رأي

عن السخرية البلاغيّة وصناعة الثقافة

الثلاثاء 16 شباط 2016
comedy

في المجتمع المغشوش، حلّ الضحك بوصفه مرضًا مكان السعادة ساحبًا إيّاها إلى شقاء كامل.
-«جدل التنوير»، ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو

عندما طلبت محلّات Wanamaker’s الأميركيّة من أوّل كاتب إعلانات متفرّغ، وهو جون إيموري باورز (1837- 1919)، كتابة إعلان يخلّصهم من قماش غوساميرس الذي «تعفّن في مستودعاتهم»، كتب: «لدينا قماش غوساميرس متعفّن ونريد التخلّص منه». قبل ظهر اليوم التالي، بيعت جميع كميّات الأقمشة.

في ذلك الوقت، تمّت أسطرة الرجل بأنّه لا يكتب جملة عن بضاعة إلا إذا اقتنع بجودتها، مزاوجًا بذلك بين مهنته كمروّج للبضاعة وبين هويّته المجتمعيّة الجديدة كمستهلك. بينما تقمّص باورز شخصيّة بائع بسطة ينادي على بضاعته بعبارات تحمل صدقًا مهنيًّا ساخرًا ليحصل على ربحها، تبدو المسافة بين ترويجه واستهلاكه قريبة جدًّا إلى الحد الذي لا يمكن الفصل بينهما. فنحن نشاهد استعراضًا يكافئنا على استهلاكنا، موهمًا إيّانا بانجلاء الطبقات التي تحدّد القدرة الشرائيّة، حاملًا، في نفس الوقت، تهديدًا ناعمًا بالتغريب عن المجتمع القادر على تلقّي وتقدير هذه المفارقة.

منذ ذلك الوقت، تسرّبت هذه البلاغة الدعائيّة إلى كل شيء. فالموسيقى الرّائجة تحولّت إلى ما يشبه إعلانًا للقوالب التي يجب على المشاعر المعاصرة أن تترنّح داخلها، ووقعت محطّات الراديو والصّحف ومواقع الإنترنت في ورطة الخلط بين المعرفة وبين الترفيه.

وحدها الفنون التشكيليّة قادت هذه البلاغة إلى المستقبل من دون أن تنظر وراءها. إذ استطاعت الفنون المعاصرة التخلّي عن محتويات وأشكال لمعانها لتصبح بحقّ أيقونة التغريب المزيّف وضحيّته الأولى. هذا التخلّي المستمر عن التأثير في الفنون والتشويش على المحتوى بالشّكل، وعلى الشّكل بالمحتوى يؤدّي إلى اعتبار هذه العمليّة المشوّهة ذاتها فنًّا.

بالخفّة ذاتها، قد يسعى فنّان لإقامة تجهيز فنّي لعربة ذرة على دوّار باريس بجبل اللويبدة، التي يتم تطهيرها طبقيًّا، محاكاة للأحياء الشعبيّة. هذه رسالة ساخرة يمكن تلقّيها بتهكّم على العمل، وعلى الشّكل ومحتواه، وما يرمي إليه، وأولئك الذين سيفزعون لرؤية العربة تخرّب أماكنهم الأثيرة، ويتحوّل هذا المقال أيضًا إلى جزء من العمل الفنّي. مثيرةً بذلك نوعًا من السخرية البلاغيّة الآمنة تحمي متلقّيها من معاينة المشكلة الحقيقيّة. كأن ما نخاف منه تحقّق بأيدينا بأقل الخسائر الممكنة. بينما تثير رؤية عربة ذرة حقيقيّة على نفس الدوّار سخرية حادّة وجافّة لا تملك من يحميها أو يدافع عنها.

