هل يمكن للموسيقى أن تبوح بمعناها؟

الخميس 11 نيسان 2019

هناك جدل، يتجدد باستمرار، حول الطريقة التي تتمكن عبرها الموسيقى الخالصة من التواصل ونقل المعلومات، وعما تستنبطه؛ أو تخلقه في نفس من يسمعها. يصب هذا الأمر في سؤال أكبر حول «المعنى» الذي تنطوي عليه، وآليات تشكيله ضمن بنيتها المجردة وخارجها.

لا شيء على الإطلاق، يجيب البعض. أو بالأحرى، كل شيء، إذ لا تتمثل المعضلة الأساسية في كون الموسيقى خالية من المعنى، بل على العكس تمامًا؛ بكونها فيضًا عن المعنى.

في كتابه «عن الأسلوب المتأخر»[1]، يوضّح إدوارد سعيد رؤية عازف البيانو غلين غولد[2] للموسيقى على أنها نظام عقلاني مُبنين؛ إنه نظام اصطناعي لأنه من صنع الإنسان وليس طبيعيًا؛ فهو تأكيد ضد اللامعنى. يؤكد سعيد هنا على الدلالة الإيجابية لكلمة «اصطناعي»، فهي لا تمثّل نقيضًا، أو وجهًا آخر، للحقيقة. ولعل ميكانيكيات محاكاتها للحقيقة تشغل بال كل باحث أخذ على عاتقه مهمة فهم وكشف الروابط الخفية، والخيالية، التي تكوّن جزيئات المعنى.

يتحدث ليونارد بيرنستاين، وهو عازف ومؤلف موسيقي أمريكي وقائد أوركسترا ومحاضر في مجال الموسيقى، عن اشتراك كل من اللغة والموسيقى بمجموعة من العناصر، كالبنية العميقة، والعمليات الإدراكية التي تتطلبها كل منهما. فيوضّح عبر حلقة من حلقات برنامجه الشهير الذي بث عام 1958 «Young People’s Concerts»، تحت عنوان «ما الذي تعنيه الموسيقى؟»، أن هذه الأخيرة تبلغ المعنى فقط عندما يمكن مقارنتها باللغة، وفهمها كاستعارات، إلى الدرجة التي يذهب معها إلى تسميتها بـ«اللغة الاستعارية». يتضح للمطّلع على منهج مدرسة براغ[3]، أن بيرنستاين يستقي عديدًا من أفكاره، بشكل مباشر أم غير مباشر، من بعض مفاهيمها البنيوية حول اللغة، كفكرة الألفة الناشئة عن تكرار الصور الشعرية ذاتها مما يفقدها عنصرها الجمالي والشعري ويحولها إلى لغة عادية، بحيث يتطلب أمر إعادتها إلى مستوى الشعر إجراء عملية تغريب تطال تركيب الجمل ودلالاتها حتى تحقق أثر الصدمة والمفاجأة؛ وهي الأساليب ذاتها التي يقترح برنستاين استخدامها، موسيقيًا، لتحقيق عنصر الدعابة في الموسيقى. نجد السؤال ذاته عن المعنى في سلسلة محاضراته ضمن جامعة هارفارد تحت عنوان «السؤال غير المجاب عنه»[4]، وفيها يتحدث بيرنستاين عن أبجدية موسيقية عالمية، متأثرًا بتشومسكي إلى حد بعيد، تعتمد بشكل أساسي على الفونولوجيا، ثم التركيب عبر الهارموني والميلودي والأشكال الإيقاعية والسرعة، وصولًا إلى الدلالات التي تتشكل نتيجة المزاوجة بين العنصرين الأولين، أي بين الصوت والبنية، وتؤدي إلى إدراك المعنى العاطفي.

