مهرجان موسيقى البلد: منصة للفن الذي تكاد تنساه المهرجانات

el morabba3 المربع

جاءت الدورة الرابعة لمهرجان موسيقى البلد هذا العام بأمسيات غنيّة ومتنوعة أثرت مساءات عمّان الصيفية، إذ شارك في المهرجان الذي انطلق في الأسبوع الأخير من تموز الماضي تسع فرقٍ موسيقية، ثلاثة منها أردنية، فيما توزعت الفرق الأخرى من العراق وفلسطين ولبنان وسورية وتونس.

الأنماط الموسيقية التي عرضها المهرجان كانت أكثر تنوعًا هذا العام أيضًا. فبين الراب، والروك، والموسيقى الصوفية التجريبية، والموسيقى المعاصرة، احتضن مدرج الأوديون في وسط العاصمة عمّان موسيقى المهرجان وقدّمها لجمهوره على مدار أسبوع.

أما التنظيم، والذي طالمّا شكّل عقبة في طريق نجاح المهرجانات الأردنية، فكان متطورًا عن أي عام مضى، إذ استطاع «مسرح البلد»، مُنظم المهرجان، أن يُقدم الفعاليات للجمهور بطريقة جيدة، وعلى الرغم من أن بعض الحفلات استقطبت جماهير كبيرة، إلا أن فريق المهرجان كان قادرًا على تنظيم المكان.

لكن ذلك لم يخلو من بعض المشاكل أو الخيارات غير الموّفقة، بدءًا من اختيار موعد المهرجان، الذي تزامن مع فعاليات مهرجان جرش، ومهرجان جرش للموسيقى البديلة الذي أقيم على هامش المهرجان «الأم» في عمّان، إضافةً إلى أسعار تذاكر المهرجان التي تُعد أعلى من المعتاد، سواء بالمقارنة مع باقي المهرجانات أو الفعاليات التي تُقدم هذا النوع من الموسيقى، أو حتى بالمقارنة مع السنوات السابقة للمهرجان.

كان من اللافت أن أسعار التذاكر تراوحت بين السبعة دنانير والسبعين دينارًا، كانت أعلاها تذكرة أمسية الفنان التونسي ظافر يوسف. فيما كانت تذاكر الدورة الماضية من مهرجان موسيقى البلد تتراوح بين الخمسة دنانير والعشرين دينارًا، واشتملت كافة الحفلات على تذاكر من فئة الخمسة دنانير.

«موسيقى البلد» وّفر، كما في كل عام، مسرحًا للفرق الناشئة، إذ شارك في المهرجان فرقة «أيلول» و«زائد ناقص» الأردنيتين، وفرقة «هوا دافي» السورية، وكلها فرقٌ حديثة نسبيًا. كما قدّم فنانين عرب يؤدون للمرة الأولى في الأردن؛ كفرقة «طرب باند» العراقية، والفنانين التونسيين منير طرودي وظافر يوسف، وكما في كل عام كان المهرجان منصة للراب أيضًا، مستضيفًا الرابر الفلسطيني «مقاطعة» واللبناني «الراس».

كان الانتشار الإعلامي والإعلاني في أوجه هذا العام، لكن يبدو أن التركيز كان على حفل الختام مع «النجم» التونسي ظافر يوسف على مسرح المدرج الروماني، وهو الحفل الوحيد الذي أقيم على «الروماني»، فيما أقيمت باقي الأمسيات على مسرح «الأوديون».

التوقعات لحفل الختام كانت أعلى بدرجات من الواقع، فالمدرج الذي يتسع لستة آلاف شخص استطاع أن يستقطب ألفين، سواء من محبي الفنان ظافر يوسف، أو من الراغبين في التعرف على أعماله، إلا أن كثيرين أصيبوا بالإحباط مما سمعوه، فخرجوا من الحفل باكرًا أو خرجوا متذمرين، وهناك أيضًا من استمتعوا بالموسيقى والغناء اللذان لم يكونا مفهومين تمامًا. يوسف قدّم استعراضًا فنيًا على المسرح يخلو من الموسيقى المتمكّنة، أما غناءه فلم يكن يشبه شيئًا من الغناء، إذ يقتصر على بيت شعري واحد مشهور، ثم ما يلبث أن يبدأ صراخه وتأوهاته مع الموسيقى بأسلوب يغالي في التجريب، ويُفقده جمال صوته.

في مقابل ذلك، جاء أداء التونسي منير طرودي، الذي قدّمه المهرجان وكأنه أقل نجومية من يوسف، على الرغم من أنه يمتلك من جماليات الصوت والموسيقى والأداء أكثر من يوسف. وعلى الرغم من أن طرودي يذهب إلى مساحاتٍ من التجريب والمزج الموسيقي، إلا أن جمله الموسيقية تبقى متماسكة، لا مجرد استعراض صاخب.

أمسيات الراب لهذا العام كانت أفضل من كل عام، مع نجمين من نجوم الراب العربي «مقاطعة» و«الراس»، على الرغم من أن حفل «مقاطعة» كان أقل من المتوقع، بعد أن استولى الرابر «خطة ب»، الذي شارك كضيف في الحفل، على معظم الوقت.

أما الفرق الأردنية، «المربع» و«زائد ناقص» و«أيلول»، فقد استطاعوا استقطاب الجماهير الأردنية بكثافة. وتحت مظلة المهرجان أطلق «المربع» حملة تمويل ألبومهم الموسيقي الجديد، فكان تركيزهم في الحفل على الترويج للحملة أكثر من الأداء. غنت الفرقة عددًا من أغانيها القديمة والجديدة، رغم أن الحكم على أعمالها الجديدة تعذّر بسبب مشاكل متكررة في الصوت.

كان من الملاحظ هذا العام غياب الفرق الموسيقية الخالية من الغناء، إذ اعتاد المهرجان أن يُقدم أمسياتٍ موسيقية، سواء كانت لموسيقى الجاز أم الموسيقى الشرقية، لكن اقتصر المهرجان هذا العام على الغناء فقط.

بشكلٍ عام، يُعد «موسيقى البلد»، الذي يُقام كل عامين، إضافة نوعية مهمة للمشهد الموسيقي الأردني، ومساحة للفنانين ومحبي الفن «البديل». إذ يجمع المهرجان في كل دورة بين الموسيقى الشرقية والراب والجاز والروك والفيوجين والموسيقى التجريبية، فيكون بذلك منصةً للفن الذي تكاد تنساه باقي المهرجانات التقليدية، وعلى الرغم من أن مهرجان «جرش» أطلق هذا العام ثلاث حفلات تحت مُسمى «الموسيقى البديلة» شارك فيه الفنانين والفرق: كاميليا جبران و مسار إجباري والراحل الكبير، إلا أننا لا نعلم ما إذا كانت هذه الأمسيات ستتحول إلى تقليد مكرس في الدورات المقبلة لـ «جرش».