«جريمة في رام الله»: حين تحرمنا الرقابة من النقد

الثلاثاء 14 شباط 2017
تصوير عز الدين الناطور

في حديث مع صديقٍ لي عن آخر زيارة له لرام الله، كنت أندب حظّي الذي يجعلني أتحدث عن فلسطين كأنّني أنا فَقَدتُها شخصيًّا مع أنّني لم أزرها (بعد). فرام الله هي مدينة والدي، ودير غسّانة هي القرية التي ولد وعاش فيها قبل أن ينتقل إلى الأردن، ووقعت فيها جميع أحداث القصص التي كانت وما زالت تُروى لي عن طفولته. قال لي حينها أنّ أذكّره بإحضار رواية يريدني أن أقرأها، اسمها «جريمة في رام الله».

وفعلًا، ذكّرته بذلك صباح اليوم التالي، لكنّ التذكير كان مضيعة لتكلفة الرسالة التي أرسلتها، ولم يحضرها إلّا بعد أسابيع من ذلك الحوار. أخذتها منه (مع طلبه بألّا أعيدها بعد أربع سنوات) ووضعتها جانبًا لأُنهي ما كنت أقرأه، لكنّه أراني في الصباح التالي خبرَ حظر النشر ومصادرة الرواية من قبل السلطة الفلسطينيّة لاحتوائها أجزاءً «مخلّة بالحياء والآداب العامة»، ونظرًا لما «ورد فيها من نصوص ومصطلحات من شأنها المساس بالمواطن سيما القصّر الأطفال» واستدعاء كاتبها عبّاد يحيى للتحقيق. كان ذلك يوم 7 شباط، أي بعد نشر الرواية بحوالي شهر واحد، وفي مساء يوم 8 شباط كنت جالسًا في غرفتي أُنهي قراءة آخر صفحات الرواية.

يبدأ الملخّص المكتوب على ظهر الطبعة الخاصّة بفلسطين من رواية «جريمة في رام الله» لعبّاد يحيى (دار المتوسّط، 2017) بالتنويه بأنّه «لا يمكن الإجابة بسهولة على سؤال كيف ومتى بدأت أحداث هذه الرواية»، ومع محافظة الرواية على كمّ هائل من الألغاز حتّى بعد الانتهاء من قراءتها، ما أعرفه هو أنّ التنويه هذا قد يكون أكثر أجزائها وضوحًا.

أعلم أيضًا أنّ أكثر من جريمة ارتُكبت في رام الله يمكن أن ننسبها إلى «جريمة في رام الله»، وأنّ اثنتين منهما تفوقان الجريمة المذكورة بالعنوان أهمّية. أوّل جريمة ارتكبها عبّاد يحيى بالإيحاء بأنّ جريمة القتل التي تهزّ شخصيّات الرواية وتقتل إحداهنّ (ويبدأ وقوعها على الصفحة 164 من أصل 237) هي محور القصّة، وبالتالي جاعلًا أول ثلثيْن من القصّة أقرب لمقدّمة مطوّلة، وثاني جريمة (والتي هي أكبر) ارتكبتها السلطات الفلسطينيّة عندما حظرت نشر الرواية.

الرقابة التي فرضتها السلطة على الرواية، والتي تفرضها السلطات على الأدب بشكل عام تجرّده وقارئه من الموضوعيّة.

 للجريمتيْن عواقب وخيمة على صعيديْن ومقياسيْن مختلفيْن تمامًا؛ الأولى أدّت إلى ضياع شخصيّاتٍ وحبكاتٍ كان سيكون لها أثرٌ أعظم بكثير ويجعلها دراسة متكاملة وواضحة لمأساة الفقدان وتعاملنا معها كبشر، لو أنّها رُتٍّبت بتسلسل مختلف. الجريمة الثانية أظهرت أولويّات السلطة تحت الاحتلال المستمرّ وفي ظل الدور الذي يُفتَرَض أن تلعبه السلطة فيه، وأدّت إلى تحريض مبطّن ضد الكاتب ورواياته وأعطت للتهديدات شرعيّة مخيفة، بالإضافة إلى العواقب البديهيّة الغنيّة عن الذكر بشأن حريّة التعبير والرقابة الفكريّة.

