاته عن 80 عامًا.

إعلان وفاة محفوظ كان مفاجئًا للكثيرين، لكن معرفة أنه ما زال يغنّي كانت مفاجأة أخرى. خفت نجم المغنّي في بيروت منذ زمنٍ بعيد، وإن ظل عددٌ من أغانيه يذاع حتّى اليوم في الإذاعات والتلفزيونات المحليّة وكذلك في السهرات والاحتفالات.

كتِبت في الأيام الماضية، الكثير من المراثي للراحل، لكنّ أيًّا منها لم يتطرّق لأسباب ضمور شهرته. صحيح أن محفوظ ينطبق عليه ما ينطبق على معظم أبناء جيله الذين غابت أسماؤهم عن الذكر في السنوات الماضية، مثل عازار حبيب وإيلي شويري وجورج عازار، إلّا أنّ هناك عاملًا مغفلًا لعب دورًا رئيسيًا في نسيان الرجل الذي غنّى لمجموعة من أهم الملحّنين في لبنان وسوريا، من آل الرحباني (عاصي ومنصور ولاحقًا زياد وإلياس)، إلى وديع الصافي وفيلمون وهبي وزكي ناصيف وسهيل عرفة. 

في العام 1985، فقد مروان محفوظ صوته فجأة. انتزع تضخّم مفاجئ في الأوتار الصوتيّة من المغنّي قدرته على الغناء. كان عليه أن يقضى السنوات اللاحقة في السعي لاستعادة صوته، لكنّه لم ينجح في ذلك إلّا بعد 12 عامًا، وتحديدًا في العام 1997. 

يلخّص محفوظ حالته في تلك الفترة في مقابلةٍ مع مجلة المسيرة بالقول: «حسيت ع حالي راح صير بالعصفورية».

باستثناء هذا الجواب المختصر، ونتفٍ من أجوبة متناثرة في مقابلاتٍ مكتوبة هنا وهناك، يصعب إيجاد معلوماتٍ إضافية على الإنترنت عمّا عاشه محفوظ آنذاك. لا معلومات عن سبب المرض أو رحلة الشفاء منه، ولا عن حالته الذهنيّة والنفسيّة في تلك المرحلة.

لا يتحدّث محفوظ عن فترة توقّفه عن الغناء في أيٍّ من مقابلاته التلفزيونية، ولا يذكرها في أيٍّ من الفيديوهات التوثيقية المنشورة على قناته الرسميّة على «يوتيوب». ينطبق الأمر نفسه في الصحافة المكتوبة، يبدو محفوظ راغبًا في نسيان هذه الفترة من حياته. يظهر هذا بوضوح في مقابلةٍ له مع صحيفة الرأيّ الأردنية، حيث يرد على فرضيات يطرحها الصحفي حول سبب مرضه بالقول: «لقد نسيت وطويت الموضوع لكثرة الآلام التي رافقتني طوال تلك الفترة»، ويضيف بصراحةٍ «كان كلّ همّي النسيان».

لم يسع مروان محفوظ إلى رتق هذا الثقب الزمني في سيرته، بل تجاهله كأنّه لم يكن. الرجل الذي وثّق في مقابلات متعدّدة وعلى قناته اليوتيوبية كلّ محطات رحلته الفنيّة المختلفة، مقدّمًا روايةً رسميّة متماسكةً عن مسيرته، يكرّرها في كلّ مقابلة، اختار أن يرمي هذه الفترة خارج سرديته عن حياته. لم يستثمر في مأساته، ولا يبدو أنّه سعى لاستثارة عطف الجمهور وجذب الأضواء بالتركيز على هذه التجربة.

هل كانت مسيرة محفوظ الفنّية لتكون أكثر ازدهارًا لو لم يحصل ما حصل؟ أم أنّه كان ليغيب بكل الأحوال لأنّ «الأجواء التي كانت يقدّم فيها نوعه الفني الغنائي كانت قد فقدت تقريبًا»، كما يقول في مقابلة مع مجلة الجرس؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال، وعلى الأغلب أن الراحل لم يعبأ كثيرًا بالإجابة عليه. 