تقوم هذه النظرية اللغوية الموسيقية على اعتبار العلامات الموسيقية مجموعةً من الوحدات التي تتبادل العلاقات في ما بينها، تناغمًا أو تنافرًا، وبهذا تكتسب قيمة تشكيل المعنى[a]. بالتالي، تتحول هذه الوحدات، فضلًا عن وظيفتها الصوتية، إلى حوامل للمعنى أيضًا. إن التوصل إلى المعنى يقتضي حتمًا إجراء عملية مقارنة بين العلامات الموسيقية. لكن خصوصية الموسيقى بالنسبة لبرنستاين تنبع عن علاقة اندماج وثيق وتلاحم تام بين المعنى والحس، إذ تحمل الموسيقى المعنى إلى ما هو «فوق حرفي» كما يصفه برنستاين، إلى ما هو حسي خالص. وبالتالي، لا يمكن القبض على الشعور النابع عن حصيلة هذه العمليات الديناميكية، كاستحالة البوح به، وإنما معانقة صداه الذي يتسرب إلى داخلنا بقدرته السحرية على الإيحاء بشعور ما، دون قوله صراحة.

تقوم هذه النظرية اللغوية الموسيقية على اعتبار العلامات الموسيقية مجموعةً من الوحدات التي تتبادل العلاقات في ما بينها، تناغمًا أو تنافرًا، وبهذا تكتسب قيمة تشكيل المعنى

إن الأمر المربك في فلسفة بيرنستاين هو اشتراطه أن تولّد الموسيقى العاطفة بأدوات موسيقية فقط. إذ يحدد في حلقة أخرى من حلقات البرنامج ذاته بعنوان «الدعابة في الموسيقى» أنواع مختلفة من الدعابة، فمنها المحاكاة الساخرة، والكاريكاتورية، والبيرليسك، والتهريج، والتورية، والتي يمكن لها كلها أن تتواجد في بنية الموسيقى المغلقة. في مثل هذا الإدعاء إيمان مطلق بقدرة الموسيقى وحدها، دون اعتمادها على أية قصة، كلمات، أو حتى عنوان، ودون الحاجة إلى البوح بالمعنى، على تحقيق نواياها الفكاهية المتأصلة فيها.

أحد الأمثلة الصارخة التي تحاول خلق الدعابة عبر الأساليب الموسيقية، يقع تحت صنف موسيقي يعود للقرن الثامن عشر، يقدم موسيقى مرحة وبقصد الترفيه، وهو ديفيرتيمينتو «المزحة الموسيقية» الذي ألفه موزارت في عام 1787، بأسلوب مرح خفيف. موسيقى وُصفت في عصرها بالخرقاء، لما استُخدم في تأليفها من تقنيات موسيقية غريبة على الآذان الكلاسيكية وقتها. يقال إن موزارت كان يحاول عبر هذه المقطوعة أداء محاكاة ساخرة لبعض من أعمال المؤلفين المعاصرين له. بالطبع، لن تبدو هذه الموسيقى مضحكة بالنسبة لمستمعي عصرنا ما لم يتم إدراك مدى تطرّف المنعطف الموسيقي الذي أخذه موزارت عبر استخدامه لتقنيات موسيقية (polytonality) أصبحت أكثر من شرعية اليوم. من غدت أذانهم وعقولهم منيعة ضد صدمات كهذه، هم ذاتهم الذين تلقوا دقائق جون كيج الـ(٤:٣٣) من الصمت بدهشة عارمة. لكن حتى لو لم نلتفت إلى ضرورة فهم الجدّة الموسيقية ضمن سياقها التاريخي للتوصل إلى معنى الديفيرتيمينتو، وركزنا على الفشل الموسيقي المتعمّد في نهاية المقطوعة، أو حتى على قصدية الخطأ في العلامات الموسيقية، لربما سنفشل أيضًا في تحديد مصادر الإضحاك والسخرية، هذا ما لم نملك أذنّا موسيقيًة تخولنا، عبر الدربة، اكتشاف العيوب الظاهرة والمزحات المستترة خلفها. هل تعني هذه النكتة لسامعها غير الموسيقي شيئًا على الإطلاق؟ إننا في مثل هذه الحالة لا بد أن نكون على دراية بالمعنى، وإلا سنغدو من أولئك الذين يصطنعون الضحكات على دعابة لا يفهمونها. قد نشعر بانطباع فرح عام في هذه الموسيقى، أو الإيحاء بشعور الفرح كما يصفه بيرنستاين، لكنه حتمًا لا يضاهي ذاك الذي ينبثق عن فهمها من ناحية تحقيقه للمتعة، خاصة تلك التي تتأتى عن إشباع حاجتنا إلى الفهم، وقدرتنا على فك الرموز المستعصية. 

