أحمد بوزفور: الجمال في الأدب كالجمال في الطبيعة، حرٌّ ومتاحٌ للجميع

أحمد بوزفور: الجمال في الأدب كالجمال في الطبيعة، حرٌّ ومتاحٌ للجميع

الإثنين 01 تشرين الأول 2018

( تنشر حبر وبالتعاون مع جريدة أخبار الأدب المصرية، مجموعة من المقابلات التي أجراها القاص هشام البستاني مع باقة من كتّاب القصة القصيرة في العالم العربي. الحوار الأول، الحوار الثاني)

عرفت أحمد بوزفور من خلال نصوص قليلة جدًّا منشورة له في الإنترنت، وجائزة مغربيّة مستقلّة للقصّة القصيرة مُسمّاة على اسمه، واحتفاء كبير به وبمنجزه القصصيّ من قبل قصّاصين مغاربة من جيلي، وتأثيره الكبير عليهم. طويلًا، لسنوات، بحثت عن كتبه في المكتبات، والمعارض، وبسطات الكتب المستعملة. لا شيء. الباحث عن أحمد بوزفور وكتاباته العجائبيّة، خارج المغرب، كالباحث عن السّراب، يراه هناك، يعرف أنّه هناك، لكنّ ذلك الشيء الذي هناك يظلّ يتحرّك، محافظًا على المسافة ذاتها بينك وبينه طوال وقت الحركة، ووقت السّكون. هذا الوصف لبحثي الدّائب عن كتب أحمد بوزفور، والذي انتهى بأن أرسل لي هو بنفسه كتبه بنسخة إلكترونيّة، أجده مناسبًا أيضًا لوصف كتابته، المتغيّرة، المتحوّلة، التي لا تأخذ شكلًا واحدًا، بل تتّخذ لنفسها هيئات عدّة: تشكيلٌ سحابيّ من الكلمات، أو عجينة طينيّة من الجُمل، تدعو متلقّيها للتبصّر فيها، أو وضع أصابعه داخلها، لاستنطاق معانيها الكامنة، المحتملة، «المجهولة» دائمًا، كما سيعلمنا القاصّ الأستاذ في إحدى إجاباته أدناه.

يعتبر أحمد بوزفور من أبرز رواد القصة القصيرة الحديثة في المغرب، وأبرز مجدّديها، ومجدّدي القصّة العربيّة القصيرة عمومًا. ولد عام 1945 بـ«قبيلة البرانس» القريبة من مدينة تازة الواقعة في شمالي شرق المغرب. تعلّم أولًا في الكتاتيب القرآنية، ثم التحق بالقرويّين بمدينة فاس، التي تابع فيها دراسته الابتدائيّة والثانويّة، وحصل بعدها على درجات جامعيّة عالية في الأدب العربي، ودرّسه في عدّة جامعات مغربيّة. بدأ الكتابة منذ نهاية ستّينيّات القرن الماضي، ونشر أولى قصصه في الصّحف أوائل سبعينيّاته، أما أولى مجموعاته القصصيّة فظهرت عام 1983 بعنوان: «النظر في الوجه العزيز»، ليُصدر بعدها «الغابر الظّاهر» (1987)، «صيّاد النّعام» (1993)، «ققنس» (2002)، ثمّ «قالت نملة»، المضمومة وكتبه الأربعة التي سبقتها في الطّبعة الثّانية من أعماله القصصيّة «ديوان السّندباد» (2010)، ليُصدر بعدها: «نافذة على الدّاخل» (2013).

هشام البستاني: نبدأ، طبعًا، من البداية. أحمد بوزفور قاصٌّ معروف ومؤثّر في المغرب، لكنّه خارج تلك المنطقة من العالم النّاطق بالعربيّة، قلّة من النّاس يعرفون عنه وعن منجزه الأدبيّ، لذا وجب التّعريف: من هو أحمد بوزفور اليوم، من كان بالأمس، كيف بدأ الكتابة، وكيف وصل إلى الشّكل الغرائبيّ العجائبيّ الذي يكتب فيه؟

أحمد بوزفور: أنا كاتب مغربي. ولدتُ سنة 1945. أنهيت دراستي الجامعية سنة 1970. عملت بعدها أستاذًا للّغة والأدب العربيّين. نشرتُ أول قصة لي سنة 1971. وكنت قبلها، ومنذ أوائل الستينيّات، قد كتبت نصوصًا كثيرة لم أرض عنها فمزّقتها. حين بدأت النّشر كانت السّاحة الأدبيّة المغربيّة منقسمة إلى تيارين كبيرين: تيار تقليديّ يخضع في السّياسة لأوامر الدّولة (نسميها في المغرب: المخزن)، ويخضع في طرق التّعبير للأساليب العربيّة البلاغيّة القديمة؛ وتيار حداثيّ متمرد تتجاذبه الرومانسيّات الثوريّة المختلفة. يكتب بالفرنسيّة والعربيّة. ويخضع في السّياسة والتعبير معًا للأيديولوجيّات اليساريّة وعلى رأسها الماركسيّة.

