موزة كاتيلان: ابتسامة صفراء لسوق الفن

الأربعاء 25 كانون الأول 2019

برودة أعصاب كبيرة، وعودة إلى بعض أساسيات تاريخ الفن، هي ما يحتاجه أحدنا كي يتمكن من تجاهل مصائب العالم ويجلس ليكتب عن موزة ثمنها (120) ألف دولار دون الانزلاق خلف سوقية الموقف. الموقف على النحو الآتي: ماوريتسيو كاتيلان، فنان إيطالي شهير، شارك هذا الشهر في معرض فن معاصر في ميامي في الولايات المتحدة بعمل حمل عنوان كوميدي، جاء على شكل موزة مثبتة إلى الجدار بشريط لاصق رمادي. وصل سعر العمل إلى المبلغ المذكور، وبيع بأكثر من نسخة قبل أن يقوم فنان آخر بأكل الموزة، تعبيرًا عن امتعاضه. فجرى تبديل الموزة بأخرى ومن ثم سحبها من العرض.

انتشرت القصة بشكل مسعور، وبدا الجميع، بمزيج من الاستياء والانبهار السري، مصدومين بأن أي شيء يمكن أن يكون فنًا هذه الأيام، وبأن المؤسسة هي التي تصنع الفن، كأن ذلك لم يكن الحال منذ أن ولد الفن أساسًا. فمنذ القرن الثامن عشر ونضوج مفهوم الغرض الفني بعيدًا عن الكنيسة والبلاط، كغرض غير نفعي يوفر «الجمال» و«المتعة» و«الفكر»، تولى الرجل الأبيض البرجوازي مهمة تعريف تلك المفاهيم الغائمة، وجرى ذلك بالتوازي مع ولادة المتاحف التي أخذت باصطفاء أغراض دون أخرى وتحويلها إلى فن بما يناسب أجنداتها السياسية.

مع قدوم القرن العشرين، عاش الفنان معضلة بين رغبته بتجديد الفن والنأي عن الذوق البرجوازي ومنظومته، وبين حاجته إلى تلك المنظومة كي لا يموت من الجوع. هكذا ولدت صالات العرض الخاصة ومعها سوق الفن كأرض «حيادية» يتفاوض عليها كل من الفنان والمقتني دون تماسٍ مباشر أو خضوع علني لأي طرف.

لكن، سرعان ما حاول البعض تحدي تلك العلاقة، فعام 1917، أرسل الفنان مارسيل دوشامب المبولة الشهيرة الموقعة باسم مستعار إلى معرض فن في نيويورك، مطلقًا عليها اسم «نافورة». وهدفه كان مهاجمة الذوق البرجوازي بأعمال مضحكة وسوقية لن يدفع أحد لشرائها. بالفعل، تجنبت اللجنة عرض العمل آنذاك، لكن مع الوقت، لفتت نافورة دوشامب النظر إلى أن أي غرض يُعزل عن الواقع ويُوضع في الفراغ المعقم لصالة العرض سيفقد شيئًا من معناه الأصلي مقابل هوية جديدة تدعو لتأمله كفن. تحقق كابوس دوشامب وانتهت المؤسسة بامتصاص الصدمة لتتحول النافورة إلى عمل مؤسس في الفن الحديث، وُضع في متحف وصارت له سوابق ولواحق وتطور تاريخي وقيمة معنوية، وبالتالي مالية.

الدرس المرّ لنافورة دوشامب هو الآتي: إن كان الفن موجودًا في خيال الناظر لا في جمال العمل وإتقانه، وإن كان ذلك الخيال محكومًا بما تلقنه إياه مساحة العرض والمؤسسة، فالنتيجة هي دائرة مغلقة تحوّل كل ما يرمى داخلها إلى فن. لكن ذلك الدرس ليس صحيحًا بالكامل، بدليل أن ليس كل من رمى موزة على حائط صار فنانًا وباعها بـ(120) ألف دولار، فأوّل ما يجب علينا إدراكه هو أن مشتري «الكوميدي» لم يشتروا الموزة (والتي أوصى كاتيلان أصلًا بأن يجري تجديدها كل فترة)، بل اسم العمل ونسبه.