في عالم مثاليّ لم تَصدُرُ به قرارات السلطة الفلسطينيّة، أعتقد أنّني قد أُكمل مراجعتي للرواية كالتالي:

«يجب الذكر هنا أنّ لغة الكاتب المفعمة بالصور العميقة والملاحظات الذكيّة عن معظم ما تتطرق إليه الرواية من مشاعر وأحداث، وتطويره لشخصيّات معقّدة وواقعية، جعل الاستمتاع بقراءة الرواية شيئًا محتومًا، لكنّها ليست خالية من الشوائب.

سأسلك طريقًا مختلفًا عن الذي اختاره يحيى وأبدأ من النهاية، في مشهد زيارة إحدى الشخصيات الرئيسة الثلاث، وِسام، لطبيب نفسيّ بعد أن تُقتًل حبيبته. يبدأ الطبيب بمونولوج عن النفس البشريّة والذاكرة وارتباطهما، وتتبلور كلّ الخيارات الأدبيّة التي اتّخذها الكاتب في الأسئلة الثلاثة التي يطرحها خلاله. ويبدو واضحًا أن المونولوج كان هو الغاية من كتابة الرواية كاملةً والهدف الذي يتّجه يحيى نحوه منذ البداية. في هذه الذروة، يستكشف الطبيب بطريقة دقيقة ومؤثّرة طريقة عقل الإنسان في التعامل مع المأساة بشكل عام، وعند فقدان شخص قريب بشكل خاص، ويسأل:

«هل هنالك حلّ ذهني لأزمة واقعيّة؟ هل يمتلك العقل تلك القدرة على معالجة المأساة؟ تحويلها من حَدَث وجوديّ إلى أسئلة عقليّة قابلة للتفكيك والدحض؟» (ص 215).

تأتي هذه التساؤلات بعد قتل شخصية رُبا، التي يتعرّف عليها القارئ قبل أن تُقتل ببضع صفحات، لكنّها تلمّ شمل قصّتي رؤوف ونور اللتين يتخلّلهما اختفاء شخصيْن مهمّين من حياتهما أيضًا؛ الصفحات السبعون الأولى يرويها رؤوف وتسرد العواقب المترتّبة على حياته بعد أن يخسر دُنيا التي يتعرّف عليها في تاكسي للحظة عابرة ثم يرتبك حينما يحاول التحدّث إليها فتبتعد عنه ويدخل في دوَّامة هوس بها واشتياقٍ لها. الجزء الثاني ينقلنا للأمام بالزمن ويسرد أحداث حياة نور بعد انتقاله للسكن مع رؤوف ودخوله علاقة جنسيّة معه، ثمّ اختفاء رؤوف واضطّرار نور للتعامل مع خسارته، وإعادة قراءته لمذكّراته من الفترة ذاتها.

يشترك رؤوف ونور بسُبُل تعاملهما مع ما يراه كلُّ منهما أنّه فاجعة حلّت بهم، من الانطواء على النفس والابتعاد عن الأقارب والأصدقاء واللجوء إلى الكحول، بلّ أنّ يحيى يسعى لتأكيد هذه التشابهات بالتفاصيل، مثل انغماس كلاهما بترتيب وتنظيف شقّته ومحاولة إقناع كلاهما نفسه بأنّه نسي الشخص المفقود، ليأخذ القارئ على الدرب الذي يؤدّي به للاستنتاج أنّ الناس يتعاملون مع الحزن بالطريقة ذاتها مهما اختلفوا واختلفت أوضاعهم وخلفيّاتهم، مارًّا بقصّة وسام أيضًا.