أغلب كتّاب جيلي -وأنا منهم- كانوا ينتمون إلى التيّار الثّاني، ولكن كتّابًا من هذا التّيار -وأنا منهم- ضاقوا ذرعًا بدوغمائيّة النّقد الواقعيّ الاشتراكيّ وثاروا عليه. تحملوا الاتّهامات العشوائية بالبورجوازية، وكتبوا خارج التّعليمات البليخانوفيّة. وكما كانوا يثورون في السّياسة على دهاقنة التيّار الأول، ثاروا في الأدب على دهاقنة التيّار الثّاني، وكتبوا نصوصًا حرّة أخذت شيئًا فشيئًا تجذب الكتّاب الشّباب، وتتّخذ لها موضعًا في السّاحة الأدبيّة.

بالنّسبة لي، كانت العجائبيّة مساحة حرّة دون اتّجاه ودون بوصلة ودون معلّمين، وساعدتني على تغيير نفسي بدل تغيير العالم، وعلى استبطان ذاتي بدل تصوير المجتمع، وعلى استهداف الجمال بدل استهداف الخير الذي يسعى إليه التيّار الأول، أو الحقّ الذي يسعى إليه التّيار الثاني.

انطلاقًا من السّؤال السّابق، يبدو لي أن السّبب الذي يجعل قطاعًا كبيرًا من القرّاء العرب يجهلون مساهماتك الأدبيّة أمران: النقد الأدبي الكسول والمستقيل من دوره (وهذا سيكون موضوع سؤالي التالي)، والنشر، موضوع سؤالي هذا. كتبك لم تُنشر في القاهرة أو بيروت أو عمّان، وهو ما ساهم -برأيي، وباستثناء قلّة نوعيّة من المهتمّين- بأن لا يعرف عنك الكتّاب والقراء في المشرق؛ والواضح أنّك متقشّف أو زاهد بالسعي لأن تُنشر خارج المغرب. هل هذا خيار؟ وهل أنت غير معنيّ بمتابعة وصول ما تكتب إلى جمهور أوسع من القرّاء، حسبك أن تكتب وكفى، أما ما يلي ذلك فهو فائض ومُتكلّف؟

أنا زاهدٌ في النّشر فعلًا، ليس خارج المغرب فقط، بل داخل المغرب أيضًا. وأغلب ما نشرته داخل المغرب حتى الآن كان بطلب من أصدقائي وبدعم منهم. لا يهمّني كثيرًا أن يعرفني الناس كاتبًا، أو أن تنتشر كتبي داخل المغرب أو خارجه. وأنا أحسد كثيرًا أصحاب النّصوص المجهولة. النّصوص الجميلة الرائعة التي نجدها مثلًا في الأدب الشعبيّ: حكايات وأغانيَ وأمثالًا، حكايات ألف ليلة، جلجامش، إلخ. ليس للجمال صاحب. الجمال في الأدب كالجمال في الطبيعة: حرٌّ ومتاحٌ للجميع. ولا ضرورة لتسويقه. إذا كان جميلًا وممتعًا، سيصل إليه العشّاق حتمًا يومًا ما.

ولكي أكون دقيقًا في الجواب عن سؤالك، فزهدي ليس خيارًا في الكتابة أكثر مما هو مزاج. لست كاتبًا محترفًا. أنا في الحقيقة قارئ. مدمن قراءة للنّصوص الجميلة (من كل الأزمنة والأمكنة والثّقافات). وبين الحين والحين، أحسّ بميلٍ إلى كتابة قصة، فأكتبها وأستمتع بمراجعتها وتنقيحها أو بهدمها وإعادة بنائها، وأقرأ ما كتبت على أصدقائي، فإذا أعجبهم وطلبوه للنّشر أدفعه لهم، وإلا بقي في أدراجي. نقطة. انتهى.