يتصدى ليونارد ماير للفكرة ذاتها التي طرحها بيرنستاين، عبر كتابه «المشاعر والمعنى في الموسيقى»[5]، إلا أنّه يرفض بشكل تام اعتماد الموسيقى على أي أنظمة لغوية، مما يحرمها خصوصيتها كفن. فليس على الموسيقى أن توظّف إشارات ورموز تحيل إلى العالم «غير الموسيقي» للمفاهيم والرغبات الإنسانية، كذلك ليس عليها أن تمتلك القدرة على محاكاة عالمنا بما فيه من أحاسيس ومزحات ومضامين. تغدو الطريقة الوحيدة لفهم الموسيقى هي عبر تشرّب الأثر الذي تحدثه في أنفسنا. إن هذا الأثر هو من نوع خاص إلى حد ما، إذ يميز ماير بينه وبين المزاج أو العاطفة، فيعرّف الأول على أنه حالة ذهنية طويلة الأمد، أمّا العاطفة على كونها الاسم الذي يُطلق على مجموعة من المشاعر، تُلوّن حسب السياق الذي تحدث فيه، كالفرق بين البكاء من فرط الفرح والبكاء حزنًا. الأثر على الوجه الآخر، هو الحاجة إلى البكاء، أي أنه الشعور الخام. يتجلى هذا الأثر الذي تحدثه الموسيقى عبر حالات من التوتر أو الاسترخاء تنتج عن خرق توقعات الفرد، أو ملاقاتها، حول ما سيوشك حدوثه في القطعة الموسيقية.

من الرافضين أيضًا لمقارنة الموسيقى باللغة المؤلف الموسيقي و.أ ماثيو عبر كتابه «الحياة الموسيقية[6]». إن الاستعارات التي يتحدث عنها بيرنستاين، هي تمامًا تلك التي يحمّلها ماثيو مشكلة اللغة، فهذه الأخيرة تلف وتدور حول الموضوع وتعبر عنه بآلاف الطرق، إنها غنية ومتنوعة، لذا هي غير محددة، على عكس الموسيقى، «فما تسمعه هو ما تلقاه». ترتكز اللغة على تجربة سابقة، لأنها قائمة على نظام الاستعارات، أما الموسيقى، فهي التجربة بحد ذاتها ولا شيء وراءها، لذا تكتسب عناصرها قوة تعبير خاصة وتبني هويتها المتفردة، بحيث لا يمكن قياسها إلا بنفسها.

صحيح أننا نلحظ في كثير من الأحيان عناصر موسيقية محددة، كالشكل الإيقاعي أو سلم ماجور، تحقق شعورًا تلقائيًا بالفرح، كذلك الأمر بالنسبة لمشاعر الحزن عبر سلم ماينور، لكن مثل هذه الافتراضات تبقى نسبية إلى حد ما، فهي تعتمد بدرجة كبيرة على خصوصية الفرد المتلقي، كارتباط نغمة معينة بذكرى ما لديه، وكذلك على الفكرة التي يحيط بها الموروث الشعبي آلة ما أو نمط موسيقي معين. الناي مثلًا، ارتبط في ثقافتنا بمشاعر الحزن المغرِقة.

إن هذه النظرية التي ترى الموسيقى على أنها بنية مغلقة، كبنية اللغة، تتجاهل تمامًا السياق الذي تنشأ ضمنه الموسيقى، كما أنها تتغاضى عن علاقة الموسيقى بالفنون الأخرى، الصورة مثلًا، وقوة الأثر الناجم عن خلق تناقض حاد، هدفه التغريب، بين الموسيقى والصورة، كالمشهد المألوف بشدة اليوم، الذي يصوّر تنفيذ الشخصية السيكوباتية في فيلم ما عملية قتل أو تعذيب على ألحان موسيقى كلاسيكية مرحة.

