قائمة استماع: موسيقى كلاسيكية مستلهمة من الأمومة

الأحد 22 آذار 2020
لوحة أمهات لكاتي كولفيتز

من الشعر والأدب والمسرح إلى الرسم والنحت والموسيقى، كانت الأم ولا تزال إلهامًا حاول البشر عبر التاريخ ترجمته إلى الفن. تزخر الموسيقى الكلاسيكية بأمثلة كثيرة لأعمال تأخذ إلهامها من الأم بشكل أو بآخر، غنائية كانت أم آلية، وفي تأمّلنا لهذا الإرث الموسيقي نلتقي مع الأمومة بمعانيها المختلفة، فهناك الدفء والحنين والحب، وهناك الخسارة بألمها المفجع، وهناك الخوف، اليأس، والأحلام المتكسرة، والصراع المرير من أجل الحياة.

نختار لكم هنا مجموعة من المقطوعات الكلاسيكية المستلهمة من الأم ونروي قصة كل منها. 

أنطونين دفورجاك: أغنيات علمتني إياها أمي (1880)

«لمّا كانت أمي، في كبر سنها، تُعلمني الأغاني
كثيرًا ما كانت الدموع تعلق في جفنيها
اليوم، إذ أغني ذات الأغنيات لصغاري
تقطر الدموع من لحيتي مرارًا،
وتسيل من خدي»

عندما كتب الشاعر التشيكي أدولف هيدوك هذه الأسطر، ربما لم يتخيل أنها ستصبح يوما إحدى أشهر الأغنيات الكلاسيكية حول العالم على الأطلاق. في عام 1880، قام المؤلف الشهير أنطونين دفورجاك بتلحين سبع قصائد لهيدوك في مجموعة أسماها «أغانٍ غجرية» للصوت والبيانو، وسرعان ما حققت الأغنية الرابعة منها، «أغنيات علمتني إياها أمي»، شعبية باهرة شجعت موسيقيين حول العالم على نقل لحنها لآلاتهم، من الكمان والتشيلو إلى أوركسترا الجاز. هذا التسجيل لآلتي الكمان والبيانو، من أداء العازفين آرثر غريميو واستفان هايدو.

بعد 15 عامًا من صدور أغنية دفورجاك، لحن المؤلف الأمريكي تشارلز آيفز الترجمة الإنجليزية للنص في عمل يختلف كثيرًا عن معالجة دفورجاك، يستخدم فيه إيقاعًا ثابتًا يبعث على الهدوء والسلام، ولحنًا يقترب من المقامات الشعبية الأميركية، يكاد يبث في المستمع دفء العائلة والمنزل. 

جوزيف سوك: عن أمي (1907)

درس المؤلف التشيكي جوزيف سوك التأليف لدى أنطونين دفورجاك، وربطت الاثنين علاقة صداقة وزمالة وثيقة توطدت عندما تزوج سوك ابنة دفورجاك أوتيلي. كان زواج سوك بداية مرحلة سعادة عارمة تفجرت في أعماله الموسيقية، لكن بعد ست سنوات، أظلم القدر في وجهه: توفي دفورجاك، تاركًا جرحًا كبيرًا في قلب صديقه، وبعد عام فقط، عندما كان سوك في خضم كتابة سيمفونية لرثاء معلمه العزيز، فارقت زوجته أوتيلي الحياة بسبب فشل في القلب، تاركة وراءها ابنًا في الثالثة من العمر.

«عن ماما» هي سلسلة للبيانو أهداها سوك لابنه، محدثًا إياه فيها عن والدته التي لم يعرفها طويلًا. تتكون السلسلة من خمس حركات: «عندما كانت ماما طفلة صغيرة»، مقطوعة بريئة نسمع فيها خطوات أوتيلي أثناء اللعب، «في يوم ما في الربيع»، تصوّر الحب الذي ولد بينهما لأول مرة، تليها «كيف كانت ماما تغني مساءً لابنها المريض»، ثم «قلب ماما»، ترجمة موسيقية لضربات قلب سريعة وغير منتظمة، أعراض مرض الرجفان الأذيني الذي كانت تعاني منه أوتيلي. تتتابع الإيقاعات في هذه الحركة بتسارع غاضب في إصرار على متابعة الحياة، إلا أنها تستسلم في النهاية إلى التباطؤ، فالتوقف، فالموت. تنتهي المقطوعة بـ«ذكريات»، يستحضر فيها سوك الأفكار الموسيقية التي سبقت: لعب الطفلة، وغناء العصافير في الربيع، وتهويدة الأم للابن المريض، لكنه يختار أن يختتم العمل في سلم دو ماجور وفي موسيقى يملؤها الإذعان والسلام والأمل، وفاءً لأوتيلي التي أحبها حبًا عظيمًا. «محنة كهذه إمّا تدمر المرء أو تخُرِج إلى السطح كل ما فيه من قوة نائمة. بدا لي أنني سأكون من النوع الأول، لكن الموسيقى أنقذتني». ومع أنه كان في سن الحادي والثلاثين، لم يتزوج سوك مرة ثانية، واستمر بالتأليف لمدة 30 عامًا قبل أن يستلم إدارة المعهد الموسيقي العريق في براغ. 