جانب آخر من الموضوع هو بؤس النّقد، سابقًا وحاليًّا. كان النقد -في أغلبه، وما يزال- تابعًا للسّلطة، وغالبًا ما يُحتفى بالكتّاب القريبين منها، أو أؤلئك الّذين عبّروا عن دعاياتها ونشروا أوهامها (بالتقدّم والتحرير والوحدة والأمل، سابقًا؛ وبالهويّات المحليّة، وما يستجدّ على أجندات الأنظمة، مثل «محاربة الإرهاب» و«مناهضة الفوضى» حاليًّا). زد على ذلك اليوم أن بعض النقد يركض خلف خيارات الجوائز، مادحًا مُعظّمًا مُبجّلًا، آملًا أن يحظى بطرف من الأموال، والنجوميّة، وأن يُختار ضمن هيئات التحكيم. سيكون سؤالًا مُبتذلًا أن أسألك إن أنصفك النقد، لكني سأسأل عن علاقتك بالنقد أو علاقة النقد بك، وكيف كنت تراه في الستينيّات والسبعينيّات، وكيف هو اليوم، وما تأثير غيابه؟

الإنصاف؟ أنا لا أبحث عنه. لست مظلومًا. يكفي أن يقرأني قارئ واحد ويستمتع لأحسّ بالسعادة. وحتى إذا لم يوجد هذا القارئ يكفي أن أقرأ أنا ما كتبت. ومع ذلك فقد قرأني كثيرون في المغرب. وبعضهم أحبّوا نصوصي، أو بعضها على الأقلّ. وكتب عنّي كثيرون في المغرب. استمتعت بما كتبوه وأفدت منه. وإذا كانت لي ملاحظة على النّقد المغربيّ في الستينيّات والسبعينيّات، ثم في الوقت الراهن، فهي أن النقد قديمًا كان يهتمّ بالقيمة الفنيّة للنصّ، وإن خضعت هذه القيمة للأسف لتعاليم النقد الأيديولوجيّ؛ وأن النقد القصصيّ اليوم لا يهتم بالقيمة، فأيّ نصّ عنده مثل أيّ نصّ آخر، لأنه يهتم بالتّحليل والمنهج والمصطلح أكثر مما يهتم بالجمال في النصوص (حضوره أو غيابه).

عام 2004، رفضت جائزة المغرب للكتاب، وهي جائزة حكوميّة تقدّمها وزارة الثقافة، احتجاجًا على الأوضاع السياسية والاقتصاديّة والثقافية، وهو موقف يُحترم، خصوصًا في سياقة علاقة مع السلطة تحاول فيها هذه الأخيرة الهيمنة على الإبداع، وتحويله إلى حالة تشبه التسوّل من جهة، تخضعه، وتلحقه بأدوات تأثيرها الاجتماعيّة من جهة ثانية. اليوم، يمتد نفوذ السّلطة أبعد من ذي قبل، ويمتد معها نفوذ مرتبط بها، هو نفوذ السّوق، ونفوذ الجوائز، كلّها تشتق نمطًا صريحًا او مضمرًا من الرّقابة، وتشتقّ مسارًا ذاتيًّا من التّدجين (للحصول على رضا الجوائز، ونيل الحظوة والنّجوميّة). كيف تنظر إلى علاقة الكاتب مع السّلطة ومشتقّاتها، وهل ثمّة مساحة أخرى -غير مساحة المواجهة- يمكن للإبداع أن يوجد فيها؟

للكتابة في اعتقادي معنى أساسي هو الحرية. حريّة التّعبير عن أيّ شيء وعن كل شيء. وحريّة التّعبير بأيّ شكل وبكلّ شكل. وبهذا المعنى فموقع الكاتب في اعتقادي هو أن يكون ضدّ أي سلطة، وضد كلّ السُّلط. مهمة الكاتب أن يخلق الجديد، ولن يخلقه إذا خضع لسلطة أيًّا كانت. ومهمّته أن يكون الجديدُ الذي يخلقه جميلًا، ولن يكون جميلًا إذا راعى النّماذج والرّقابة أيًّا كانت، والرّقابة الذاتيّة خصوصًا.

هل هناك مساحة أخرى غير المواجهة يمكن للإبداع أن يوجد فيها؟ للأسف لا. لأنّه حتى حين يبدع الكاتب في مساحة أخرى مثل المساحة المتعالية، أو مساحة التّجاهل، أو ما يسمى (الفن للفن)، أو (البرج العاجيّ)، إلخ، فإن ما يبدعه (إذا كان جديدًا وجميلًا) سيخلق تلقائيًّا مواجهة ومواجهين.

كثيرًا ما أُعرّفُ القصّة بأنها عالمٌ من «الإمكانات والاحتمالات»، مستعيرًا ذلك من فيزياء الكمّ؛ هي تحريضٌ مستمرٌّ على السّؤال بدلًا من كونها طريقًا للوصول إلى إجابات. في قصّتك «مدخل عن العطش» شيء قريب من هذه المقاربة، يرد فيها أنّ «القصّة هي البئر، لا الفأس». ما القصّة بالنّسبة لك؟ ما البئر، وما الفأس؟

ما القصّة بالنسبة لي؟ ليتني أعرف. إنّني أبحث عن معناها في كلّ نصّ أكتبه، وأحاول أن أقبض عليها، ولكنّها تتحوّل باستمرار، وتخلق لنفسها معاني جديدة باستمرار. هل هي عالم من الإمكانات والاحتمالات؟ بالتأكيد هي كذلك. ولكن ما هي الإمكانات والاحتمالات؟ مجاهيل.