منذ زمن طويل، ترافقت الأعمال الفنية بشهادات تملّك قانونية، هدفها إثبات أن فلان يمتلك عملًا للفنان الفلاني، شهادات ظلت قيمتها إجرائية حتى اكتشاف مجموعة فنانين أن امتلاكها، إي امتلاك فكرة العمل ونسبه، قد يكون أهم من امتلاك العمل ذاته (بالفعل، تقول إحدى مشتريات «الكوميدي» أنها ستعلق شهادة التملك في مكتبها لكنها لن تعلق الموزة بالضرورة).

في سنواته الأخيرة، قام الفنان الفرنسي إيف كلان مثلًا بابتكار عمله «منطقة إحساس صوَري لامادي»، وهو عمل خلبيّ يشتريه الزبون، بالذهب حصرًا، ويحصل على شهادة تملكه. يستخدم الفنان نصف ذلك الذهب في لوحاته، بينما يرمي النصف الآخر في نهر السين ضمن مناسبة طقسية بحضور مشتري العمل ومجموعة شهود.

كان كلان ذكيًا، فأجبر زبائنه على حرق وثيقة التملك أثناء الطقس كي لا تتحول إلى بديل عن العمل، بحيث لا يبقى أي أثر منه باستثناء تجربة طقسية تعطي المشتري إيمانًا شبه دينيِّ بفكرة العمل الفني.

الدرس المرّ لنافورة دوشامب هو: إن كان الفن موجودًا في خيال الناظر، وإن كان ذلك الخيال محكومًا بما تلقنه إياه مساحة العرض والمؤسسة، فالنتيجة هي دائرة مغلقة تحوّل كل ما يرمى داخلها إلى فن

بشّر ذلك بولادة تيار فني جديد عرف في الستينيات باسم الفن المفاهيمي، وجاء لضرب عصفورين بحجر، عصفور صغير هو الفن التجريدي السائد آنذاك، والذي اختصر الفن بمجرد تجربة بصرية لا تتطلب جهدًا عقليًا، فاستجاب الفن المفاهيمي بتقديم فن معاكس يكون فيه المفهوم أهم من المحسوس، فن لا يأخذ شكله النهائي إلا في عقل المتلقي ومخيلته.

أمّا العصفور الكبير فهو سوق الفن، والذي بدا الحل الوحيد للخلاص منه هو ابتكار فن لامادي لا يمكن تملكه. فعندما قدم ريتشارد لونج عمله خط صنع بالمشي عام 1967 مثلًا، لم يكن العمل الفني هو الصورة، التي هي مجرد توثيق، ولا حتى الخط على العشب، بل الفكرة، الفكرة الهستيرية أن أحدًا ما قام بالمشي على ذات الخط لأيام طويلة كي يتسطح العشب ومن ثم يكتسب بفعل الشمس لونًا مختلفًا.

لكن سوق الفن يجد كالعادة طريقه للصق تسعيرته على كل شيء، وحتى الأعمال المفاهيمية التي قامت على شكل أداءات مؤقتة أو مواد هشة جرى الحفاظ على بقاياها وصورها، والتي صارت تنوب عن العمل وتباع كشواهد تاريخية. يسهل كاتيلان المهمة على السوق، فيحافظ على شهادة تملك الكوميدي ويبيعها بآلاف الدولارات، بعكس ما كان ليفعله إيف كلان والفنانون المفاهيميون في الستينيات، دون ذكر الوقوع في فخ التكرار الرديء لحركة دوشامب.

يبدو الكوميدي إذًا لعبًا متنمرًا على مجموعة مراجع تاريخية، يحتفي بها ويفرغها من محتواها الثوري في الآن نفسه. يتجلى ذلك في الفرق الحاسم بينه وبين نافورة دوشامب، وهو أن النافورة لم تلاق أي اهتمام عام 1917، حيث جاءت مصممة لتشكل ثقبًا في منطق المنظومة، بينما جاء الكوميدي بالعكس مفصلًا على مقاس تلك المنظومة، حتى أنه لم يولد ليوجد بشكله المادي الأصلي لفترة طويلة، بل ليوجد على شكل ميم سهلة التناقل والمحاكاة.

