«يا حلو يا غالي»: جولة في تاكسي فلسطيني في لبنان

الإثنين 15 نيسان 2019
الصورة من موقع المهرجان

تتماوج يدا السائق الفلسطيني الهرم في التاكسي أثناء غنائه «يا حلو يا غالي (..) يسعدلي صباحه كل ما رق جناحه» على نحو يشككنا برجاحة عقله. يشتم بالطريقة الفلسطينية البحتة مرّاقي الطرق والسائقين الآخرين من تاكسيه المتواضع فأجد نفسي أنفجر ضحكًا، مدركةً أنني الوحيدة التي كانت تضحك في صالة السينما القائمة في كوبنهاجن حيث كان يعرض الفيلم كجزء من مهرجان (CPH:DOX) للأفلام الوثائقية الذي دُعيت حبر لحضوره. للفيديو ملمس الصور الفوتوغرافية القديمة، فانحصرت ألوانه في الجزء الأول في الفيلم في أحادية الأبيض والأسود، الأمر الذي تعزوه المخرجة ديانا ألان لحوزها على فيلمين فقط عند تصوير الفيلم، أحداهما أحادي اللون (أبيض وأسود) والثاني ملون.

يسير الفيلم القصير على نحو سلس جدًا غير مهووس بسرعة الأحداث ودراميتها بالطريقة التي تتغذى عليها الأفلام التسجيلية الدارجة. نراقب سائق التاكسي في قراءته للجريدة وشربه قهوته متمهلًا. ألحظ أنني كنت قد توقفت عن التساؤل عما كان سيحصل، أو عن «قصة» الفيلم بشكل تقليدي، بل استرحت في مقعدي، مراقبةً السائق النشيط يلف ضواحي بيروت في فترات صمت لا يخترقها إلا صوته مغنيًا الأغنية الوحيدة التي ألهمت عنوان الفيلم شديد التجريبية والنضارة، وبعض الجمل الإنجليزية التي ينطق بها بطريقة متهكمة. يصفق بيديه لكننا لا نسمع صوت التصفيق، ويتحدث جانبيًا إلى الكاميرا، وتسبق الصورة الغبشة صوته.

تتلون الصورة في القسم الثاني من الفيلم من غير أن تفقد غباشها الذي يبعث على النوستالجيا. فيأخذ حديث سائق التاكسي منحى جديًا. «شفت الله بس مش (face to face)، شفته على هيئة ملائكة»؛ ملائكة بعثها له الله، على حد قوله، لينبهه إلى أنه لا يفعل شيئًا في حياته غير اللعب، وأنه «لحد هون وبس». يشرح لنا بعفويته أن هذه الزيارة، لا بد، كان سببها تقصيره مع أهله الذين تركهم وهاجر إلى قطر من غير أن يعبأ بهم أو يساعدهم؛ «عقوبة اللي عملته مع أهلي». ربما كان هذا الشعور بالذنب هو الذي دفعه إلى محاولة الانتحار التي يقصها علينا ضاحكًا بأريحية. كان قد ابتلع عشرين أو ثلاثين حبة دواء منتظرًا أجله، ولكنه أسعف ولا يزال غير قادر على تذكر تفاصيل وجوده في المستشفى. يتذكر حالة الرعب فقط التي عاشها في غربته آنذاك. يعترف لنا، من غير أن نسأله: «أنا المسؤول…أنا غلطان بحكي لنفسي». بعد فترات فراغ متقطعة في الفيلم، يسترسل قائلًا: «I am like sick man. Sick man. He is alone. I am bird without wings».

ينتهي الفيلم، الذي صُوّر بأكمله داخل سيارة الأجرة، بمشهد يلاعب فيه سائق التاكسي قطة كانت ترقد على زجاج المركبة الأمامي؛ فتتوسع في أذهاننا كلماته المؤلمة كالبقع بالرغم من ضحكه الطفولي.

قلقلة الكاميرا والصوت السابق للصورة وغباش الألوان وأحاديتها في القسم الأول تعزز الطابع التجريبي للفيلم الذي يبحث في حياة سائق التاكسي اليومية، وليس تبعات لجوئه وعائلته إلى لبنان. بعد نهاية عرض الفيلم، تذكر المخرجة والأنثروبولوجية دايانا ألان، التي تبحث في مواضيع النكبة واللجوء الفلسطيني، أن هذا المشروع كان بمثابة محاولة للخروج عن السردية النمطية فيما يخص الفلسطينيين. عندما طلبت منها توضيح أي سردية تعني أجابت: «سردية الوطنية والهوية الفلسطينية المرتبطة بها، كنت مهتمة أكثر بدراسة العلاقات الاجتماعية بين الشتات الفلسطيني في لبنان وتحرك الذاكرة الجمعية في الفضاءات المختلفة».

يوضح الفيلم الجانب اليومي للجوء الفلسطيني في لبنان والمشاعر التي تنجم بشكل غير مباشر عن هذه الحركة، مثل الإحساس بالضياع والذنب إلى جانب العوامل الحقيقية مثل الفقر والبطالة. سائق التاكسي، كما أصرت المخرجة، ليس نموذجًا عاكسًا للشتات الفلسطيني أو المعاناة الفلسطينية؛ بل هو شخصية نادرة في عفويتها وتلقائيتها، يجوب شوارع بيروت بخفة من كان قد نظر في الهوة ولكن نجا منها. التاكسي أصبح مكان اللجوء الحقيقي عند سائق التاكسي وليس المدينة التي ينقل فيها الناس من منطقة لأخرى دون أن يرى منها إلا الجانب السطحي الذي يُعكس على زجاج سيارته.

«سائق التاكسي يعيش في سيارته لأنه لا يمتلك بيتًا. فبطريقة ما، أشعر بأن سيارة الأجرة هي امتداد له هو وضجيج بوقها هو صوته»، تقول المخرجة.