ربّما تكمن مشكلة السخرية البلاغيّة في هذه المفارقة- وفي هذه الجملة على حد سواء. فقد يبدو التنظير الأخلاقي، باتّهامه لصناعة السخرية على أنّها، في أدنى مشاكلها، تهرّب كسول من الواقع وإنتاج نسخة رديئة منه، مرتبطًا بالنزعة المحافظة المعادية للتجديد، بينما تأسّست السخرية على مبادئ مضادّة تمامًا. فبينما يُهاجَم هذا التنظير على تعلّقه بالماضي الجامد وتلميحاته المغرقة في الرومانسيّة واستعادة زمن لم يعد موجودًا، ولم يكن على الأغلب موجودًا، تلمع السخرية بخفّة مفارقاتها المستمدّة، غالبًا، من ذكاء الحياة اليوميّة في الشّارع.

في البداية، كانت السخرية توازي التجديف وتستحق القتل. فرغم غموض التحقيق في الجهة التي اغتالت ناجي العلي، إلّا أنّه ثمّة شعبيّة جارفة في تصديق أنه اغتيل ردًّا على مهاجمته فساد رموز منظمّة التحرير الفلسطينيّة. كانت السخرية مجازفة لأنّها كانت أداة ثوريّة مضادّة للتيّارات المهيمنة قبل أن تصبح صناعة ترفيهيّة تقوم على أساسها مؤسّسات بموظّفين تتمحور مهمّتهم حول إنتاج محتوى إبداعيّ ساخر.

السخرية محلّيًا

محليًّا، وللمفارقة، ارتبطت معظم محاولات تأسيس موجة النّقد الساخر بجريدة الرأي المحافظة والرسميّة. فمنذ زاوية مؤنس الرزّاز «ضوء» وكاريكاتير عماد حجّاج، خرّجت الجريدة العشرات من الكتّاب الذين امتهنوا الكتابة السّاخرة. وبينما أفلت حجّاج من محدوديّة الانتشار والتأثير الجماهيري، بقيت مقالات الرزّاز في البداية، ومقالات محمد طمليه في العرب اليوم، ومن ثم عبد الهادي راجي المجالي وأحمد حسن الزّعبي في الرأي وغيرها، تحت هيمنة التحكّم في النبرة والعقاب بمنع النّشر. أدّت أدوات التحكّم هذه إلى نشر مقالات تحتفي بالمفارقات البلاغيّة التي قد تؤشّر من بعيد على مشكلات مجتمعيّة واقتصاديّة وسياسيّة، لكنّها لا تقترح بديلًا أو تشير، بشجاعة مطلقة، إلى الخلل. لذلك، نشأت هذه الكتابة السّاخرة المحليّة لتنفّس لا لتغضب. ولذلك أيضًا، وباستخدام هذه الأدوات المهيمنة، ظهرت آديولوجيّات عنصريّة مثّلها المجالي وآخرون في نفس الموجة.

وإذا نظرنا إلى نموذج لبدايات هذه الموجة من مقال لمحمّد طمّليه، ربّما نستطيع القبض على أصول السخرية البلاغيّة: «مئة عام من العزلة: هذا عنوان لواحدة من أهمّ روايات «ماركيز». وسوف يتضح بعد قليل أن «ماركيز» أردني، وأنه من «محافظة المفرق»، وأنه شرب ماء من «حنفية البلدية»، فأصابه مغص… مثل حوالي ألف من مواطنيه».

كانت السخرية مجازفة لأنّها كانت أداة ثوريّة مضادّة للتيّارات المهيمنة قبل أن تصبح صناعة ترفيهيّة تقوم على أساسها مؤسّسات بموظّفين تتمحور مهمّتهم حول إنتاج محتوى إبداعيّ ساخر.

