مسلسل «هجوم العمالقة»: الديستوبيا المحبّبة

الثلاثاء 10 أيلول 2019
لقطات من المسلسل.

لا أذكر بالتحديد متى بدأتُ متابعة الأنمي الياباني بكل هذا الشغف، لكن الشيء الوحيد الذي أنا على ثقة منه هو أنني من جيل تكوّن جزء لا بأس به من تصوراته عن الحياة والعالم الخارجي أمام شاشة «سبيستون» ومسلسلاتها. وشخصيًا لست أدين لها فقط بألفة ملهمة منذ الطفولة مع العربية الفصحى، بل وأعتقد أيضًا بأنني محظوظ لمتابعتي مساحة مرئية مختلفة ترافقني حتى الآن وتمنحني نافذة مهمة على ثقافة أخرى وتجربة جميلة ساهمت في تنمية خيالي عبر السنين. 

شكّل الأنمي الياباني عبر تاريخه الممتد مرآة تعكس أشكال متنوعة من الثقافة اليابانية، بل وأصبح وسيلة لتناول أزماتها ومشاكلها وتصوّرات سكّانها، حيث يحظى هذا الفن بمختلف أنواعه وتصنيفاته والفئات العمرية التي يخاطبها بدور مهم وفعال في التعبير عن المجتمع الياباني وتقديمه للعالم.

ومن أفضل أنواع الأنمي الياباني، مسلسلات أنمي الديستوبيا، والتي تضم مسلسلات تتناول بسوداوية مُغْرِقة البشرية وعلاقاتها وصراعاتها في تاريخ بديل يلي نهاية العالم المعروف. ويركّز هذا النوع من المسلسلات على إبراز غرائز البشر ومشاعرهم ومكنوناتهم وربما فسادهم ورغبتهم الكامنة في العيش بأي ثمن. ويعدّ هذا النوع من أهم التصنيفات الحاضرة بشكل لافت في  مسلسلات الأنمي الياباني، ربما في إشارة إلى الأزمات العالمية المستمرة وتحديات الإنسان المعاصر أو حتى إلى إرث الحرب العالمية الثانية ونهاية عالم الإمبراطورية اليابانية الذي لا زال يترك آثاره حتى اليوم في العديد من الأعمال الأدبية والفنية في اليابان. 

يعد مسلسل «شينگيكي نو كيوجِين» (باليابانية: 進撃の巨人) والذي يعني اسمه حرفيًا «العملاق المهاجم» والمشهور في عالمنا العربي باسم هجوم العمالقة أو (Attack on Titans) والتي تعني الهجوم على العمالقة، أحد أبرز أمثلة هذا التيار من الأنمي وأكثرها شهرة في السنوات الأخيرة. 

بدأ صدور مانغا هجوم العمالقة للكاتب الياباني هاجيمي إيساياما منذ العام 2009، وبعد أن لاقت المانغا نجاحًا كبيرًا، تلتها سلسلة روايات خفيفة، وبعدها  تحوّلت المانغا إلى مسلسل أنمي مستمرٍ منذ عام 2013، وإلى الآن عرض من المسلسل ثلاثة أجزاء، وجاء الجزء الأخير في قسمين عرضًا في فترتين مختلفتين. ومؤخرًا تم الإعلان أن الموسم القادم من المسلسل سيكون الأخير. 

حاز هذا العمل بإصداراته المتنوعة على اهتمام كبير عالميًا، إذ وبالإضافة إلى اهتمام المتابعين اللافت، وتقييمات النقاد الجيدة أصبحت المانغا الخاصة به واحدة من أكثر سلاسل المانغا مبيعًا، حيث تم بيع 86 مليون نسخة، منها 10 مليون نسخة خارج اليابان، حتى أواخر العام الماضي.

يروي المسلسل قصة من بقي من البشر، بعد أن التجأوا إلى العيش خلف ثلاثة أسوار دائرية متباعدة، خوفًا من الموت بين أسنان العمالقة الذين يهاجمون البشر، الذين يخبرنا المسلسل في حلقاته الأولى أنهم لا يحتاجون إلى تناول البشر، ليظلّ سر هجومهم على البشر سرًا. هؤلاء العمالقة صاروا العامل الخارجي الأهم الذي يؤثر في تشكيل حياة البشرية ومستقبلها وصياغة نُظمها وتصوراتها عن العالم.