إثر تعافيه، عاد محفوظ للغناء دون أن يلقي بالًا لمدى رواج أغنياته الجديدة، كأنّ ما يحرّكه هو حبّه للون الغناء الشعبيّ الذي برع فيه. تجاهل الراوي صورة المغنّي الذي فقد صوته، واختار الانتصار لصورة المغنّي الشاب، صاحب الابتسامة العريضة، الذي يظهر في آخر الوقت لينتصر على المغنّي العتيق المعلم نخلة التنين في مبارزة الآهات الشهيرة من مسرحية زياد الرحباني «سهريّة»، العلامة الأبرز في مسيرته الطويلة. 

رحلة مروان محفوظ الغنائية

يعيد محفوظ الفضل في دخوله عالم الغناء إلى عائلته المشهورة بقوّة وجمال أصوات أبنائها في قريته المريجات. حبّ والده للغناء وشهرته في المنطقة كمؤدٍ جيّدٍ للمواويل والعتابا، سهّل انتقال أنطوان في الخمسينيات (وهو الاسم الحقيقي لمحفوظ) إلى بيروت لتعلّم الموسيقى والغناء. تتلمذ المراهق الشاب في الكونسرفتوار الوطني عند مجموعة من أهم العازفين في تلك الفترة، مثل سليم الحلو وتوفيق الباشا. 

لكن نقطة التحوّل الأهم في حياة محفوظ هي مشاركته في برنامج المواهب «الفن هوايتي» الذي عرضه تلفزيون لبنان في العام 1964. جذب صوته القوي والمميّز اثنين من أهم المشتغلين في عالم الغناء آنذاك؛ عاصي الرحباني ووديع الصافي. 

شارك محفوظ في جميع مسرحيات الرحابنة بين الأعوام 1965 و1973، من «أيام فخر الدين»، إلى «يعيش يعيش»، و«الشخص»، و«قصيدة حب». بالنسبة لعاصي الرحباني جاء محفوظ في الوقت المناسب ليزيد من تألّق فرقته المسرحيّة المميّزة، إذ كان الشاب مغنيًا متمكّنًا من الزجل والعتابا والمواويل، أيّ الأنماط الموسيقية التي تحتل اليوم مكانةً أساسية في حصيلة إنتاج ربرتوار الرحابنة.

تمكّنه من ألوان الغناء الشعبي هو ما سعى بوديع الصافي إليه، وجعله يحتلّ مكانة مميّزة في قلبه. أعطاه الصافي اسمه الفنّي مروان، ولطالما نظر إليه كوريث أو مكّملٍ لتجربته الغنائية القائمة على تطوير الأنماط الغنائية الشعبية. وهو ما يوافق عليه محفوظ، فهو عدا عن إجلاله الكبير للصافي، يعتبر نفسه تلميذًا في «المدرسة الوديعيّة» كما يسميها في مقابلة مع راديو المدينة السوري. فتحت هذه العلاقة المميّزة الباب أمام تعاونٍ طويل نتج عنه أغانٍ عديدة من أهمّها «يا أم الشال الليموني»

بقدر ما كان العمل مع عاصي ومنصور مهمًّا بالنسبة لمحفوظ، إلّا أنّه وغيره من رفاقه في كورس الرحابنة، كانوا يتوقون إلى مساحة أوسع، بعيدًا عن الثلاثيّ فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين. في مقابلته مع راديو المدينة، يستشهد محفوظ بمحمد عبد الوهاب ليشرح وجهة نظره. إذ أذهل الكورس عبد الوهاب عندما استعان بهم ليسجّل أغنيتين في بيروت بعد نكسة عام 1967. ليقول لعاصي الرحباني: «ايه الكورس ده!»، قبل أن يتوجّه إليهم بالقول: «الله يديم الفقر عليكم»، بمعنى أن يظلّوا راضين بالغناء الجماعي رغم تميّز أصواتهم الفردية.

