في الذكرى المئوية لوفاة كلود ديبوسي

صول| عن الصوت الآتي من بعيد

الإثنين 26 آذار 2018

في مثل هذا الشهر من عام 1918 رحل المؤلف الفرنسي كلود ديبوسي. «الروح الإنسانية صامتة جدًا (..) الروح الإنسانية تحب أن ترحل وحدها»، تقول إحدى شخصيات «بيلياس وميليزاند»، الأوبرا الوحيدة لديبوسي، والتي استغرقه العمل عليها قرابة العشر سنوات.

قد يكون من المناسب تذكر ديبوسي انطلاقًا من العرض الأول لتلك الأوبرا عام 1902، فمع إسدال الستار على المشهد الأخير أصبح من الواضح أن صفحة جديدة في الموسيقى قد فتحت بعد عقود من احتكار الألماني فاجنر للمشهد الأوبرالي، خصوصًا بعمله الصاخب «تريستان وإزولد» الذي شكل المرجع الأعلى لأي أوبرا تدور حول الحب. استمر ذلك حتى مجيء ديبوسي بأوبراه الغريبة، بموسيقى ضبابية قلّما تعلو فوق الهمس، وشخصيات تكاد تتكلم بدلًا من أن تغني. يلخص الكاتب آرون كوبلاند تفرّد «بيلياس وميليزاند» بمثال واحد: «عندما يصرح العاشقان في أوبرا فاجنر بحبهما للمرة الأولى، يجري في الموسيقى تدفق رائع للمشاعر، ولكن عندما يصرح كل من بيلياس وميليزاند بحبهما للمرة الأولى، يسود صمت تام».

يشكل الصمت أحد المفاتيح الأساسية لعالم ديبوسي، كما تشكل الأوركسترا في «بيلياس» جزءًا من الديكور، مثل البحر وضوء القمر، توفر ما يكفي من السحر كي تولد القصة بداخلها دون التدخل في مجراها. فقد آمن ديبوسي -بعكس فاجنر والرومانسيين- بأن الموسيقى لا يجب أن تُلقن المستمع بالملعقة ما يجب أن يشعر به في كل ثانية، خصوصًا في الأوبرا، حيث من الضروري أن يُفسَح المجال للشخصيات كي تعبّر عن نفسها.

كل ما في هذه الأوبرا يبدو هشًا وآيلًا للتفتت، من مملكة «ألموند» الخيالية الغارقة في الظلام، وميليزاند، الفتاة الغامضة التي أتت «من بعيد» والتي لا ترف عيناها، وصولًا إلى الموسيقى التي تبدل مقاماتها دون توقف، والقصة التي تُروى بمزيج من محادثات خرقاء وأسئلة مبهمة تظل معلّقة بالهواء، تتراكم منذ البداية لتبني حبكة قائمة على الثغرات والأحداث المقلقة وغير المفهومة.

يحيط بـ«بيلياس وميليزاند» -وبموسيقى ديبوسي عمومًا- نوع من الغموض، حتى على المستوى التقني، حيث يجد الموسيقيون أنفسهم أمام نوطات تشبه الألغاز، لا تقدم، بالرغم من كتابتها الدقيقة، إلا تعليمات غائمة وتقريبية عن سرعة العزف وطريقة الأداء. لكن أثمن ما تحمله موسيقى ديبوسي قد يكون ذلك النوع الخاص جدًا من الحزن، الأقرب لغصة مكتومة تنبع من شيء بعيد مفقود وصعب المنال. في «بيلياس وميليزاند» مثلًا، تبدو قصة الحب بين البطلين وكأنها مستحيلة، ليس فعلًا بسبب المعوقات الدنيوية للقصة، بل لأن كل شخصية تعيش في عالمها الخاص، كأن خشبة المسرح ليست إلا تجميعًا لعوالمهم المختلفة في حلم مشترك عشوائي، تمر ببعضها دون أن تلتقي فعلًا ولو أنها تتوهم العكس.

كان ديبوسي ابن عشرة أعوام عندما ابتدأ دراسته في المعهد العالي في باريس، ذاك «المكان المظلم والوسخ (…) حيث يبقى غبار التقاليد السيئة عالقًا بين الأصابع»، كما وصفه في رسالة لاحقة. كانت فرنسا قد خرجت بالكاد من حربها الخاسرة مع بروسيا، والمعهد لا يزال غارقًا في أعرافه الأكاديمية المهترئة التي لطالما استفزت المؤلف الشاب، والذي استفز بدوره كل من حوله، وشكل بعناده وطباعه الصعبة مصدر احتراز لأساتذته ولزملائه الذين أطلقوا عليه لقب «أمير الظلمات».

تبدو الحاجة لاستخدام كلمات مثل «ظلام» و«لون» و«ضوء» إجبارية للحديث عن ديبوسي، فالكثير من أعماله ترسم بالموسيقى مشاهد طبيعية أو ظواهر بصرية يومية، مثل تراقص الثلج أو الانعكاسات على وجه الماء. في عمله الأوركسترالي «قطع ليلية» مثلًا، يقدم ديبوسي ثلاثة مشاهد تمثل كل منها ليلًا مختلفًا؛ ترسم القطعة الأولى «غيوم» حركة الغيوم البطيئة أمام القمر الذي يغيّر ألوانه، تحاكي الثانية «أعياد» (7:25) ليلًا من نوع آخر، يسمع فيه صدى احتفالات بعيدة راقصة تقترب شيئًا فشيئًا وتتفجر بالألوان والأصوات، أما الثالثة «حوريات» (13:40)، فتعالج هذه المرة ليلًا بحريًا يتكسر فيه ضوء القمر على الأمواج ويسمع فيه صوت الحوريات الذي يغوي البحارين إلى الأعماق.