موقع الكاتب في اعتقادي هو أن يكون ضدّ أي سلطة، وضد كلّ السُّلط. مهمة الكاتب أن يخلق الجديد، ولن يخلقه إذا خضع لسلطة أيًّا كانت.

كل المصطلحات تجرّ وراءها مفاهيمها، إلا القصّة: مفهومها أمامها. وإذا كانت اللّغة هي الفأس التي يحفر بها القصّاصون، فالقصة ليست الفأس قطعًا، بل هي البئر. لكن ليست أيّ بئر (فما في كلّ بئر ماء، وما كلُّ المياه عِذَاب).

استكمالًا لسؤالي السّابق، لا بدّ من التّعريج على العلاقة بين الكاتب وتغيير الواقع، بين الكتابة وعلاقتها بهذا التّغيير، إن كان ثمّة علاقة. الأدب متمهّل، يأخذ وقته ويتأمّل الحدث، يحفر فيه ولا يتوانى عن إعادة إنتاجه والنظر إليه من زوايا مختلفة متعدّدة، ربّما يؤهلّه ذلك للعب دور طويل المدى، نوع من تأسيس منظور أقرب إلى الحكمة منه إلى أي شي آخر. للمقالة السياسيّة، أو الفكريّة دور أكثر مباشرة: نقد الواقع اليوميّ المباشر، تمكين القارئ من أدوات التحليل والوعي النقديّ. هل تتفق معي في هذه «الوظائف» أو المآلات المتعدّدة لأنواع الكتابة؟ أيّ علاقة تجدها بين الكتابة (بأنواعها، الأدبيّة وغير الأدبيّة) وتغيير العالم؟ هل هناك علاقة؟

تغيير الواقع؟ كان هذا يراودنا في السبعينيّات. لكنّنا عرفنا فيما بعد أنّ الكتابة لا تغيّر الواقع، أو لا تغيّره في المدى المنظور على الأقل. ثم إنّها إذا غيّرت لا تغيّر مباشرة، بل تغيّر الأفكار والمشاعر والتوجّهات في الأشخاص الذين قد يغيّرون الواقع، أو يغيّرون من يغيّره. وعرفنا أيضًا أن الكُتَّاب يمكن أن يغيّروا الواقع، ليس بكونهم كتّابًا بل بكونهم مواطنين يعيشون في هذا الواقع ويعانون منه، وينتمون إلى أحزابه ونقاباته، ويشاركون بأشخاصهم وأجسادهم في النّضالات اليوميّة التي يخوضها الناس لتغيير الواقع.

وعلى العموم، فإن الواقع، كما تعرف، رمل يتحرك باستمرار. وهو لا ينتظر الكتابة والكُتَّاب ليتغيّر. وبعد حوالي نصف قرن من ممارسة الكتابة، يبدو لي أنّ الواقع قد تغيّر كثيًرا، وتغيّرنا نحن معه… ليس في الاتجاه الذي كنّا نأمله، ولكنه تغيّر على أي حال. وعزاؤنا أن الحلم الذي كان يراودنا يومئذ لم يفقد بريقه أبدًا، وأن الأمل في تحقيقه، ولو بأيدي الأجيال القادمة، ما يزال كما هو: قويًّا.. ومصرًّا.. ولا يتغيّر.

ربطًا بالسّؤال السابق، واستكمالًا للحديث عن نصّك «مدخل عن العطش»، الذي يبدو من بعيد كمرافعة عن الكتابة ومهمّاتها، نقرأ منه: «ولكنّنا في وسط الحقل الآن، وليس إلا الحركة، ونحو الأمام، وبدون خجل، وبدون خرائط، تبرّر أن نكتب». هل يمكن أن نستنتج من هذه العبارة، السّبب الذي تكتب من أجله؟ وبشكلٍ أكثر مباشرة، ودون مواربة: لماذا تكتب؟ وهل ثمّة جدوى من الكتابة؟

لماذا أكتب؟ لأنّي أحبّ الكتابة، وأستمتع بممارستها.

ما جدوى الكتابة؟ أنا لا أبحث عن الجدوى. الكتابة عندي نوعٌ من الموسيقى. ما جدوى الموسيقى؟ ما جدوى الجمال؟ ما جدوى الجدول؟ دعنا نُضِفْ إلى هذا العالم المليء بالجدوى شيئًا آخر جميلًا.. ولا جدوى منه.

قديمًا كنت حين أُسأل هذا السؤال أبحث عن علة أجيب بها.. «فأفنيتُ علّاتي فكيف أقولُ؟».