تمتاز «جريمة في رام الله» عن الكثير من الروايات العربيّة والغربيّة التّي تتضمّن علاقات جنسيّة وعاطفيّة مثلية بأنّها تبتعد عن الثنائية الجنسيّة الصلبة (غيريّ أو مثليّ).

يُظهر يحيى جانبًا آخر من الحزن، وهو الحزن الذي يجرّد من يمر به من أيّ مشاعر حقيقيّة ويستبدلها بالفراغ، ويُبعِدُ الحزين عن عالم الإحساس مع أنّه يُدرِكُ تمامًا المشاعر التي من المفترض عليها أن تجتاحه، فيصف الأحداث والمشاعر بميكانكيّة عالية، مثل لعبة يلعبها زملائه: «الطريف في اللعبة تعليقاتهم، وتصنيفاتهم لجمال النساء بمقياس الكؤوس» (ص 144). وهذا ما يلقّبه رؤوف بالانفصام أو الانفصال عن الحياة.

تمتاز «جريمة في رام الله» عن الروايات العربيّة والغربيّة التّي تتضمّن علاقات جنسيّة وعاطفيّة مثلية بأنّها تبتعد عن الثنائية الجنسيّة الصلبة (غيريّ أو مثليّ) ولا تحصر شخصيّاتها ضمن ذلك الإطار. نرى ذلك في شخصيّة رؤوف، الذي يعبّر عن انجذاب لنساء ورجال دون الاضطرار للتعريف بنفسه كمثليّ أو غيريّ أو حتّى ثنائيّ الجنس.

يصف ملخّص الرواية شخصيّاتها بأنّهم منتسبون لجيل ما بعد الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية، وتلقي الرواية نظرة داخليّة على موقف الشباب الفلسطيني في الأراضي المُحتلّة الذي خاب ظنّه مما آلت إليه الانتفاضة الثانية، فنرى ردّ فعل عكسيّ وسلبيّ للانتفاضة والحركات الطلّابيّة التي تخلّلتها وتلتها. هذا مما قد لا يألفه الفلسطيني المهجّر أو المغترب الذي يفرض عليه واقع ابتعاده عن فلسطين الإعجاب بحركات مناضلة ضد الاحتلال الصهيونيّ والامتناع عن نقدها الفائض بسبب الإحساس بعدم القدرة على المساعدة. وإلى جانب ذلك، فالرواية بالتأكيد لم تشبه الكثير من الروايات التّي تتحدّث عن فلسطين، بمنحها هالة البلد المحتل، ومحورة الحبكة حول الحواجز.

لا يمكن إنكار قيمة الرواية وما تضيفه للساحة الأدبيّة من توثيق للصراع الإنسانيّ الداخليّ مع الذاكرة والمأساة، ولا يمكن التغاضي عن المهارة اللغويّة والفنيّة والعناية بالتفاصيل التي يسرد بها عبّاد يحيى حياة شخصيّاته. لكنّ المشكلة في الرواية تكمن بالتوقّعات الخاطئة التي تولّدها عند القارئ في ترويج الفكرة الرئيسيّة لها كدراسة حدث واحد وما يترتّب عليه من عواقب، بينما تتمحور في الواقع حول النفس البشريّة بشتى نواحي الحياة وتجرّ معها جريمةٍ ما بالمعيّة، ويشعر القارئ بعدها، كما يشعر رؤوف ونور تجاه حياتهما، بالانفصام».

لكنّ عالمنا ليس مثاليًّا، وحتّى المراجعة تلك ترسم صورة أكثر إيجابيّة من الواقع عن الرواية. عندما بدأت قراءة الرواية بعد العلم بأنّها حُظِرَت، كنت أقرأ كلّ صفحة مع فضول لأعرف إن كانت تلك الصفحة ستكشف سر الحظر، ولم أستطع تفادي اتّخاذ موقف دفاعٍ عنها، لأنّ الرقابة التي فرضتها السلطة على الرواية، والتي تفرضها السلطات على الأدب بشكل عام تجرّده وقارئه من الموضوعيّة.