مشروع مكتبة الأسرة: هل الاستمرار دليل نجاح؟

الثلاثاء 15 تشرين الأول 2019
أحد مرتادي مركز بيع كتب مكتبة الأسرة، في بيت عرار في إربد.

منذ العام 2007، تُواصل وزارة الثقافة إقامة مشروع مكتبة الأسرة سنويًا. ويقوم هذا المشروع على طباعة عدد من الكتب، وبيعها بأسعار رمزية تتراوح بين (25-35) قرشًا للكتاب الواحد في مراكز بيع مؤقتة تحددها الوزارة كلّ دورة. يأتي المشروع كما أعلنت عنه الوزارة بهدف توفير الكتاب بسعر زهيد للمواطن، وتوصيله من دون مشقة لمختلف مناطق المملكة، عبر إقامة مهرجان القراءة للجميع. ومن المفترض أن يخدم هذا المشروع جميع أفراد الأسرة، من أجل المساعدة على تنمية مهارات القراءة لدى أفراد المجتمع الأردني بدءًا بالبيت.

مع نسخة هذا العام من المشروع، الذي يبلغ عمره 13 عامًا، تكون الوزارة قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين نسخة، توزّعت على 730 عناونًا، أتت بطبعات، يصح وصف جودة ورقها وأغلفتها بأنها شبه شعبية، وبتكلفة سنويّة تُقدّر بين 120 – 130 ألف دينار. لكن، وبعيدًا عن هذه الأرقام، كيف وُزعت مراكز البيع في الأردن؟ وهل وصلت للفئة المستهدفة؟ وما آليات اختيار عناوين الكتب؟ وهل كانت الاختيارات موفقة؟ 

مراكز بيع محدودة

منذ الدورة الأولى للمشروع في العام 2007 اقتصرت أماكن بيع إصدارات مكتبة الأسرة على مراكز المحافظات، مع استثناءات قليلة، رغم أنَّ الوزارة تفيد بأنَّه موجهٌ «لجميع أبناء الوطن»، إذ لم يحدث أن دخلت الأغوار، الشمالية والوسطى والجنوبية، مثلًا، ضمن المناطق التي أُقيمت فيها مراكز البيع إلّا مرّة واحدة. وفي إربد لم يغادر المشروع مركز المدينة طوال 13 دورة إلا مرتين؛ في الرمثا سنة 2015 وفي 2019 بلدة الحصن.

وفي محافظة الزرقاء التي يبلغ عدد سكّانها أكثر من مليون ونصف المليون، بقيت أماكن البيع على مدى عمر المشروع تراوح بين مركز الملك عبد الله الثقافي، وسوق البلدية، والجامعة الهاشمية، ومبنى البلدية، ولم تصل مراكز البيع إلى لواء الرصيفة مثلًا الذي يبلغ عدد سكانه أكثر من نصف مليون، إلّا بعد 11 سنة من عمر المشروع. فيما بقيت مراكز البيع في المَفرق داخل المدينة وجامعة آل البيت إلّا مرتين؛ سنة 2012 في بلدية الزعتري، والصالحية 2017. 

هذه السنة في محافظة إربد، قرّر مدير مديرية الثقافة عاقل الخوالدة إقامة معارض جوّالة تبيع هذه الكتب في الألوية والأطراف، وبهذا، يقول الخوالدة: «فرصة الناس إلى ما قدرت تيجي على المعارض تكون أقوى لما نعمل معارض جوالة على هذه الألوية والأطراف». كذلك مددت مديرية ثقافة إربد مركز بيع جامعة اليرموك أسبوعًا آخرًا «لأن توقيت المكتبة كان سابقًا لدوام الطلبة [في الجامعات]».

وحول تطلّعات الوزارة في الوصول إلى المناطق والألوية التي لم تصلها مكتبة الأسرة، يقول أحمد راشد، مساعد الأمين العام لوزارة الثقافة: «نحنُ بحاجة للوصول إلى أماكن أكثر [لكن] هذا يتطلب موازنات، وبصراحة، موازنة وزارة الثقافة ليست قادرة على تحقيق هذا الطموح إلّا إذا كان هناك شراكات مع مؤسسات اقتصادية وثقافيّة». وحول وجود خطة مستقبلًا لإقامة معارض في هذه المناطق يقول راشد لحبر: «كخطة ميّة بالميّة لأ، أحيانًا إحنا بنتعامل مع السنة ضمن معطياتها، إحنا في فترة من الفترات وصلنا للموقر، ووادي عربة [لكن] كل سنة لها ظروفها، وظروف مديرية الثقافة نفسها».