يحضر «الشرّ»، واضحًا أو مضمرًا، في العديد من قصصك. هناك خطرٌ يلاحق الشخصيّات، فأل سوء، جريمة. في «الأعرج يتزوّج» يموت الطفل (أو يُقتل)، تطرد أمّه من بيتها، وتنتهي قاتلةً بدورها. في «المؤامرة» يسقط الطفل على سن المنجل وينبقر بطنه إذ يهرب من أشباح يتوهّمها تلاحقه. هذه قصص كتبت نهاية الستّينيّات وخلال السبعينيّات من القرن الماضي، فترة اتّسمت بالهزيمة على كلّ الصعد، فترة شهدت انهيار أحلام ومسلّمات. هل أثّرت عليك تلك الحقبة، وهل هذه آثارها في قصصك؟

الشرّ؟ الموت؟ الألم؟ نعم، أحسّ بذلك. هل أثّرت عليّ الحقبةُ المؤلمة لنهاية الستينيّات؟ نعم، كثيرًا. أحسّ أنّ نهاية الستينيّات هي بداية الانهيار الذي نعاني منه الآن جميعًا، وعلى جميع الأصعدة. والكتابة شديدة الحساسيّة بالجوّ العام، ولا بد أن تعكسه. ليس بالضرورة بكلمات سافرة. قد تفعل ذلك بمناخ النص. بالأثر الشجيّ الذي تخلّفه في نفس القارئ. لكن هذا كلّه ليس إلا سطح الكتابة. الطبقات الأعمق للكتابة أشد قتامة. إنها المنطقة التي لا ينتمي الكاتب فيها إلى شعب أو عرق او طبقة، بل ينتمي إلى الإنسان. ويعاني فيها من الشّرط الوجوديّ للإنسان. المنطقة التي يكون الإنسان فيها هو المجهول. هو الخوف. يكون (الإنسان فيها هو الموت) كما يقول الشعراء. الفرحون يا صديقي لا يكتبون.

كثيرًا ما أقولُ (وأكتبُ) أن القصّة القصيرة هي «شعر السّرد»، وأن العلاقة بين القصة القصيرة والشعر أكبر بكثير، وأعمق، من علاقة القصة بالفن السرديّ الآخر: الرواية. في القصّة تكثيف، ورمز، ومجاز، ومساحة فنيّة لا مجال فيها للزوائد والعثرات، أكثر من ذلك: أقوم أحيانًا بنشر بعض قصصي باعتبارها نصوصًا شعريّة، والعكس. العلاقة بين نصوصك القصصية وبين الشّعر واضحة، وربّما تكون طليعيًّا وسبّاقًا في هذا الاشتغال التخوميّ. بعض قصصك مكتوبة بالكامل على تفعيلة معيّنة على نسق قصيدة التّفعيلة، بعض قصصك الأخرى تتضمّن قصائد داخلها، وبعضها تحمل شحنات شعريّة كبيرة، أو منظورات شعريّة، مثل تلك التي يحملها شعر النثر. هل تتفق معي فيما يتعلّق بهذا التشخيص المتعلّق بالعلاقة اللّصيقة، الاشتباكيّة، بين القصّة القصيرة والشعر؟

أتفق مع تشخيصك للعلاقة بين القصّة والشّعر. الشّعر هو دم الكتابة. هو جوهرها. بدأَت الكتابةُ، حين بدأت، شعرًا. وكلما رجعت إليه أخلصت لهويّتها. بالنّسبة لي، أغلب قراءاتي في الشّعر. وقد مارستُ طوال حياتي المهنيّة تذويقه لطلّابي. وقد أحسستُ دائمًا أن القصّة شكل من أشكال الشعر: شكله السرديّ. والقصّة بدونه تفقد ثلاثة على الأقل من عناصرها الأساسية: تفقد عمقها: تلك المساحة المجهولة التي يمارس القارئ فيها تأويله؛ وتفقد إيجازها (دقّتها ورشاقتها)؛ ثم تفقد أخيرًا جماليات التّعبير والإيقاع فيها. وما هي القصّة بدون هذه العناصر؟ حكاية.