مساحة العرض إذًا لم تعد المؤسسة الوحيدة التي تولد قيمة العمل الفني، فتمامًا كما كانت الكنيسة أو المتحف الوسيط الذي سمح بوجود جدارية لمايكل آنجلو أو لوحة لمونيه، فإن وسائل التواصل الاجتماعي هي الوسيط الذي خلق الكوميدي بشكله الحالي. وبينما ترتبط معايير الكنيسة أو المتحف بأجندات روحية وإنسانوية، تقتصر معايير فيسبوك وإنستجرام على السرعة والسهولة. تتحول مشاهداتنا إلى رصيد إضافي لصالح العمل، فيبرر مقتنو الكوميدي قرار اقتنائهم بشعبيته وبزخم النقاش الذي أثاره، لا يإعجابهم بالعمل بحد ذاته.

يجسد ذلك يما يسميه ثيودور أدورنو بالتعامل الوثني مع الفن، حيث لا يعود من المهم أداء العمل أو مدى جودته وأثره على المتلقي، فالحشود «لا تستجيب بشكل مباشر إلا للشهرة التي راكمها العمل سلفًا».[1] وفق ذات المنطق، أثار الكوميدي اهتمام غير المهتمين بالفن كونه يختصر العالم المعقد للفن المعاصر بأكثر وجوهه قبحًا، يؤكد الصورة الكاريكاتورية التي يملكونها سلفًا عن فن سخيف ومنفصل عن الواقع ويسهل لهم بالتالي صرف النظر عنه كنكتة فاحشة، ولو أنهم في الحقيقة أول من يقوم باستهلاك تلك النكتة ونشرها.

خلف كل محاولات الفهم تلك، يقبع سوق الفن سمجًا ومتلبدًا على ذاته، يحاول لعب دور الوسيط الحيادي وتجنب الأضواء. لذلك فوجئت فعالية (آرت بازل) في ميامي عندما وجدت نفسها مغمورة بحشود لم تأبه يومًا للفن، جاءت تلتمس سيلفي تثبت حضورها في ذلك العالم الغرائبي الذي يخلق المعنى من عدمه والفخامة من الموز، لكنها نجحت بركوب الموجة بترجمة حماس الناس إلى مزيد من الشهرة بينما أزالت الموزة عن العرض سريعًا للتخلص من الدخلاء والسماح للأمور بالعودة لأصحابها المنتقين، وللحشود أن تعود إلى منازلها، بانتظار «التريند» التالية.

إن كان مؤرخ الفن برايان أودوهرتي يعرّف علاقة الفنان بالسوق كتفاعل دائم بين «اختبار المنظومة الاجتماعية عبر اقتراحات راديكالية، والامتصاص الناجح لتلك الاقتراحات من قبل المنظومة»،[2] فإن الموزة وتداعياتها جرى امتصاصها وبلعها وهضمها بكل سلاسة من قبل سوق اكتسب مناعة مزمنة ضد الراديكالية واعتاد امتصاص كل ما يرمى في وجهه.

في النهاية، يمكن الرد على من يعترض بأن موزة كاتيلان هي مجرد موزة بالقول إن محفظة شانيل مجرد محفظة، وإن ماركس لم يكن يخرّف عندما قال بأن الأغراض تكتسب في ظل الرأسمالية قدرة شبه سحرية تدفع الناس إلى تقديسها كما لو كانت أغراضًا دينية، والفن ليس استثناءً.

نظرًا إلى سخريته السابقة من المنظومة بأعمال مثل الساعة التاسعة أو أميركا، وإلى كون الكوميدي مشاركته الأولى في معرض تجاري منذ سنوات، فإن كاتيلان يهزأ بوضوح من سوق الفن وزبائنه، سواءً باستخدامه لغرض سريع التدهور ماديًا، أو بتسهيل تناقله وتسخيفه من قبل الناس كي يتدهور معنويًا (ومنه عنوان العمل). لكن ذلك لا يبرّئ كاتيلان من تواطئه مع السوق. باتفاق ضمني، يقبل السوق بتسخيف نفسه أمام الرأي العام طالما يقبض والفنان في النهاية ثمن السخرية تلك، وما الموزة إلا الابتسامة الصفراء المنتصرة لتلك المنظومة وهي تسخر منا جميعًا.


1) Adorno, Theodor W., «On the Fetish-Character in Music and the Regression of Listening», (1938).

2)O’Doherty, Brian, Inside the White Cube: The Ideology of the Gallery Space, (2000)