تدوينة

أحمد خالد توفيق، وداعًا

الخميس 05 نيسان 2018

في سنوات مراهقتي الأولى وفي المدرسة الابتدائية، وأثناء درس لغة عربية كنت قد اعتبرته مملًا، أخرجت كتيبًا من سلسلة ما وراء الطبيعة للكاتب والطبيب المصري أحمد خالد توفيق من الدرج، ووضعته داخل المقرر الدراسي، وأخذت أقرأ بصمت مدعيًا قراءتي للمقرر. بعد أن «سرحت» في القراءة، كشفني أستاذ المادّة وأخذ الكتاب الصغير مني، نظر على الأرجح إلى عنوان الكتاب: «أسطورة …» وكان هذا كافيًا، أو أنه شعر بالإهانة لاهتمامي بشيء آخر بدلًا من التركيز معه. وبحركة استعراضية أمام الطلّاب قام بتمزيق الكتاب معطيًا محاضرة مصغرة عن كيف أن مثل هذه الكتب مضيعة للوقت، وأجزم أنه لم يعرف ما هو الكتاب ولا السلسلة. أذكر الابتسامة الساخرة التي ارتسمت على فمي. هذا مدرس لغة عربية ويمزق كتابًا.

رحل الكاتب والروائي أحمد خالد توفيق عن عالمنا قبل ثلاثة أيام، وترك وراءه جيلًا كاملًا من القرّاء والكتّاب الشباب الذين نشأوا على قراءة كتبه في مصر والعالم العربي، ويكفي إلقاء نظرة على خبر وفاته على الفيسبوك لمعرفة حجم هذه الشعبية.

كالكثير من أبناء جيلي ممن عاش طفولته في التسعينيات من القرن الماضي، كانت كتيبات سلسلة روايات مصرية للجيب من مقررات القراءة غير الرسمية التي فرضناها على أنفسنا؛ ثمنها قليل نسبيًا وحجمها صغير يصلح للجيب فعلًا، وكانت تصلح أيضًا لإخفائها بين دفتي أي كتاب مدرسي مملٍ وادعاء قراءته سواء في المدرسة أو في البيت.

ساهمت روايات أحمد خالد توفيق بتعويضي عن النقص الفادح الذي عانته الكتب الدراسية.

كانت للقراءة متعة مختلفة تمامًا بحكم السن وسعة المخيلة في ذلك العمر. كانت البداية مع القصص البوليسية في سلسلة المغامرون الخمسة من تأليف محمود سالم والتي كانت تصدرها دار المعارف، ثم مغامرات الجاسوسية مع أدهم صبري في سلسلة رجل المستحيل من تأليف نبيل فاروق، وغيرها من السلاسل الفكاهية مثل «فلاش». تعلقت شخصيًا أكثر بسلسلة ما وراء الطبيعة، الحكايات كانت مرعبة ومثيرة لطفل في الثانية عشر من عمره، وسرد أحمد خالد توفيق كان ممتعًا فعلًا من خلال بطل السلسلة الشخصية غريبة الأطوار د. رفعت اسماعيل.

في ذلك الوقت وقبل شيوع الإنترنت، كان اسم أحمد خالد توفيق غامضًا. مع أنه كان في صورته شابًا، إلا أنني اعتبرته رجلًا كبيرًا بحكم سني آنذاك. كان للاسم هيبة ما كما هو معتاد مع الأسماء الثلاثية، ودهشت عندما رأيت فيديو له لأول مرة على اليوتيوب، الرجل ليس كبيرًا فعلًا. إنسان بسيط متواضع المظهر والملبس، عاش في طنطا ودرّس في جامعتها ومات فيها بعيدًا عن أجواء القاهرة الثقافية.