بعض من قصصك تستخدم المنظورات العلميّة، خصوصًا تلك القادمة من حقل البيولوجيا التطوريّة، ويمكن أيضًا أن ننظر إلى بعض آخر باعتبارها تأمّلات فلسفيّة. اهتمامك بالعلوم والفلسفة، وثقافتك الرّفيعة، واضحان، ولا أعتقد أن ثمّة كاتب قادر فعلًا على الكتابة، والتّجديد، والإبداع، والخوض في الفنون، دون أن يمتلك مخزونًا معرفيًّا كبيرًا. الأدب -بالنّسبة لي- هو اختزال التجارب والمعارف وإعادة تشكيلها فنيًّا. يصعب عليّ أن أفهم كيف سينتُج الفنّ عن عقل «فارغ». ما هو موقع المعارف المختلفة من كتابتك الأدبيّة، وكيف تستفيد منها في اشتقاق الأشكال، والمواضيع؟ وكيف تؤثّر على إعادة تشكيل رؤيتك للعالم؟

موقع المعرفة من كتابتي؟ لم أفكر في ذلك من قبل. لكن يبدو لي وأنا أتأمّل في سؤالكم الآن أنّ المعرفة قد يكون لها موقعان فيما أكتب:

لا أرى فرقًا كبيرًا بين تعقيدات نظام الكون بمجرّاته الكبرى كما يتحدث عنها ستيفن هوكينغ مثلًا في كتبه الفيزيائيّة، وبين تعقيدات النّفس البشريّة كما يتحدث عنها دوستويفسكي في رواياته.

موقع قبليّ: يتعلق بالمعرفة التي قد أكتسبها قبل الكتابة، سواء كانت في علوم الطّبيعة والإنسان أو في التّجارب التي أعيشها في الحياة، أو أقرأها في النّصوص الإبداعية. وأنا ولوع بالرّبط بين هذه المجالات كلّها، حتى إنّي لأجد -أو أخلق- شبهًا بين السرد والفيزياء أحيانًا، ولا أرى فرقًا كبيرًا بين تعقيدات نظام الكون بمجرّاته الكبرى كما يتحدث عنها ستيفن هوكينغ مثلًا في كتبه الفيزيائيّة، وبين تعقيدات النّفس البشريّة كما يتحدث عنها دوستويفسكي في رواياته.

كيف أستفيد من هذه المعرفة في الكتابة؟ أنا لا أكتسب هذه المعرفة من أجل الكتابة. أكتسبها من أجل أن أكون. ثم تأتي الكتابة بعد ذلك كثمرة طبيعيّة. لكن يخيّل لي أن علوم الطّبيعة تعطينا إحساسًا بجماليّات الوضوح والدقّة والنّظام والشكل. وأن علوم الإنسان تعطينا إحساسًا بجماليات السّعة والعمق والتّعقيد والغموض. ولا بد أن هذه الأحاسيس تؤثّر على كتاباتنا وتسهم في بنائها بهذا الشّكل أو بذاك.

موقع بعديّ: يتعلق بالمعرفة التي قد تعطيها نصوصي للقارئ. وأنا لا أستطيع بالطّبع الحديث عن مدى هذه المعرفة أو صداها. ولكنني آمل أن تعطي نصوصي لقارئها معرفةً بنفسه أولًا، حين يجد مثلًا في هذه القصّة أو تلك شيئًا أحسَّ به يومًا ولم يوله اهتمامًا، فوجده هنا بارزًا ومؤثّرًا ويستحقّ الاهتمام. وآمل أن تعطيه معرفة بالعلاقة الخفيّة بين الأطراف المتباعدة، بين الأزمنة مثلًا أو بين المواقف أو بين المشاعر، وآمل أخيرًا أن تمتّعه، فالمتعة أجمل المعارف وأرقاها، وألطفها وأبقاها أثرًا في النّفس.

يظهر السّندباد في قصّة واحدة من قصصك، هي قصّة «الهنديّ»، ورغم ذلك أجدك مهجوسًا بهذه الشخصيّة الرحّالة، الباحثة دومًا عن العوالم الغرائبيّة، فصورة السندباد هي صورة حسابك على الفيسبوك، وأعمالك القصصيّة شبه الكاملة مجموعة ضمن سفر أسميته: «ديوان السّندباد». هل السندباد «شخصيّتك البديلة» (alter ego)؟ هل تجد فيه جانبًا لم تتمكّن أنت من تحقيقه؟ ولِمَ لَمْ يظهر (وهو صاحب هذه المكانة عندك) سوى في قصّة واحدة من قصصك؟

السّندباد شخصيتي البديلة؟ ربّما، وربما كنت أنا شخصيّته البديلة. كنت معجبًا به منذ قرأت ألف ليلة في صغري. أنا أيضًا أحببت أن أقوم برحلات، وأن أحكي حكايات. حكايات غريبة يشطُّ فيها الخيال وتُطوّح فيها الأقدارُ بالمصائر. كان السندباد بطلي دائمًا ومثالي الأعلى. لم أقم برحلات. وحكاياتي كئيبة وغامضة ومبتورة، ولكنني مجرّد صورة من ملايين الصّور من المثال الأعلى.