تبدأ قصة المسلسل بعد 100 سنة من السلام، نعمت البشرية الخائفة خلالها بالأمان داخل الأسوار التي نجحت في حماية الناجين من خطر العمالقة. تشكلت خلال سنوات السلام هذه العديد من الأساطير حول الأسوار نفسها، لتتحول هذه الأساطير مع الوقت إلى عقيدة دينية مركزها هذه الأسوار التي لا يعلم أحد سرها، إذ أن الأسوار التي منحت البشرية فرصة لالتقاط الأنفاس أصبحت مع الوقت أهم عناصر معتقدات تيار منظم ومسموع الصوت يقدسها ويرى بأنها نعمة إلهية لا يمكن دونها حماية البشرية، وتسود إثر هذه المعتقدات قناعة تقدّس الحياة داخل الأسوار وتنبذ فكرة الخروج منها إلى حد اعتبار التفكير بذلك جنونًا بل وحتى زندقة.

وإضافة إلى هذه العقيدة الدينية، نتج عن هذا الخطر الداهم، تقسيمات اجتماعية مهمّة، فالأسوار من الخارج إلى الداخل تميّز بين السكان، وكلما كان الشخص أقرب للمركز كان أكثر أمنًا، وبالطبع لم يسكن في الداخل إلّا أكثر السكان ثراء، وأكثرهم حظوة اجتماعية. 

أما عن النظام السياسي داخل الأسوار، فقد حكمت هذا المجتمع الناشئ سلطة تبنت الملكية المطلقة نظامًا لها، حيث وظفت هذه السلطة خطر العمالقة الخارجي والخوف منهم في ضبط مكونات وطبقات الساحة الداخلية المختلفة للحفاظ على الامتيازات المكتسبة للطبقات العليا. يمتلك هذا النظام السياسي جناحين أساسيين يدعمانه؛ أولهما الكنيسة بسلطتها المعنوية على السكان بمختلف طبقاتهم ومشاركتها الملحوظة في الصراع على النفوذ داخليًا، وثانيهما الجيش بتشكيلاته المتعددة المتخصصة بالمناطق داخل أو خارج الأسوار والتي كان حضورها والصراع بينها من أهم العوامل الفاعلة في صياغة الواقع السياسي الداخلي، وفي المواجهة الخارجية، خاصة بعد انفجار فقاعة السلام الهشة التي كانت البشرية تتمنّى استمراره للأبد.

أدت هذه المأساة المؤسِّسة، التي أسقطت يقين البشرية بالأسوار التي صمدت 100 عامٍ كاملة، لفرض تغيرات جذرية مأساوية على حياة البشر عامةً وعلى حياة أبطال المسلسل الثلاثة: إرين ييغر وأخته بالتبني ميكاسا أكرمان وصديق طفولتهم أرمين أرليرت بشكل خاص.

يتناول المسلسل قصة صراع البقاء الذي تخوضه البشرية مع العمالقة من خلال شخصيات أبطال المسلسل وتطورها المتسارع وتفاعلها مع الظروف الجديدة، وقد برع المؤلف في هذا العمل في بناء الشخصيات، وتركيبها على نحو واقعي، أمّا الحبكة فهي واحدة من أبرز عوامل جذب واستقطاب المتابعين لهذا العمل، حيث سارت الأحداث منذ الموسم الأول بثبات لافت عزّزه ترابط قوي، وكشف للأسرار على مهل.

محاولة لتفكيك رمزيات المسلسل

نجح المسلسل في تقديم عالم فانتازي مأساوي بماضٍ وأساطير وقوانين وحكايات متفردة، لكنّ هذا العالم ليس منفصلًا عن العالم الحقيقي الذي نعيش فيه، فالأسوار التي شكلت واحدة من أهم رموز هذا العمل إشارة بارزة إلى الانغلاق والانعزال والانكماش على الذات بمعناه السيكولوجي الذاتي الذي يعاني منه العديد من الناس في اليابان والعالم. أمّا بالنسبة للعمالقة فالأمر اللافت أنهم وبغض النظر عن أحجامهم الضخمة وهمجيتهم إلا أنهم يتشابهون مع البشر في أشكالهم ومظهرهم الخارجي، فهل أراد المؤلف أن يشير ورغم كل الزينة الفانتازية إلى أن العمالقة هم الشكل الخام للغرائز البشرية، أو إلى أن البشرية هي أسوأ أعداء نفسها؟ 