الأدب الأردني

منذ انطلاقها، يُخصص القائمون على مكتبة الأسرة قسمًا للأدب الأردني ضمن منشورات مكتبة الأسرة لتباع ضمن إصدارات المكتبة بسعرٍ رمزي يبلغ 35 قرشًا للنسخة الواحدة. لكن، يعاب على المشروع غياب كتب عدد من الأسماء الأردنية البارزة عن منشورات المشروع، مثل كتب غالب هلسة(1) وزياد العناني وناهض حتّر. وفي الوقت نفسه تكررت أسماء لكتاب أردنيين أكثر من مرّة طبعت لهم الوزارة ضمن هذا المشروع، حتّى أنها وصلت في دورة من الدورات لأن تطبع لأعضاء في اللجنة العُليا المشرفة على المشروع، أو لموظفين في الوزارة. 

تُرجع الوزارة سبب نشر مؤلفات كتّاب أردنيين بعينهم إلى قدرتها على شراء حقوق هذه المؤلفات، يقول راشد حول هذا القسم من المشروع: «في عندك حقوق، بتقدرش تطبع بدون حقوق، في دور نشر تحتكر كتب بعض المؤلفين، وما بتعطي هذا الحق لغيرها». ويتابع: «يعني أنا على سبيل المثال لو بدي أوخذ كتاب من دار نشر، وأعطيها 700 دينار حق نشر، وأبيعه بـ(35) قرش، هو بيقول [صاحب دار النشر] طيب ما أطبع الكتاب أنا، وأبيعه بخمس دنانير، أنا هيك خسران (..) وبتقدرش تلزمها معنا».

وفقًا لكاتب أردني، فضّل عدم ذكر اسمه، سبق أن طبع أحد كتبه مع مشروع الأسرة، فإنَّ آلية طباعة كتاب لكاتب أردني تقوم على تقديم الكاتب طلبًا للوزارة، وبعد فترة تردّ الوزارة على طلبه بالموافقة أو الرفض، وفي حال الموافقة يحصل الكاتب على مبلغ 700 دينار. من الميزات التي يجنيها الكاتب الذي قُبل طلبه كما يقول: «النشر مع مكتبة الأسرة أحسن من ناحية الانتشار». 

يصف ربيع ربيع، وهو أحد المواظبين على اقتناء إصدارات مكتبة الأسرة منذ دوراتها الأولى، قسم الأدب الأردني هذه الدورة بأنه في حالة «تردٍ واضح، وغير مبرر في الاختيارات، مع وجود استثناء واحد أو اثنين من أصل تسعة إصدارات». يقول ربيع: «كأن الوزارة تتقصّد تطفيش المجتمع الأردني عن قراءة الأدب الأردني عبر تفعيل شبكة العلاقات والتحالفات الثقافية في آلية الاختيار». لكن، يؤكّد راشد أنَّ آلية الاختيار تخضع لمعايير لجنة مخصصة لهذا الشأن، وتكون ضمن آليات ومعايير واضحة.

الترجمات بلا أسماء للمترجمين

منذ دوراتها الأولى، يشتكي قرّاء ومقتنون لإصدارات مكتبة الأسرة من مشاكل في الكتب المترجمة؛ بينها عدم ذكر اسم المُترجم على بعض الإصدارات، أو اختيار ترجمات لبعض الكتب عن لغات وسيطة، لا عن اللغات التي كتبت بها.

هذه السنة، بلغت العناوين المُترجمة عن لغات أجنبيّة من مكتبة الأسرة سبعة. لم يظهر اسم المُترجم على واحدٍ منها رواية «القلعة» لفرانز كافكا، فيما كانت مجموعة منها مُترجمة عن لغة وسيطة مع توافر ترجمات لها عن اللغة الأصلية، مثل «هكذا تكلّم زراديشت» لفريدريك نيتشه، بالإضافة إلى أنَّ هذه الكتب قديمة ويعود تاريخ تأليفها إلى نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين.

 

رصد المترجم عن الفرنسيّة والإسبانيّة وليد سويركي، الذي اقتنى مجموعة من هذه الكتب المُترجمة من مكتبة الأسرة لهذا العام واطلع عليها، بعض مفاصل الخلل في هذا القسم، يقول السويركي لحبر: «[رواية] كافكا ضمن المجال العامّ، المقصود ملهوش حقوق، أي متوفى منذ أكثر من خمسين سنة، أيّ حد ممكن يترجمه وينشره. لكن، هناك حقوق للمترجم. عدم وجود حقوق [لكتب] المجال العام لا يُعفي من حقوق المُترجم، وأبسط حقّ للمترجم الحق المعنوي [أي] ينحط أسمه على العمل». ويضيف أن هناك الكثير من الترجمات لأعمال كافكا، لذا «أنا كيف بدي أعرف ترجمة مين، وأي لغة تُرجمت [منها]؟ هل هي لغة وسيطة أم مباشرة؟». 