إن كان بالإماكن تقريب قطع شوبان الليلية إلى تسلسل من المشاعر المختلفة مثل الوحدة والاشتياق والأمل، فإن مقطوعة ليلية مثل «غيوم» لا يمكن تقريبها إلا إلى تسلسل من الألوان: أسود-رمادي، رمادي متوهج، مخضب بالوردي أو بأزرق بارد (..) ولهذا أطلق على موسيقى ديبوسي لقب «الانطباعية»، أسوة بالحركة التشكيلية المعاصرة التي عشق فنانوها كل ما يتعلق بالانعكاسات وألعاب النور والعتمة والألوان غير الطبيعية.

لكن لصق عنوان «الانطباعية» على موسيقى ديبوسي لا يحيط بها إلا جزئيًا، فالمؤلف كان قد تأثر كذلك بالحركة «الرمزية» في الشعر والفن، والتي تتجنب المغالاة في وصف العواطف وتفضل التلميح على التصريح، لا لإلغاء المشاعر الإنسانية من الفن، بل لتجنب إملائها على المتلقي، ولصناعة فضاء ساحر يدعو المستمع ليسكنه ويعيش فيه قصته الخاصة. في الرقصتين «المقدسة والمدنسة» مثلًا، يستعيد ديبوسي عالمًا بعيدًا يشبه عالم «بيلياس»، بمزيج من المقامات القديمة والإيقاعات الطقسية البطيئة التي تؤديها الوتريات، بينما تؤدي آلة الهارب المنفردة مقاطع صعبة للغاية بصوت حريري غالبًا ما يكون أقرب للوشوشة.

عندما استضافت باريس المعرض الدولي لعام 1889، عاش ديبوسي لقاءً مصيريًا بالفرق الموسيقية التي استقدمتها فرنسا من المستعمرات، خصوصًا فرق الـ«جاميلان»، وهي تجمّعات من الآلات الإيقاعية بشكل أساسي، خاصة بالجزر الأندونيسية. كتب ديبوسي قائلًا بأن تلك الفرق، بتعقيدها وتداخل أصواتها، تجعل كبار المؤلفين الأوروبيين يبدون كالأطفال أمامها، وأن «سماع سحر إيقاعها بدون الأحكام الأوروبية المسبقة، يجعلنا نلاحظ أن إيقاعاتنا ليست إلا ضجيجًا بربريًا».

في مقطوعته للبيانو «القمر يحلّ على المعبد الذي كان»، يستحضر ديبوسي المشهد المذكور بموسيقى تحاكي آلات الجاميلان تلك، برنينها ودوزانها غير المألوف للمستمع الغربي، وللمرة الأولى في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية -التي لطالما تأثرت بأشكال موسيقيّة أخرى- لم يعد التأثر بالموسيقى الشرقية مجرد توابل يرشها المؤلف على قطعة مبنية بالكامل بطريقة غربية، بل مصدر إلهام حقيقي في بنية القطعة وطريقة تركيب الإيقاعات والألحان. بكلمات أخرى، لم يعد الشرق مجرد أكسسوار سطحي يرمز للاستحواذ على الآخر، بل أداة تحررية حقيقية للتشكيك بالذات، ولتجاوز طريق مسدود وصلته الموسيقى الغربية.

ترك ديبوسي كنزًا من الأعمال الأخرى المكتوبة للبيانو، منها «البريلودات»، وهي 24 قطعة صغيرة تحمل بعضها عناوين وصفية مثل «الألعاب النارية»، بينما تحمل أخرى عناوين أكثر غموضًا مثل «الفتاة ذات الشعر الكتّاني». يكاد ديبوسي لا يستخدم أي مقامات غربية ولا بنى تقليدية قائمة على «لحن أول» و«لحن ثانٍ» وما إلى ذلك، بل ينظم قطعه وفق تتابع من ثخانات صوتية مختلفة، لكل واحدة منها ملمس ودرجة لونية. تمامًا كما اهتم الرسامون الانطباعيون بإظهار ضربات الفرشاة على حساب موضوع اللوحة، يركز ديبوسي على كل ضربة صوت، وعلى طريقة تراكب النوطات وتوزيعها على الآلات، وتتحول الموسيقى بين يديه من السرد إلى الرسم، وإلى فيض من اللون والضوء يشكله كالصلصال أو ينثره كالرمل في الهواء.

عندما كتب ديبوسي عام 1895: «أعمل على أشياء لن يفهمها إلا أحفادنا في القرن العشرين»، كان يعرف أنه بصدد فتح باب الحداثة على مصراعيه. وفي هذا الشهر يستعيد العالم موسيقاه، المستودع الكبير من الأحلام البعيدة، حيث لا شرق ولا غرب، وحيث الفرق بين الصوت والصمت مجرّد حرف، وحيث توجد ألف طريقة لرؤية العالم في خيط ضوء أو في ومضة على سطح ماء.