معادلته كانت سهلة؛ قصص مرعبة ومشوّقة بسرد ممتع يمسك أطرافها البطل الرئيسي العجوز د. رفعت إسماعيل، شخصية لربما نفرت منها في الحياة الحقيقية لكنها ما يحتاجه أي عمل أدبي أو حتى سينمائي جاد: بطل مناقض لشخصيات البطولة المعتادة (anti-hero)، طبيب أمراض دم متقاعد، عجوز أصلع ساخر وساخط ومدخن شره (كمدخنة قطار) يجد نفسه دائمًا في مواقف لا يحسده عليها إلّا قرّاء الكتاب؛ في مصر مع الندّاهة وآكل لحوم البشر، وفي اسكتلندا مع حبيبته ماجي ووحش لوخ نيس، وفي نيويورك في حلقة رعب مميزّة، وفي رومانيا وجامايكا والعديد من الأماكن الأخرى. من المدهش فعلًا أن يرتبط مراهقون بشخصية عجوز مكتئب، لكن هذه هي مهارة الكاتب. نجح رفعت في مخاطبة عقولنا بكونه البطل-المضاد: بإمكانك أن تكون مشهورًا وذكيًا وعبقريًا وتعيش حياة مثيرة ومضطربة ومتقلبة، دون أن تكون بالضرورة ثريًا ووسيمًا وتركب سيارة فارهة وتعمل في شركة كبيرة كالعبد.

ما الذي ينقصنا غير الخيال أصلًا وسط هذا الكم الذي لا ينتهي من سير كتاب متأزمين تسمى روايات؟

لم تكن المتعة في سرد أحمد خالد توفيق فقط بل أيضًا في الحواشي التي عزز بها كتبه والتي عرّفتني على الكثير من الأسماء في الثقافة والسينما والسياسة والفلسفة، مما ساهم بتعويضي عن النقص الفادح الذي عانته الكتب الدراسية. أنظر الآن في بعض حواشي السلسلة، فأجد إدجار آلان بو، وسيجموند فرويد، والمستكشف الإنجليزي ليفنجستون، والديكاميرون وروبنسون كروزو وأوديسيوس والإلياذة والأوديسة، وأجد معلومات طبية متنوعة، ومعلومات عن نيتشه وهوديني والعالم الآخر في معتقدات الاسكندنافيين القديمة، وعن فكتور هوغو وأحدب نوتردام، وعن دانتي والكوميديا الإلهية وتشابهها مع رسالة الغفران للمعري، وعن إميل زولا وقضية درايفوس، وعن ت. إس إليوت وتأثيره في صلاح عبد الصبور. أذكر أنني كنت أبحث عن الحواشي وأسجلها في دفتر -لا أعلم أين هو الآن- لأقوم بالبحث عن هذه المعلومات الإضافية.

نجح أحمد خالد توفيق في توجهه إلى شريحة المراهقين، وهو الأمر الذي لم يتمكن من تحقيقه الآخرون. جعل جيلًا كاملًا من المراهقين يقرأ ويكتب، هذه الشريحة التي تم تجاهلها تمامًا كتابة ونقدًا في العالم العربي ما بين أدب الأطفال وأدب البالغين، كما تجاهلت المؤسسات الرسمية والاجتماعية بأشكالها مراهقاتنا، فنحن إما أطفال أو رجال. ومن المؤسف أنه تم تجاهل أعماله نقديًا (وهو ما لا يعيبه أبدًا) أيضًا وعلى عدّة مستويات: كونه كاتبًا للشباب، وكونه يكتب قصص الرعب والخيال. ما الذي ينقصنا غير الخيال أصلًا وسط هذا الكم الذي لا ينتهي من سير كتاب متأزمين تسمى روايات؟

كان من القلة التي احترمت الشباب والمخيلة ولم يصادرها لا لصالح الدين (وهو المتدين) ولا لصالح المعايير المجتمعية والسياسة. كتب احترامًا للعقول الناشئة واحترامًا للجمال في حياتنا اليومية، وكسب جيلًا من القرّاء صار بعضهم كتابًا بالفعل. في نهاية الكتيب الأخير رقم 80 من سلسلة ما وراء الطبيعة، كتب أحمد خالد توفيق عدة فقرات تهنئة لأصدقائه القرّاء الشباب الذين أصبحوا كتابًا: «لن أنهي هذه السلسلة قبل أن أقدم تهنئة أخيرة لعشرات الأصدقاء الذين قدّموا كتبهم الأولى وحققوا نجاحًا كبيرًا». «هناك أسماء عديدة… عديدة لدرجة أنه فاتني الكثير هنا، لكن لنعتبرها تهنئة عامة وتحية للفن والجمال».