روبرت شومان: حب امرأة وحياتها (1840)

«وحدها تلك التي تُرضِع، وحدَها تلك التي تُحب
الطفل الذي تعطيه الغذاء،
وحدها الأم تعرف
ما معنى الحب وأن تكون سعيدًا
آه، كم آسَف لأجل الرجل
الذي لا يمكنه اختبار نعيم الأم» 

في عام 1840، تزوج المؤلف الألماني روبرت شومان من عازفة البيانو كلارا فيك، بعد سنوات من رفض والدها القاطع وصراع مرير وصل بهم إلى المحاكم. ألهمت فرحة الزواج شومان لكتابة أكثر من مئة مقطوعة للصوت والبيانو في سنة واحدة، من أشهرها السلسلة الغنائية (Frauenliebe und Leben)، أو «حب امرأة وحياتها». من المثير للاهتمام -وللجدل أيضًا- أن كاتب هذه الأشعار هو رجل. متحدثًا بضمير المتكلم، يصور الكاتب الألماني أدلبيرت فون شاميسو في هذه السلسلة حياة امرأة بدءًا من الحب الأول، مرورًا بالزواج، والأمومة، وحتى وفاة زوجها، وذلك استنادًا إلى مفهوم القرن التاسع عشر عن الحب والزواج. في يومنا هذا، ينفر الكثيرون مما يرونه في هذه النصوص من تعزيز للصورة النمطية للمرأة ولدورها التقليدي، ومن لغة فيها تأليه وخضوع للرجل المحبوب وإنكار كامل لشخص المحبوبة. لكن موسيقى روبرت شومان، بشفافيتها وصدق إحساسها، تنقذ النص من نقاط ضعفه وتبث العمق في كل جزء من قصة البطلة، داعية إيانا لأن نشعر معها لحظات الحب المرتعش، فرح الأمومة الغامر، بدءًا من لهفة مشاركة زوجها سر دموع فرحتها إلى لحظة حمل طفلها بين ذراعيها، ثم حزن فاجعتها العميق، في ختام هو من أجمل وأصدق ما كتب شومان. 

هانس آيسلر: أربع تهويدات لأم عاملة (1933)

تزخر الموسيقى الكلاسيكية بأمثلة لـ«تهويدات» موسيقية، قام فيها المؤلفون إمّا بتلحين أغنيات لنوم الأطفال (مثل تهويدة برامز)، أو بالاستلهام من إيقاعاتها وبساطتها لكتابة تهويدات آلية (مثل Berceuse شوبان). لكن في ثلاثينيات القرن العشرين وفي ظل صعود النازية، بدت الصورة المثالية لأم تهز طفلها الشبعان الهانئ في سرير حريري دافئ أبعد ما تكون عن واقع البؤس والجوع المريرين لكثيرين في جمهورية فايمار. نشأ المؤلف الألماني هانس آيسلر في عائلة ثورية ناشطة، وحمل مبادئه الشيوعية نحو الفن، إذ كان مؤمنًا بأن على الموسيقى أن تخلع عن نفسها جميع رواسب البرجوازية الرومانسية وتتواصل مع الرجل العادي، أن تكون صوتًا للطبقات المسحوقة في المجتمع. لذلك كان من الحتمي أن ينفصل أيسلر عن أستاذه أرنولد شونبرغ، مبتكر تقنية التأليف الإثني عشري، لشعوره بأن تطويرات الأخير تدفع الموسيقى باتجاهات نخبوية استبعادية.