ربّما هنا بدأت المشكلة التي تجلّت لاحقًا في شركات قائمة على الرّبح مثل «خرابيش» التي تبثّ محتواها بالصور المتحرّكة والفيديو الدرامي والقائم على الستاند- أب كوميدي، ومواقع إلكترونيّة مثل «الحدود» التي يمكن اعتبارها النّسخة العربيّة لموقع The Onion. تسعى «خرابيش» لخطف التعليقات اليوميّة الشعبيّة وتعيد بثّها بضراوة عند التقاطها لأحداث عامة مثل غرق شوارع عمّان في نهايات 2015 أو حادثة النائبين يحيى السعود وهند الفايز الذي أنتجت خرابيش فيديو بالمناسبة لا يتجاوز 27 ثانية، ليشاهده أكثر من 400 ألف مشاهد على اليوتيوب. بينما تنشر «الحدود» مقالات ساخرة تحمل نزعة تذمّر على المواقف السياسيّة بشكل أساسي، لكن بحدّة تسقط أمامها أشكال التضامن التقليديّة خاصّة بما يتعلّق بالأحداث المأساوية الجارية. فأثناء العدوان الإسرائيلي على غزّة العام 2014، نشرت «الحدود» مقالًا بعنوان «إسرائيل تقصف المعبر الواقع بين غزّة والجنّة».

وبينما يغرق محتوى «خرابيش» في الشعبويّة التي تحوّل كل حدث إلى نكتة عابرة، ثمّة ذكاء، بالتأكيد، باختيار عناوين «الحدود» بدايةً، وثم المواضيع. لكنّه ذكاء بلاغي قد يكون نخبويًّا يمكن أن يتّفق عليه الناشطون السياسيّون ودوائرهم، وشباب الأحزاب اليساريّة، مقدّمًا ما يشبه بديلًا عن الزّخم الشعبي، وهو مهمّتهم في النهاية. تستمد مقالات «الحدود» قيمتها من أنّها تكافئ ذكاءً لامعًا مضادًّا للفتور الرّسمي والمعرفة التقليديّة المثيرة للسخريّة أساسًا. لكنّها أيضًا تتّخذ موقفًا قد يعتبر جذريًّا ضد الثقافة التقليديّة وبلاغتها اللغوية. وهنا مقتل «الحدود»، فالاحتفاء بالبلاغة ينبع أصلًا من تقديس اللغة باعتبارها لغة القرآن، وباعتبار من يكتب شبه نبي، لكن الموقع لم يخرج عن هذا التقديس وسخّر البلاغة نفسها في إعادة إنتاج واقع فوق بشريّ، ملتزمًا بالتقليد اللغوي ذاته.

نعيش، في النهاية، في عصر ما فوق بشريّ اختلطت فيه المعرفة بالترفيه منذ زمن بعيد ولم يعد مجرّد التشكّي مفيدًا. لكن الحلول المشوّهة في ظل جو الإحباط هذا وقصور النماذج الثوريّة الغارقة في مثاليّتها تنتج آليّات تحمي هذا العصر ذاته، حيث المراقبة بديلةً من المشاركة، والتعقيب بديلًا عن الفعل، والسخرية بديلةً عن الخدعة التي سمّيناها الحياة اليوميّة.

السخرية في العالم الافتراضي

في لقاء أقامته «حبر» يثير كارل شرّو صاحب شخصيّة KarlreMarks الساخرة الشهيرة على الإنترنت نقطة مهمّة، قائلًا إن «السخرية تهاجم أساليب تفكير وأنظمة فكريّة بطريقة مغايرة، لكن لا يمكنها أبدًا استبدال النقاش السياسي الجاد».

قد يكون شرّو النموذج الأوضح للشخصيات التي تبدو وكأنّها تورّطت في هذه الموجة من دون أن ترغب في ذلك. فالتناقض الذي يثيره الفرق بين شخصيّته التهكّمية على الإنترنت وبين ظهوره الجدّي في الواقع يقع تمامًا في نفس مشكلة جون إيموري باورز. إذ يُفرض علينا أن نكون معارضين للاستهلاك السّهل بينما نحن لسنا كذلك، أن نقف ضد الكسل الذهني بينما ننتجه يوميًّا، وأن ندعو لإقامة نقاش سياسي جاد بينما نترك هذا الدّور للآخرين الذين لا نعلم عن وجودهم.