لِم لا يظهر السّندباد كثيرًا في قصصي إذن؟ ولِم ظهر في قصة (الهنديّ) بالذّات؟ لا أدري. ربما لأنّه ينتمي إلى المنطقة السريّة في نفسي. المنطقة التي أضِنُّ بها على النّاس، وأستأثر بالحياة فيها وحدي. وقد أفلت مني دون أن أشعر في (الهنديّ). ربما جذبه العنوان. أليس أصل ألف ليلة هنديًّا؟

أنت مجدّد كبير في الشّكل القصصيّ، فالغرائبيّة عندك ليست مقصورة على الموضوعات، بل تمتدّ إلى الشكل الذي يأخذ أنساقًا غير متوقّعة، أو لا يمكن تخيّل أنّها ممكنة لنص قصصي، مثل قصّة «صدر حديثًا» التي تأخذ شكل عرض لرواية، وتعليقات عليها. بالنّسبة لي: لا بدّ من فلسفة فنيّة تبرّر الشّكل الفنيّ وتؤسّس له، وهذا هو الفرق بين «التجريبيّة» كمذهب فنيّ -إن صحّ التعبير- وبين «التجريب» كمحاولات عشوائية لا تمتلك مشروعيّة معرفية ولا تكثيفًا لخبرات فنيّة يجب أن تسبقها. ما هي فلسفتك في الشكل الفنيّ؟ هل تفكّر في الشكل سلفًا قبل الكتابة؟ هل تفرض عمليّة الكتابة، شكلًا ما؟ هل يفرض الموضوع شكلًا ما؟ هل يتحوّل الشكل أثناء الكتابة؟ ما هي العلاقة بين الشكل والموضوع؟

ليست لي أيّة فلسفة. لا في الشّكل الفنيّ ولا في غيره. ولا أفكّر في شكل القصة قبل كتابتها. إنها تُكوّن شكلها وهي تتخلّق. لذلك ربما لا تتّخذ قصصي شكلًا واحدًا. من أين تأتي أشكالي إذن ما دمت لا أنطلق من مقياس ذهبيّ محدّد وقبليّ؟ لا أدري. لا بد أنّ في لاشعور كلّ كاتب معملًا صغيرًا للأشكال. معملًا يستقي موادّه الخامّ من كل النّصوص التي قرأها، ومن كل اللّوحات والموسيقات والأفلام والعروض الفنيّة التي سبق له أن تذوّقها. والكاتب يصنع، في هذا المعمل، ومن هذه المواد، أشكاله الجديدة.

«صيّاد النعام»، مجموعتك الثالثة، تنحو منحىً نادرًا في الكتابة العربيّة: فهي (في أغلب نصوصها) نوع من الكتابة التجريديّة، وتمثّل تحديًّا كبيرًا للقارئ الذي قد نسميّه -جُزافًا- «القارئ العاديّ». بمعنى ما، أنا أميل لرأي يذهب إلى أن لا دور للقارئ في عمليّة الكتابة. يكتب الكاتب ما يريد (فنيًّا) دون اعتبار للمتلقّين، بينما يأتي دور القارئ (حتى بالمعنى التوليديّ والشراكيّ في النصّ) بعد الكتابة، وليس قبلها. يبدو كتاب «صيّاد النعام» سائرًا في هذه المقولة إلى نهاياتها. كيف ترى أنت الأمر؟ هل من دور للقارئ في عمليّة الكتابة قبل نشرها؟

أعتقد أن دور القارئ في عملية الكتابة يختلف باختلاف الكُتَّاب. فيما يخصّني، هناك قارئ غريب يقف على سنّ قلمي وأنا أكتب. لا أعرفه، لكنّني أعرف أنّه ذكيّ جدًّا، أذكى منيّ على الأقل. وأنا أحسّ به وأكتب له وأخشاه. من هو هذا القارئ؟ هل هو (ضميري الفنيّ)؟ لا بد أنّ هناك ضميرًا فنيًّا مثل ذاك الذي يقولون عنه (الضّمير المهنيّ) أو (الضّمير الأخلاقيّ). هل هو القارئ الذي أحلم أن يكونه قُرّائي؟ لا أدري. لكنّني أحسّ بحضوره، وأنا أكتب، إحساسًا قلقًا يشبه إحساس العاشق بالعذول. أفكّر أحيانًا بأنّ نصوصي قد تصبح، بدون الحضور الضاغط لهذا القارئ، أشد عنفًا وتمردًّا وغرابة… وأفكر أحيانًا أخرى أنها ستصبح، على العكس، أكثر هدوءًا ووداعةً وانضباطًا للقواعد الفنيّة والذوق العام.

هذا القارئ الغريب هو سراطي وقَدَري. هو طائري المعلّق في عنقي. وهو ملاكي الحارس أيضًا.