ينسحب الأمر على كثيرٍ من الترجمات التي نشرتها مكتبة الأسرة في السنوات السابقة دون ذكر لاسم المترجم، ولعلّ أبرزها مسرحيّة هاملت لشكسبير في دورة 2016 أو ذهب مع الريح لمارغريت ميتشل في دورة 2009.

فيما يتعلّق بالترجمات عن لغة وسيطة يؤكد السويركي أنَّ هناك ترجمات عن اللغة المباشرة مثل كتاب هكذا تكلّم زارديشت للألماني فريدرك نيتشه الذي ترجمه علي مصباح، وهو أفضل من ترجمة فلكيس فارس القديمة، والتي أنجزت عن لغة وسيطة أي الفرنسية. على حد تعبيره.

تعود كتب هذه الدورة إلى نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، أي أنها تعد كتب قديمة أو كلاسيكيّة في حقلها، وهي على التوالي: «مباهج الفلسفة» لويل ديورانت (1926)، «المقامر» لفيودور دوستويفسكي (1867)، «القلعة» لفرانز كافكا (1926)، «المعطف» لنيقولاي غوغول، (1843) «ألف باء النسبية» لبرتراند راسل (1925)، «هكذا تكلم زاردشت» لفريدريك نيتشه (1885)، وكتاب آخر من حكايات الشعوب السوفيتية.

ويقول راشد حول هذه الاختيارات «إذا إحنا بدنا نترجم، أو نتأكّد من دقة الترجمة، [هذا يتطلب] مترجمين هم الأقدر، بما يخص طبعة كافكا [رواية القلعة] هذه المتوفرة وإلي قدرنا نحصل عليها، مدى دقتها ما بتعرف». مع كلّ ذلك، يعتبر السويركي أن هذه الدورة من مكتبة الأسرة حملت «أسماء مهمّة، واختيارات معقولة، لكن ما يعكّر [الاختيارات] الترجمة والأخطاء».وهذا ما يذهب إليه ربيع: «هناك تحسّن في بعض الإصدارات الفكرية والفلسفية، إضافة إلى تحسّن في إصدارات الترجمة فبعد أن كانت الوزارة تصدر ترجمات رديئة لدوستويفسكي، أصبحت تعتمد على ترجمات سامي الدروبي في العامين الأخيرين».

التحقيقات والتاريخ

نشر المشروع في هذه الدورة 11 عنوانًا في قسم التاريخ والتراث، وتحت لائحتين؛ تراث ودراسات أردنيّة، وتراث عربي وإسلامي. أُنتجت هذه المؤلفات في فترات واسعة من التاريخ، فكان منها كتب حديثة نسبيًا مثل كتاب شرقيّ الأردن في العهد الفيصلي، وكتب قديمة مثل كتاب رسالة الغفران للمعرّي.

مع أنَّ بعض هذه الكتب جاءت بتحقيقات حديثة، مثل كتاب مصارع العشّاق لجعفر السرّاج تحقيق بسمة الدجاني غير أن بعضها لم يحمل اسم المحقق.

نشرت حلا السويدات إحدى القارئات على فيسبوك: «سألت المنظم لمكتبة الأسرة في سويعاته الأخيرة: لماذا يغيب اسم المحقق عن هذه النسخة من رسالة الغفران؟ فقال: لا داعي لاسم المحقق طالما أن الكتاب معتمد من المكتبة الوطنية وموافق عليه». بالمقابل امتنع ربيع عن شراء هذه النسخة من رسالة الغفران لأنها بدون محقق وكذلك فعلت السويدات.

يقوم تحقيق كتب التراث على شرح ما استغلق من مفرداتها، كونها كتبت بلغة قديمةٍ، وضبط تشكيل الكلمات في متن الكتاب، والتعريف بالمؤلف وحياته وعصره، وربمّا يعلّق المحقق على بعض ما يأتي به الكتاب بهدف تسهيل القراءة والفهم على القارئ. 

أمّا كتب التاريخ، فيشير ربيع إلى أنها: «تتماهى مع الرواية الرسمية للدولة، في ظل غياب واضح لروايات وطنية أخرى، وهذا تعارض مع نهج التعددية إذ تغيب مؤلفات كثيرة خاصة في باب السيرة الذاتية والمذكرات».

مكتبة في كل بيت

وفرّ السعر الرمزي الذي تباع به إصدارات مكتبة الأسرة فرصةً للأهالي لتأسيس مكتبات في بيوتهم بأقل الأسعار، فقد ساعدت هذه الإصدارات السنوية فردوس الشبّار على إثراء مكتبتها بكتب جديدة كل سنة، خاصة من الكتب «اللي أنا بحب أقراهم، موجودة لكتاب عالميين، والمنشورات الأخيرة هذه السنة فيها تنوع، كتب عن القدس بمنظور تاريخي وآثار، وهناك كتب فيها ملامح فلسفية ومنطق، وإصدارات لكتاب أردنيين متنوعة».

