عبد الحسين عبد الرضا: نجم في الفن والحياة

الخميس 17 آب 2017
تصوير: خالد المسعود.

عبد الحسين عبد الرضا هو أحد ألمع نجوم المسرح الذين ظهروا في الكويت. بل يمكن القول إنه نجم الكوميديا الأول دون منازع هناك. شارك عبد الرضا في أكبر عدد من المسرحيات على الإطلاق، وأطلق معها فرحًا عارمًا لدى جمهور واسع تابعه، سواء من أهل البلاد، أو من الجاليات العربية التي وصل إلى قلوبها أيضا بكل بساطة، إضافة إلى ما حققه من انتشار عربي بعدد من مسرحياته وأعماله التلفزيونية.

وبالرغم من الوعي المسرحي المتقدم، الذي كان يظهر بوضوح خلال أي حديث مع عبد الرضا، حتى وإن لم يكن لهدف إعلامي، فإن البساطة، والتلقائية، قد تكونان أبرز ما يلاحظ في هذا النجم الكبير. بساطة طبعت حياته وعلاقاته بصدق، وانعكست بالطبع في حياته الفنية، منذ لحظة اختيار النصّ المسرحيّ، حتى لحظة مواجهة الجمهور على خشبة المسرح.

ولعل التنوع الشديد في أعماله، وهو تنوع لا يمكن أن يلاحظ إلا في أداء ممثل لديه قوة في الموهبة، وفي الحضور، يمكنه أن يؤكد فهمه العميق للعملية المسرحية، ومعرفته السبل الصحيحة إلى تنمية الموهبة، والإبقاء على جذوتها حية على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان.

وإذا كان عبد الرضا بدأ نشاطه بالصدفة أوائل الستينيات من القرن الماضي، بديلًا عن ممثل، في عمل غير كوميدي، إلا أن إطلالته الأولى استطاعت أن تلفت نظر مسرحيّ كبير وصاحب تجربة واسعة في التعامل مع الممثلين والدارسين، مثل زكي طليمات؛ الذي كانت دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل – وزارة الشؤون الاجتماعية لاحقا- قد انتدبته لتدريب الموهوبين فيها.

كان المجتمع الكويتي يشهد تحولًا اقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، يهز الأسس التي اعتاد عليها، كمجتمع بحري تقليدي.

وقع اختيار طليمات على عبد الرضا كأحد النجوم الذين سيقدم من خلالهم أعماله التدريبية التي كانت بالفصحى أول الأمر، وفي مقدمتها مسرحية «صقر قريش». لكن تميزه الحقيقيّ بدأ يتصاعد بعد ذلك بسرعة هائلة في الأعمال المسرحية التي عالجت، بلغة محلية، قضايا مجتمعه، الذي كان يشهد تحولًا اقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، يهز الأسس التي اعتاد عليها طويلًا، كمجتمع بحري تقليدي تحكم علاقاته تقاليد راسخة. وكانت مسرحية«استارثوني وأنا حيّ» (إنتاج عام 1963) أول هذه الأعمال.

كان في هذا العمل، وما جاء بعده من أعمال خلال السنوات التالية، تنافس إيجابي لا يخفى على الملاحظ، بين ثلاثة ممثلين، ممن تدربوا مع طليمات، وشكلوا ظاهرة متعاونة ومشتركة: سعد الفرَج وخالد النفيسي وعبد الحسين عبد الرضا. وبالرغم من القدرات الأدائية الهائلة للممثلين الثلاثة، ومن الإعجاب الذي كانوا يحظون به، حين يجتمعون في عمل، ومن طاقاتهم الكوميدية – وغير الكوميدية أيضا- إلا أن شخصياتهم أخذت تتمايز وتستقلّ شيئًا فشيئًا.

ومع أن مسرحية «اغنم زمانك» (1964) أبرزت هذا التمايز لدى عبد الرضا، إلا أن اللحظة الفاصلة فيه جاءت مع مسرحية «الكويت سنة 2000» (إنتاج 1966) التي تعدّ علامة فارقة في تاريخ المسرح الكويتي كله، من ناحية فنية، ومن ناحية المقولة الناقدة التي حملتها حول سرعة الانسلاخ عن الماضي، وسلبيات التحولات الجديدة، وضرورة مواجهتها بشكل مدروس. وهي المقولة التي صارت ثيمة متكررة وأساسية في أدبيات المسرح الكويتي في فتراته الذهبية.

هذه المسرحية، التي ما زالت تثير كثيرًا من التساؤلات، طرحت بحدّة سؤال المستقبل على الكويت، التي كانت آنذاك، منشغلة بالثروة النفطية الطارئة، وتسرع في اتجاه الاعتماد عليها مصدرًا وحيدًا للحياة، متخلية عن كل ما عاشت عليه من قبل: البحر والزراعة. لقد طرحت المسرحية السؤال المستمر: «ما الذي سيحدث حين ينضب النفط؟»، وفعلت ذلك بحسّ كوميدي مبالغ فيه، كما تقتضي الكوميديا الجادة.