لم تشبع الأدوار الأساسية في غنائيات إلياس الرحباني ولا الأغاني رغبة محفوظ في تأسيس مساره الغنائي المستقل. ستأتي هذه الفرصة مع الابن المتمرّد زياد الرحباني. تعرّف الاثنان في مسرحيّة «الشخص» لعاصي ومنصور في العام 1968. أعجب زياد عازف البيانو في الفرقة بأداء محفوظ لأغنية الكنّاسين، وبدا له أن والده وعمّه لم يمنحا الأغنية ما تستحقه، فقرّر أن يعيد توزيعها مجدّدًا. على الرغم من أنّه لم يصل إلى توزيع جديد يرضيه، إلّا أن الرحباني الابن سيقدّم بدلًا من ذلك عدّة أغانٍ إلى مروان محفوظ ستحقّق انتشارًا كبيرًا، مثل «حدا من اللي بعزّونا» و«لو ما حبيتك». لكن محفوظ لن يُعرف كأحد أهم مغنّي تلك الفترة إلّا مع أغنية «سهرية» في العام 1973، حين منحه زياد دور البطولة في المسرحيّة، التي سيغنّي فيها أكثر أغانٍ ما زالت منتشرة بشكل كبير اليوم في الأعراس مثل «خايف كون عشقتك وحبيتك» وحتى في الاحتفالات الحزبية كما الحال مع «يا سيف ع الأعدا طايل»

وصل مروان محفوظ إلى ذروة شهرته مع زياد الرحباني، قبل أن تبدأ نجوميته بالضمور ببطء في الأعوام اللاحقة. بعد اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، هاجر محفوظ إلى كندا، لكنّه بقي مواظبًا على المشاركة في الحفلات في معرض دمشق الدولي وفي بيروت، وعبر فرقة «الليالي العربية» التي أسّسها في العام 1977 وجال بها حول العالم. في الفترة نفسها بدأ بالتعاون مع الملحن السوري سهيل عرفة الذي قدّم له قرابة 50 لحنًا، أشهرها «كيف أحوالكن». مع ذلك، دفع الوضع غير المستقر وقضائه المزيد من الوقت في كندا إلى تراجع حضوره في لبنان، وجاء المرض ليضعه في الظلّ.

لم يستعد محفوظ بعد عودته للغناء في العام 1997 ألقه القديم، في بيروت على الأقل، إذ حظي بفرصٍ أفضل في سوريا، حيث تعاون مع عددٍ من الملحّنين والشعراء، وواظب على المشاركة في الأمسيات والحفلات الغنائية، ولم ينقطع عن دمشق حتّى خلال أعوام الحرب. في الوقت نفسه أنشأ قناةً رسميةً على يوتيوب نشر فيها معظم أرشيفه، إضافة إلى أغانيه الجديدة التي صوّر فيديو كليب لعددٍ منها، وإن ظلت تجارب بصرية بدائية، أشبه بالفيديوهات المنزلية.

على الرغم من ذلك، لم يتذمّر محفوظ في مقابلاته من خفوت نجمه، ولم يتحسّر على السنوات التي أضاعها منه المرض، بدا دائمًا متصالحًا مع مسيرته، فرحًا بما حقّقه، وراضيًا بقسمته. يظهر الراحل في مقابلاته كمؤرّخٍ فطن لسيرته الذاتية، عارفٍ بتقلّباتها ومواضع الصعود والهبوط فيها، ومدركٍ أن أهمّ محطاتها، وكانت تجربته الرحبانية دائمة الذكر على لسانه. وهو إلى ذلك شديد التواضع والدماثة، لا يخجل من وصف وديع الصافي بأستاذه، ويتجنب الإجابة عن أسئلة الصحفيين عن طبائع فيروز وعاصي، معتبرًا ذلك شؤونًا شخصيّة. 

بعد وفاته، نعى كثيرون مروان محفوظ كفنانٍ ينتمي لما يسمى «الزمن الجميل». وبغض النظر عمّا إذا كان جميلًا أم لا، إلا أن محفوظ ينتمي بالفعل إلى ذلك الزمن الذي انقضى وانقضت معه قيمه الأكثر بساطة وتواضعًا، حيث تحترم التراتبية والهرميّة، ويشجّع على التواضع والرضا. زمنٌ كان فيه الشغف بالغناء المحرّك الأوّل لمطربيه، هذا على الأقل ما يقوله الوجه الضاحك لمروان محفوظ وهو يغني في الثمانين من عمره.