الأهم من كل ذلك، أن مثل هذه النظرية ترسخ مفهوم ثبات المعنى عبر الزمن. لنفهم ذلك ما علينا إلا أن نسترجع تاريخ مقطوعة «دخول المجالدين»، وهي مارش عسكري، ألّفه التشيكي جوليوس فويك عام 1897، معتمدًا بشكل كبير على السلالم الكروماتيكية؛ وهو السلم الموسيقي ذو 12 نغمة. لكن بحلول عام 1901، وبعد إعادة توزيعها من قبل مؤلف كندي لفرقة سيمفونية أمريكية، تحول هذا المارش ذاته من عسكري إلى آخر خاص بالسيرك، يرافق دخول المهرجين. يرتبط التحول الجذري لمعنى المقطوعة باختلاف تلقيها الحسي بين البيئتين المتباعدتين، الذي ربما يدفعنا إلى إشراك العلم، والأسباب البيولوجية، في تفسير هذا الاختلاف التام بين ما قد يُشعر أحدهم بالمهابة العسكرية، وآخر بالتهريج. إن اعتمادنا على انطباعاتنا الخاصة فحسب هو أمر غاية في التعقيد لأنه قد يقودنا إلى نتائج كاذبة في ما يتعلق بحقيقة المعنى.

يشير أستاذ الفلسفة الموسيقية بيتر كيفي في كتابه «أطروحات جديدة حول فهم الموسيقى»[7] إلى نقطة هامة تتعلق بالتفريق بين المشاعر والمعاني التي تعبر عنها الموسيقى أصلًا، وتلك الناجمة عن تلقيها بطريقة معينة؛ كمشاعر الإعجاب أو الكره أو الانزعاج. إن كيفي يطرح هنا موضوع «موثوقية» المشاعر، فليس من الضروري أن توّلد الموسيقى، مرحة كانت أم حزينة، مشاعر حقيقية لدى المستمع. إذ يمكن للمرء أن يشعر بسعادة لا تُضاهى بسماعه موسيقى حزينة عظيمة، كما يمكن له أن يشعر بالملل إن كانت تلك الموسيقى سيئة. إن التقييم الإدراكي للهدف، أو القصدية، هو بالضبط ما تعوزه الموسيقى.

ينبغي هنا أن نميز بين أمرين مختلفين تمامًا؛ بين تأويل الموسيقى المفتوح على أبواب عدة، واستعمالها الذي يسعى أحيانًا إلى قهر المعنى الأصلي وإغلاق الأبواب المفتوحة وفتح أخرى. قد يكون هذا الاستعمال موفقًا فنيًا، أو ضروريًا، في بعض الحالات لكنه قد يؤدي في حالات أخرى إلى نتائج مشوهة. على سبيل المثال، ذُعر الموسيقي الهندي الشهير رافي شانكار مما وصفه بالابتذال الاستعراضي للموسيقى الهندية عبر الروك، وكيفية ربطها بتعاطي المخدرات، الأمر الذي أدى إلى تشويهها وإفراغها من مضمونها الروحي الأصيل.

يبدو من ملاحظة بعض التجارب الموسيقية أن عزل العوامل الخارجية وأثرها على علاقة العاطفة بالمعنى، يفضي إلى فهم قاصر للموسيقى، وإغفال لحقيقة عضوية العلاقة بين المعنى والعاطفة، إذ قد يختلف معنى موسيقى ما تبعًا لحالات شعورية ترجحها على غيرها ظروف اجتماعية، تاريخية، أو نفسية لدى المرء. كذلك تتحدد عاطفتنا تجاه مقطوعة موسيقية ما، بناء على معرفتنا المضللة، أو المنقوصة، بمضمونها. كل هذا يجعلنا نضع مقولة «البنية المغلقة» للموسيقى تحت المجهر مرة أخرى، كما أنه يطرح سؤالًا حول «عالمية» اللغة الموسيقية.

  • الهوامش

    [1] سعيد، إدوارد، عن الأسلوب المتأخر، ترجمة: فواز طرابلسي.
    [2]عازف بيانو كندي، له العديد من المحاضرات حول الموسيقى، اشتهر بأداء مقطوعات باخ وخاصة فن الفوجا.
    [3]تجمع لعدد من علماء اللغة والنقاد الأدبيين في براغ، منهم رومان ياكوبسون وفيليم ماتيوس وتروبتسكوي، الذين درسوا وظائف اللغة وقدموا تحليلًا فونولوجيًا لها.
    [4]Bernstein, Leonard, The Unanswered Question: Six Talks at Harvard, Harvard University Press, 1976
    [5]Meyer, Leonard B, Emotion and Meaning in Music, Textbook Publishers, 2003.
    [6]Mathieu, W. A, The Musical Life, Shambhala, 1994.
    [7]Kivy, Peter, New essays on musical understanding, Clarendon, 2001