الثلاثي المهم في الحركة المسرحية الكويتية (عبد الرضا، والنفيسي، والفرَج؛ وهو مؤلف المسرحية) حملوا معًا مسؤولية نجاحها الفني والجماهيري، الذي كان مدويًّا في حينه، لدرجة أن عرضها استعيد بعد سنوات طويلة، مع بعض التعديل. لكن عبد الحسين أظهر موهبته الشخصية التي ستستمر بعد ذلك، بشكل لم يكن خافيًا على زملائه. كان المرحوم خالد النفيسي ـ مثلًا ـ يحظى بشعبية واسعة جدًّا، في ذلك الحين، وفي جلسة حوار داخل المسرح، حول عمل مشترك، امتدح أحد الحضور النفيسي، وأشار إلى تميزه، فردّ بكلمة أكبرها الحاضرون منه، وشكلت شهادة لا تنسى في زميله: عبد الحسين هو أخطر ممثل بيننا، وهو الذي يساعدنا جميعًا حتى نتطلع إلى مجاراته في الإبداع.

هذا الرأي أخذ يتضح في عيون الجمهور، تدريجيًّا، مع توالي المسرحيات المشتركة، ومع مشاركة نجوم جدد في العروض المسرحية؛ فمنذ مسرحية «حط حيلهم بينهم» (1968)، التي لم يشارك فيها الفرَج، أخذ عبد الرضا يحمل الجزء الأكبر من عبء العمل الذي يشارك فيه، وشكل مع النفيسي ثنائيًّا جميلًا، ومتعاونًا، أضيف إليه المرحوم غانم الصالح، أحد أبرز الممثلين في الكويت بعد ذلك. وبعد عام واحد من هذا العمل، كادت الكوميديا الراقية والناجحة والهادفة والخالية من أي ابتذال، تصبح من اختصاص عبد الرضا.

عمِل عبدالرضا والفرَج معا في مسرحية «الليلة يصل محقان»، في حين غاب النفيسي غيبة طويلة، استمرت في عدة أعمال لاحقة، حتى عاد بقوته مشاركًا الفرَج في مسرحية «حرم سعادة الوزير»، التي غاب عنها عبد الرضا، وكان قد شقّ طريقًا آخر، بعد أن استقلّ جميع هؤلاء النجوم عن فرقة المسرح العربي التي شاركوا في تأسيسها.

علاقة جادة
قد لا يُعرف عن عبد الرضا أنه كان قارئًا نهمًا، لكنه كان حريصًا على الاحتكاك بالمسرحيين حيث يستطيع، ويجد طريقة لتنمية الذات من خلال هذا الاحتكاك، خصوصًا أنه كان مستمعًا جيدًا لما يقال في نقد أعماله وأعمال غيره. كما أنه كان مشاهدًا جيدًا أيضا، ويتمتع بعقلية منفتحة، ترغب في المعرفة، وتسعى أن تفهم النقد، حتى تطور نفسها. كان يقرأ ما يكتب عن أعماله، ويناقش من يكتبون، بجدية تامة، حين يشعر بجديتهم، ولا يوفر سخريته ممن لا يفهمون ما يكتبون عنه، ويتخذون من الكتابة سبيلًا إلى أمور أخرى.

كان حرصه على تنمية ذاته واضحًا لكل من يعرفه، انطلاقًا من إيمانه بأن كل شيء إذا لم يتحرك إلى الأمام، فإنه يجمد، ويسبب الملل؛ الذي يعدّ مقتلًا للممثل الكوميدي. إن إيمانه بالكوميديا، كوسيلة نقد وتغيير، ظلّ دافعه إلى تطوير نفسه.

الأعراض التي انتقدها عبد الرضا تتعلق بالطفرة المالية، أو الثروة المفاجئة، التي لم يرافقها تطور اجتماعي أو وعي سياسي.

ولم تكن أعماله المسرحية متهافتة، وتعوّد أن ينحو إلى ذلك منذ بدأ. لم يمِل إلى التهريج بقصدية مسبقة، كما يفعل بعض ممثلي الكوميديا السائدة، ولم يكن الضحك هدفا وحيدًا في أعماله، حتى وإن أراده، بل كان ذلك يأتي من خلال هدف تتمّ معالجته بهذا الحس، القريب إلى قلوب الناس. أعماله المسرحية تحمل أهدافًا اجتماعية أو سياسية، وتنطوي على دعوة ما. معظم الأعراض الاجتماعية والسياسية التي انتقدها تتعلق بالطفرة المالية، أو الثروة المفاجئة، التي لم يرافقها تطور اجتماعي أو وعي سياسي. وكان نقده سلوك المجتمع، الذي يتنافى مع التقدم، يتحوّل في كثير من الحالات إلى صرخة حادة وصادقة.