وجد آيسلر في الكاتب الثوري برتولد بريخت شريكًا مثاليًا لرؤيته الفنية، وإلى جانب مسرحية «الأم»، أنتج التعاون بينهما ثمارًا كثيرة منها سلسلة «أربع تهويدات لأم عاملة». بنبرة خالية من الدراما وبدون أي استجراح للعواطف، تغني الأم لابنها: «عندما ولدتك كان إخوتك يصرخون من أجل الحساء، ولم يكن لدي لأعطيهم. عندما ولدتك لم يكن لدينا مال لرجل الغاز، لذا رأيتَ قليلًا من النور في هذا العالم». وفي الأغنية الرابعة، «ماذا سيحل بك يا ولدي»، تقول له: «إنني أقول لك أن حياة أسوأ من الطاعون تنتظرك، لكنني لم ألدك لكي تحتملها. إنهم يحضرون لحروب بك، ماذا أعمل لكي لا تصدق أكاذيبهم؟ أمك، يا ولدي، لم تكذب عليك وتقل لك أنك شيء مميز للغاية، لكنها أيضًا لم تربك بحزن لكي تقف يومًا ما في الأسلاك الشائكة وتصرخ من أجل الماء».

عندما وصلت المغنية إلى هذه الجملة خلال عرض عام 1933، استشعر أحد ضباط الشرطة الموجودين غضبًا وأمر بفض العرض. وبعد بضعة أيام من الحادثة، غادر آيسلر وبريخت ألمانيا، تمامًا عندما كان هتلر على وشك اعتلاء السلطة.

غوستاف ماهلر: الحياة الأرضية (من مجموعة «بوق الفتى السحري») (1892)

كما في أغنية أيسلر، يأخذنا المؤلف النمساوي غوستاف ماهلر إلى مشهد مفجع من أمومة في ظل جوع وفقر. في أغنية «الحياة الأرضية»، المأخوذة من سلسلة أشعار شعبية ألمانية، يصرخ الطفل لأمه بأنه يتضور من الجوع، فتحاول أمه طمأنته بالوعود: «انتظر، يا طفلي الحبيب، غدًا سنحصد الذرة سريعًا. انتظر، غدًا سندرس الحصاد سريعًا». وأخيرًا، «غدًا سنخبز سريعًا». لكن عند خبز الخبز، سيكون الطفل ممددًا على النعش. أمّا دوران الطاحونة فيستمر، في إشارة مؤلمة إلى عبثية العمل البشري.

لكن ماهلر سيعود إلى هذا الطفل في سيمفونيته الرابعة، التي يختار لخاتمتها نص «الحياة السماوية» المأخوذ من نفس المجموعة ويحوله إلى أغنية يحدثنا فيها الطفل ببراءة عن الجنة: كل ما نتمناه موجود هنا، تفاج وإجاص وعنب، الملائكة تخبز، القديس بطرس يصيد السمك، نحن نقفز ونرقص ونغني، وليس هناك على الأرض موسيقى يمكن أن تقارن بموسيقانا.

يوهانس برامز: الركويم [القداس الجنائزي] الألماني (1868)

الركويم هو قداس جنائزي مبني تقليديًا على نصوص كنسية لاتينية محددة، قام مؤلفون كثيرون عبر العصور بتلحينها للكنيسة، مثل موزارت، شيروبيني، فيردي، فوريه، وكثيرون غيرهم. لكن يوهانس برامز اختار أن يخرج عن التقليد بكتابة ركويم باللغة الألمانية، جامعًا نصوصه بحرية من مصادر دينية متعددة، مثل الإنجيل بترجمته اللوثرية والعهد القديم. عمل برامز لعدة سنوات على هذا المشروع، لكن وفاة والدته عام 1865 دفعته لاستجماع القوة اللازمة لإتمام العمل. يختلف ركويم برامز عن سابقيه بطريقة أخرى أكثر أهمية، كونه ليس موجها للأموات بشكل خاص، متضرعًا للرحمة من أجلهم، إنما للأحياء، طالبًا لهم العزاء. في الحركة الخامسة، التي أضافها برامز لاحقًا، يتبع برامز كلمات يسوع لتلاميذه في سفر يوحنا بكلمات من رؤيا النبي إشعياء: «فأنتم كذلك، عندكم الآن حزن. ولكني سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحدٌ فرحكم منكم. كإنسان تعزّيه أمّه هكذا أعزيكم أنا».

التسجيل التالي من أداء أوركسترا فينّا الفلهارموني وغناء كاثرين باتل. 

بإمكانكم الاستماع إلى مزيد من المقطوعات الكلاسيكية حول الأمومة في هذه القائمة على يوتيوب. 

  • Muhammed Taha

    رائع!