ومثلما نشأت موجة الكتابة السّاخرة التي ضمّت توجهّات متعاطفة مع الشّارع وأخرى عنصريّة مرتبطة بالنظام الرّسمي، ظهرت موجات صفحات الفيسبوك التي تستعمل المصطلحات الشعبيّة كمادة للسخرية من المواقف اليوميّة. بدأت هذه الموجة من خلال المئات من الصفحات المصريّة التي تلتقط فنون الفوتوشوب الشعبيّة في تحويل الصور الشخصيّة إلى صناعة مزركشة تحتفي بالبيئة الشعبيّة أبرزها «مجتمع مصر السّاخر» و«فن معاصر». إذ يمكن ببحث بسيط على جوجل أن نشاهد موجة سخرية على عبارة «عشانك يا سارة» التي كتبها على الأرجح شاب لصديقته على صورته. وبشكل أقل «إبداعًا»، ظهرت صفحة «بالأردني» التي تستخدم نفس المصطلحات الشعبيّة بلهجة يتم الترويج لها على أنّها همجيّة وغير متحضّرة بألوان لا يمكن أن تجتمع معًا في مشهد واحد. هذا الدور نفسه الذي يلعبه كوميديّو «خرابيش». إذ استقطبت المؤسّسة، بذكاء، شخصيّات محسوبة على الطبقة الشعبيّة من داخل وخارج عمّان، مستعيدةً بذلك تاريخًا انتهازيًّا من ترويج «الحماقة» الريفيّة على أساس أنّها تهريج: أحمق القرية الذي يحميه حمقه من عواقب قول الحقيقة. وهو أمر يمكننا، ببعض المبالغة، ربطه بالنظرة الدونيّة للأقليّات عبر التاريخ. وليس ثمّة نموذج أوضح من شخصيّات اسكتشات «صد رد». ذلك انسحب أيضًا على شخصيّات تلمع حاليًّا في وسائل التواصل الاجتماعيّ مثل «عمر زوربا» الذي تعرّض للملاحقة القانونيّة بعد أن خرج عن دوره المصمّم له.

لكن هل يضعنا هذا الاستنتاج في موقف معارض للسخرية بالمطلق؟ فما هو الحل الذي ينقذنا من ذلك التجهّم والجديّة المبالغ بها؟ تلك الجدية التي وقع فيها جاك دريدا نفسه عندما تم سؤاله عن علاقة السخرية في المسلسل الكوميدي «ساينفيلد» الذي يمكن تأويل مفارقاته فلسفيًّا، بنظريّة التفكيكيّة التي قامت بالأساس على هذه المفارقات بمحاولة كشف اللايقين في التراث الفكري التقليدي، فقال عندها: «التفكيكيّة كما أفهمها لا تنتج أي برامج كوميديّة (..) أنصح من يشاهد هذه البرامج أن يتوقّف عن ذلك ويقرأ». أو هل يضعنا في موقف يحمل نزعة استسلاميّة أعلنه ميلان كونديرا في روايته الأخيرة «حفلة التفاهة»؟:

«أدركنا منذ زمن طويل أنّه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن ثمّة سوى مقاومة وحيدة ممكن: ألّا نأخذه على محمل الجد».

قد يكمن الحل في العودة إلى مناقشة صناعة الثقافة على أساس أنّها مكافأة للمتاعب اليوميّة التي تورّط فيها المواطن المعاصر، بموازاة إعادة توجيه السخرية إلى من يصنعها فعلًا: السياسيّون الذين يهيمنون باللغة على التاريخ، والثقافة ذاتها التي تنتج نماذج مشوّهة.

تختبئ السخرية البلاغيّة في الحق بالتمرّد، لكنّها تقع في ألفته كما وقعت شخصيّة الثوري الدونكيخوتيّة في ألفة التيشيرتات. فالشخصيّة المعاصرة لا تعني إلّا تخليق مواقف ساخرة عن بؤس العالم. السخرية التي ينتجها موظّفون في مكاتب مفتوحة يعملون ثمان ساعات يوميًّا تفبرك البؤس كما تفبرك السّعادة. وإذا ما أردنا مواجهة العالم القاسي، ربّما علينا إعدام الفراشات المعدنيّة التي نطلقها تجاه الآخرين بقصد التواصل.

 * الصورة أعلاه من موقع شترستوك.