إن الحمل الرمزي للأفكار في المسلسل لا يتوقف هنا بل يمتد إلى الكثير من النظريات والأفكار الأخرى التي تربط بين المسلسل وحياتنا اليومية ووجدان المؤلف. فمثلًا، يعتقد البعض أن تفسير رغبة الأبطال العارمة في تخطي الأسوار واستكشاف العالم وراءها وبالإضافة إلى كونها نابعة من حس التمرد على البيئة الانهزامية المسيطرة فإنها نابعة من طفولة المؤلف التي قضاها في قرية جبلية منعزلة ورغبته في الخروج إلى العالم وراء جبال قريته.

تميز هذا المسلسل في أجزائه المختلفة بأغانيه الجميلة والموحية، والتي تناغمت سواء بكلماتها أو بموسيقاها مع الإطار العام للمسلسل وأحداثه. سأكتفي هنا بالتعريج على أولى أغاني المسلسل، أي أغنيتا البداية والنهاية لمطلع الجزء الأول، إذ يبدأ هذا الجزء بأغنية حماسية لفرقة (Linked Horizon) باسم القوس والسهم القرمزي (Guren no Yumiya). 

تعبر هذه الأغنية من خلال كلماتها وموسيقاها الحماسية عن المشاعر الرافضة للخنوع والاستسلام والانكماش داخل الأسوار داعية الناس إلى القتال لكي لا يصبحوا طعامًا للعمالقة ولكي يغيروا الواقع بأنفسهم، ومغرقة في توصيف حماسة الصياد وهو يقاتل في إشارة إلى مشاعر ومواقف إرين المتمردة. أما أغنية النهاية المرافقة التي تغنيها (Yoko Hikasa) وعلى العكس تمامًا من الأغنية الأولى فإنها تتناول مشاعر ميكاسا وماضيها وتيهها ونضجها بنفس أقل حماسة وصخبًا وأكثر قلقًا وتأملًا وبحثًا عن الذات.  

لم يركز المسلسل كثيرًا على جنسيات وأصول الشخصيات، بيد أن الكثير من معجبي المسلسل وبناء على وجود العديد من أسماء الشخصيات المشتقة من لغات أوروبية، وخاصّة الألمانية، ومظهر العديد من الشخصيات وصفاتهم مثل انتشار الشعر الأشقر والملامح الأوروبية وصلوا إلى تخمينات حول أصول شخصيات المسلسل، حيث يُعتقد بأن الكثير من هذه الشخصيات، لا سيما من أبطال هذا العمل ينحدرون من أصول أوربية، وأنه يُلاحظ غياب تام حتى الآن لشخصيات سوداء البشرة مثلًا. أما اختيار المؤلف لأسماء بعض الشخصيات فيوحي بعنايته الفائقة بالتفاصيل فمثلًا يُعتقد بأن اسم الشخصية الرئيسة (Eren Yeager) مشتق من كلمتين من لغتين مختلفتين؛ إذ أن اسمه الأول قادم من الكلمة التركية (Eren) وتعني الوَلي أو القديس، أمّا اسم العائلة فمن الكلمة الألمانية (Jäger) وتعني الصياد، ليصبح معنى اسمه «الصياد القديس»، كما ويُذكر أيضًا بأن المدينة الألمانية ذات الأسوار الدائرية والتاريخ القروسطي العريق «نوردلينغن» كانت مصدر إلهام المؤلف الذي استوحى منه تصميمه لشكل مدن البشرية الأخيرة في المسلسل.

خلال سنوات قليلة، حاز مسلسل هجوم العمالقة مكانة لم تحزها إلّا قلّة من مسلسلات الأنمي، وذلك بفضل حبكة بارعة، وإبداع في الرسم والإخراج والموسيقى، وغيرها من العوامل التي جعلته يتمكن من قلوب محبّيه. وربما نجح هذا المسلسل الذي تزامن عرض القسم الثاني من جزئه الثالث مع عرض الموسم الأخير من مسلسل صراع العروش، بتقديم السلوى للعديد من المشاهدين الذين أصيبوا بخيبة أمل من موسم «صراع العروش» الأخير.