في قصصك إشارات إلى الموسيقى، والسينما، وتستعير في بعضها تقنيّات كتابة السيناريو السينمائي، موضّحًا حركة الكاميرا والموسيقى التصويريّة المرافقة، مثل قصة «آخر أيام سقراط». يقودني هذا مباشرة إلى علاقة السرد القصصي بالفنون الأخرى، واستفادة بعضها من بعض، وتلاقح بعضها ببعض. كيف يستفيد أحمد بوزفور من الفنون المختلفة في نصّه القصصيّ؟ ما هي الإضافة التي تتحقّق؟

الموسيقى والسّينما هما جناحاي اللّذان أطير بهما حين تضيق أحوالي. كانت السّينما تساعدني على تحمّل البؤس الذي عشته في طفولتي. تسافر بي إلى أصقاع العالم المختلفة، وتعرّفني على النّاس وتجاربهم وأحلامهم وخيباتهم ومصائرهم، وتُربّي عينيّ على تذوق جمال الطبيعة والوجوه والأشكال. وأقول (كانت)، لأنّني لم أعد الآن أشاهد السّينما للأسف. لم تعد في مدننا قاعات سينمائيّة محترمة وكافية، ولا أحب مشاهدة الأفلام على الشّاشة الصّغيرة. ذوقي السينمائيّ تربّى في القاعات. أما الموسيقى فكانت، ولا تزال، الهواء الذي أتنفّسه. أحسّ وأنا أسمعها (الكلاسيكيّة خصوصًا) بالعالم منظّمًا وصافيًا وجميلًا، وأحسّني فيه وأنا أرِقُّ وأَشِفُّ، مع استمرار العزف وتطوّره وتحوّله، حتى لأحسّني، في الأخير، عدمًا أبيضَ محضًا.

هل أستفيد من السّينما أو من الموسيقى أو من الفنون الأخرى في قصصي؟ أعتقد أن لها تأثيرًا بالطّبع. لكنّني لا أعرف إلى أي مدى. لا بدّ أنها تفيد في الإحساس بالشّكل على الأقل، وفي الدقّة والتّرتيب… وربما في الوقع أيضًا. القصّة موسيقى في شعوري، نوع خاصٌّ من الموسيقى. وأنا أنصح الذين يبحثون في القصة عن المعنى بالاستماع إلى الموسيقى.

«مْمْمَؤَثَّى» هي قصّة لك مكتوبة بالدّارجة المغربيّة، وقد فاجأتُ نفسي عندما خالفتُ رغبتي الأوليّة بعدم قراءتها (لتوقّعي بأنّني لن أفهم منها شيئًا)، لأجد أنّني فهمتها واستمتعتُ بها. لماذا خضت هذه المحاولة، أعني: كتابة نصّ قصصي كامل بالدّارجة المحليّة؟ نعرف عن إمكانيّات العاميّات المختلفة في مجال الشّعر، هذه لا نقاش فيها، وتجاربها ثريّة ومبدعة. أما النثر؟ لا أزال أنا من أصحاب الرأي الذي يقول أن العاميّات غير قادرة على إنتاج نثر فنيّ بمستوىً عالٍ، هل تتفق معي؟ ثم، هل نحن -كتّاب العربيّة- بحاجة لتحديد أكبر لجمهور القراءة الصّغير، وتصغيره أكثر، بالتحوّل إلى العاميّات؟

قصة «مْمْمَؤَثَّى» مهداة إلى الكاتب المغربيّ الكبير إدمون عمران المالح. كنت معه ذات مرّة في لقاء ثقافيّ، وسألني بعد أن استمع إلى إحدى قصصي: لماذا لا تكتب بالدّارجة؟ قلت له: إنّني أستعمل الدّارجة في الحوار أحيانًا. قال: لماذا لا تكتب القصّة كلّها بالدّارجة؟ قلت له: إنني أتهيّب ذلك. ولكن فكرته جعلتني أغامر وأخوض التّجربة.

عانيت كثيرًا في كتابة (مْمْمَؤَثَّى). ويبدو أن هذه المعاناة انعكست على شكل القصّة وموضوعها، حتى لقد أحسستُ أن ذلك الطّفل الأخرس في القصّة هو اللّغة الدّارجة التي أحاول عبثًا أن أُنطقها أو أنطق بها. اكتشفت خلال التّجربة أن الدّارجة لغة الجماعة، وأنها تحتاج، لكي نكتب بها القصة: فن الفرد، إلى كثير من التجارب الأدبيّة والفنيّة حتى نطوّعها ونقودها من الخارج، حيث الجماعة والنّماذج والقواعد والأخلاق، إلى الدّاخل حيث الفرديّ والنّشاز والغريب والمختلف. وهكذا عدتُ من التّجربة بخفي حنين.

نعم، أنا مع رأيك القائل: «إن العاميات غير قادرة على إنتاج نثر فني بمستوى عال». اسمح لي أن أضيف فقط عبارة: «حتّى الآن».