تهتمّ الشبار، وهي جدّة لطفلين (4 و6 سنوات)، بالكتب المخصصة للأطفال؛ إذ تشتري لأحفادها على الدوام، لكن تقول عن إصدارات هذه السنة: «كتب الأطفال لا زالت بمنظور نمطي، وفيها توجيه، ورتابة، وملل».

وفرت هذه الإصدارات بسبب سعرها المنخفض فرصةً لإهداء الكتب بين المواطنين، بالإضافة إلى أنها ساعدت على إقامة فعاليات اجتماعيّة، تقول الشبّار وهي كذلك ناشطة في عدة جمعيات «اشتريت مجموعة، وأهديتها من باب التشجيع، ومجموعة أخرى نقرأها [مجموعة سيدات] لمرضى التلاسيميا في مستشفى رحمة». 

وفقًا لأرقام الوزارة، ظل مجموع النسخ التي تطبع حتى عام 2013 يتراوح بين 270- 500 ألف نسخة في كل عام من جميع الإصدارات، وفي 2014 انخفضت النسخ المطبوعة من جميع الإصدارات إلى 170 -175 ألف نسخة سنويًا، في هذا العام «العدد نزل لـ132 ألف نسخة بسبب ظروف الوزارة والمملكة [الاقتصادية]» كما يقول راشد. أما فيما يتعلّق بالإقبال على الإصدارات فقد تراجعت هذه الدورة بنسبة 20% تقريبًا، كما يقول راشد فإنَّ سبب تراجع الإقبال يعود إلى عدة عوامل بينها «عدم وجود المدارس أو الأطفال بشكل رئيسي، كانت المدارس تنقل الأطفال لعنّا». 

يعتقد راشد أنَّ الوزارة تؤمن إن مجرّد استمرار المشروع وتلهف الناس عليه يعتبر إنجازًا: «الثقافة أثرها ونتائجها ليست آنية ومباشرة، مجرد استمرار المشروع في ظل الظروف الصعبة سواء للوزارة وللمملكة، ومطالبة الناس للوصول إلى أماكن لم تصلها المكتبة يعتبر إنجاز». ويؤكّد راشد أن توجه الوزارة مستقبلًا هو الوصول إلى مناطق لم تصل لها الوزارة سابقًا مثل مناطق البادية الشمالية أو الوسطى أو الجنوبيّة والمناطق الحدوديّة «إحنا بنعرف هذه المناطق أكثر تعطشًا للمعرفة أو للحصول على الكتب من بعض المراكز الحضاريّة».

ركزت الوزارة هذه الدورة من المشروع كما يقول راشد على المؤلفات التي تتعلق بالوعي الفكري والتنوير«كثير من كتب هذا العام تُخاطب العقل أكثر مما تخاطب الوجدان مثل الروايات والأدب». حملت هذه الدورة عناوين أكثر جرأة من الدورات السابقة خاصة فيما يتعلّق بالكتب الفكرية؛ مثل كتاب علي الوردي مهزلة العقل البشري، ونيتشه. يقول ربيع

بعد انتهاء دورة هذا العام، ورجوع ما رجع إلى مخازن الوزارة من نسخ، التي لم يستطع راشد تزويدنا بعددها، وبعد غياب كتّاب أردنيين مهمين عن إصدارات المشروع منذ انطلاقهِ، تبدأ المرحلة الثانية من المشروع التي تقوم على التنسيق مع مديريات الثقافة في المحافظات أو وزارة التربية والتعليم لإقامة بعض المعارض، ويتمّ تزويد هذه المعارض بالنسخ التي لم تبع. في معرض عمّان الدولي للكتاب كانت هذه النسخ متواجدة هناك وتباع بنفس السعر الرمزي. لكن في المعرض، لن يكون الأردنيون مجبرين على شراء ترجمات قديمة أو بدون اسم مترجم عليها، أو تحقيقات لكتب التراث بدون اسم محقق أو نسخٍ بأخطاءٍ طباعيّة، إذ تتوافر طبعات أخرى في مختلف الأجنحة من هذه التي طبعتها الوزارة، وما ستمتاز به نسخ مكتبة الأسرة في المعرض هو فقط السعر الرمزي.


1)بحسب راشد فإنَّ الوزارة طبعت مؤلفات هلسة بالتعاون مع رابطة الكتاب الأردنيين. وتباع هذه الكتب في مقر الرابطة مقابل 15 دينارًا لأعضاء الرابطة، وبمبلغ 25 دينارًا لغير الأعضاء.