أستعيد في ذهني دائما موقفًا ناقدًا في مسرحية من تأليفه؛ «ضحية بيت العزّ» (1976)، التي تتحدث عن العلاقات الإنسانية والحب والزواج، ومن ذلك شروط النسب العائلي. جاء على لسان الأم في منزل الثروة الطارئة ما يمكن أن يشكل فضيحة اجتماعية. تقول الأم لابنتها: يمكنك أن تحبي الشاب كما تريدين، أما أن تتزوجيه، فلا! كان في ذلك كشف لسلوك فرضته الثروة، يهتم بما يظهر للناس، ويغفر ما خفي عنهم. لقد شعرت أثناء العرض أن عبد الرضا يغرز سكينًا في صدر هذا السلوك الزائف في المجتمع.

لكن، ما كان متوفرًا من كتابات مسرحية، أو تصلح أن تصاغ مسرحيا، لم يكن يكفي الطموحات التي لا تفوّت عامًا دون عرض جديد، وكان عبد الرضا يشعر بأن المسرح بحاجة إلى التنويع، حتى لا يقع في الجمود. كنت أسمعه يتساءل حول بعض الكتابات المسرحية، المصرية عمومًا، ولم يتردد في اللجوء إلى الإعداد من هذه الكتابات.

كما لجأ إلى الاستعانة بممثلين جدد، وبآخرين من خارج الكويت. وكانت مسرحية «عالم نساء ورجل» (1972) التي أعدّها عن الكاتب المصري أنور عبد الله، واستعان في الدور النسائي الأول بالممثلة المصرية نوال أبو الفتوح، من أبرز الأمثلة على هذا التوجه.

لكنه وقع في بعض التجاوزات في هذا الإطار، إذ كان يقبل أن يُنسب التأليف إلى من أعدّ العمل إذا شعَر أن الإعداد كان جذريًّا. المرحوم عبد الأمير التركي، مثلا، الذي تعاون معه عبد الرضا في عدد من أعماله، عدَّ نفسه كاتبًا لمسرحية «وأيضا هالو دوللي» (1974)، المقتبسة من «هالو دوللي» الأمريكية الشهيرة. شاركت، في هذه المسرحية، الممثلة المصرية شويكار، وأخرجها المخرج المصري المرحوم حسن عبد السلام، وكانت عملًا راقيًا، وحققت نجاحًا محليًّا، كان يفترض أن يتحقق مثله في الوطن العربي، لكنها لم تصل إليه، ربما لأنها لم تسوق جيدًا، كما حدث مع «باي باي لندن»؛ أشهر مسرحياته على الإطلاق.

أما مسرحية «عزوبي السالمية» (1979)؛ المستوحاة بشكل واضح من مسرحية الكاتب توفيق الحكيم «رصاصة في القلب»، فقد كُتب أنها من تأليف عبد الرضا نفسه.

من بين 33 مسرحية قدمها عبد الحسين عبد الرضا منذ عام 1961 حتى 2004، شاهدت 30 عملا، كان آخرها «سيف العرب» (1992). لم يتغير عبد الرضا في توجهه الفني قط، لم تنحرف له فكرة، ولا مال ـ بقصدية مسبقة ـ إلى ابتزاز الجمهور، بحركات خارجة عن النص أو عن المقبول، طمعًا في رضاه.

ولم ينسَقْ قط مع كثير من الهبوط الذي شاب العروض الكوميدية العربية في كل مكان، بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي. بل ازداد نضجًا، مع سنوات التجربة، وازداد قدرة على التواصل مع الصالة، من خلال أدائه لدوره، الذي ظل يحرص على أن يمسّ قضايا يستطيع المتلقي أن يشعر بها داخل مجتمعه.

عرفت عبد الرضا منذ بدأ مسيرته الفنية، والتقيته عدة مرات بعد حرب الخليج، في مهرجانات مسرحية عربية، ولم أشعر قط بأن تغيرا طرأ عليه، أو أن النجومية غيّرت من بساطته أو حميميته.

كان عبد الرضا رجل مسرح، يحبّ أن يقف أمام الناس، وأن يتفاعل معهم. حتى في حياته اليومية كان مسرحيًّا صادقًا؛ ممتعًا في الحديث، راقيًا في السلوك، يعرف قدر نفسه، وقدر الآخرين. ورغم نجاح العديد من أعماله التليفزيونية، وفي مقدمتها مسلسل «درب الزلق»، إلا أن الحديث عنه يكون لائقًا به، وأكثر دقة، عند النظر إليه بوصفه رجل مسرح.