مكتبة علي مولا: خدمة جليلة للقراء أم اعتداء على صناعة النشر؟

الأربعاء 02 أيار 2018

علي مولا، الاسم الذي تصفه دور نشر ومؤسسات ثقافيّة عربيّة بأنَّه أحد أبرز منتهكي حقوق الملكيّة الفكريّة في الوطن العربيّ، لما يقوم به من توفير للكتب بالمجّان للقارئ العربيّ على الإنترنت، الأمر الذي يؤثر على الوضع المالي لصناعة دور النشر، وعلى عوائد الكتّاب الماليّة كذلك. على الطرف الآخر من المشهد، أطلقت على على علي مولا وسائل إعلام لقب «روبن هود المحبوب»، أمّا مولا نفسه فيقول عن مشروعه أنه قابل للنقد، وخلال إجرائي لهذه المقابلة معه أكد عليّ مرارًا: «لا تتحرّج من إبداء الرأي مهما كان قاسي».

في السادسة والعشرين من عمره، سيتركّ الحلبيّ علي مولا سوريّا إلى المجر للعمل في قطاع السياحة والخدمات بعيدًا عن تخصصه في هندسة الديكور (التصميم الداخلي)، ومنذ اليوم الأوّل لإقامته هناك عام 1987 سيغريه المكان، فلا يغادره حتّى يومنا هذا: «الحياة أغرتني؛ لبساطة شعبها وقرب أجوائها من سوريا».

صبيحة أحد أيّام العام 2006، وبعد سنوات عمل طويلة استطاع خلالها توفير مبلغ كبير، اتخذ قراره؛ لن يكون هناك عمل بعد اليوم، وسيتفرغ للقراءة، ولمشروع لمع في رأسه بعد أن قرأ رواية ميلان كونديرا «كائن لا تحتمل خفته» وشعر برغبة في مشاركة الرواية مع مثقفين أصدقاء، فقام بتصويرها على سكانر (scanner) وأرسلها بالفعل إلى مجموعة منهم.

«لقي الكتاب صدىً شجعني على تصوير المزيد. وبعد فترة فكرتُ بجدية بالتفرغ لتكوين مكتبة إلكترونية لائقة تكون قبلة للباحثين العرب كما سميتها في البداية»، من هنا سيترك مولا التفرغ للقراءة إلى التفرّغ لتصوير الكتب ومشاركتها. وسينسى بعد ذلك كل شيء: تخصصه في التصميم الداخليّ، عمله في الخدمات والسياحة، وسيساعده في ذلك ظروفه المادية جرّاء العمل السابق الذي يقول بأنه: «سمح له بشراء ما يُريد من الكتب ودون التفكير بعائد ماديّ».

سيبدأ بإنفاق ما وفّره؛ يطلب الكتب من الوطن العربيّ، من معارض ودور نشر، يتكفّل أحد الوسطاء بالسفر من المجر إلى سوريا مرّة كل شهر حاملًا قائمة بعناوين الكتب من مولا، لشرائها من سوريّا. في هذه العمليّة يدفع مولا أجور الوسيط، وثمن الكتب، والتنقل داخل سوريّا، بالإضافة إلى أجور شحن هذه الكتب إلى المجر. كان ثمن الكتب متوفرًا، كذلك توفرَ الوسيط الذي يحمل الكتب إلى بودابست: «عانيت كثيرًا في سبيل الحصول على الكتب لأني أحتاج من يشتريها من الدول العربية. في البداية كانت الأمور متيسرة وأعتمد على شخص سوري مقيم هنا وعمله هو السفر إلى سوريا وشراء ما نحتاجه والعودة كل شهر مرة، وقد كان يشتري لي الكتب ويرسلها في الشحن».

كان ذلك كلّه أيام منصّة منتدى الإسكندريّة، الموقع الذي أسسه مولا ليرفع عليه الكتب المصوّرة، وهو الموقع الذي سيعرف بعد العام 2006 على نطاق واسع، خاصة ضمن الباحثين عن الكتب: «كان هناك بعض الأشخاص (..) قد عرضوا علي مبالغ ضخمة للمساهمة معي في مشروعي، ولكن وضعي المالي كان جيدًا ولا أريد أن يصبح منصة للبرستيج أو حبًا في التظاهر».

كانت الأمور تسير على ما يُرام، يقرأ مولا تعريفًا بالكتب التي يُريدها، أو التي سمع عنها، فيضع قائمة للوسيط، وينتظر وصولها. ظلت الأمور على ما هي عليه، مولا يعمل، ويرفض اقتراحات الدعم. يتذكّر فجأة دعمًا تلقاه في أحد الأيّام: «فقط، قبلت من أحدهم هدية 50 كتاب ورقي بعد إلحاح».

جاءت سنة 2012، وجاء الخراب معها، بحسب مولا، إذ توقف الوسيط عن السفر إلى سوريا بسبب الأحداث، وإغلاق مطار دمشق الدوليّ: «كان الوسيط من مدينة حلب، ويشتري ويرسل الكتب من دمشق»، كما بدأ المبلغ الذي يحوزه مولا بالنفاد شيئًا فشيئًا، ولذا صار موضوع اختيار الكتب يخضع لشروط إضافيّة صارمة: «أراعي عند اختيار عناوين الكتب أن تكون مفيدة لأكبر شريحة ممكنة من القرّاء». «نظرًا لصعوبة الحصول على الكتب، ومصاريف الشحن، وأتعاب من يشتري لي الكتب من الدول العربية، فلا أرسل في طلب أي كتاب إلا بعد قراءة نبذة عن الكتاب، والتعرف جيدًا على المؤلف، وبعد التأكد من قيمة الكتاب الفكرية وأهميتة المعرفية أرسل في طلبه».

بعد غياب الوسيط لجأ مولا إلى وسطاء افتراضيين: «بدأتُ أتعامل مع أشخاص افتراضيين ولا أعرف أسماءهم الحقيقية، وكنت أرسل لهم مبالغ بآلاف الدولارات لشراء الكتب، وقد حصلت عليها فعلًا بعد استغلالي من بعضهم، ولكن الهدف كان أكبر من أن يوقفني عن متابعة مشروعي الذي أصبح هدفي، وأخذ كل وقتي، ولا يمكن التخلي عنه والانسحاب».

سيعتمد مولا بعد نفاد المبلغ الذي معه على عائد محل تجاري في بودابست، إلّا أن هذه العوائد لم تكن كافية. من هنا سيشعر مولا بضرورة وجود عائد من تصوير الكتب، لذا سيترك منتدى الإسكندريّة ويرحل مع مكتبته التي لا يعرف بالتحديد حجمها، لكنّه يقدرها بحوالي أربعة آلاف كتاب. سيرحل بهذه المكتبة إلى موقع جديد فيه قسم للإعلانات: «بعد ملاحظة بعض المواقع التي تستفيد من الإعلانات وخاصة من يستفيد من الكتب التي صورتها، كان ذلك أحد أكبر الأسباب التي دفعتني للتفكير بالإعلانات والإستفادة منها». لكن وبعد التجربة اتضح لمولا أن الإعلانات غير مجدية، فكتب عبر صفحته على فيسبوك: «ثمن شراء كتاب متوسط (15 دولار) سيحتاج 20 ألف تحميل وليس زيارة، و20 ألف تحميل تعني 50 ألف زائر؛ هذه الأرقام خاصة بمصر والجزائر والمغرب ومعظم الدول العربية».

أغلق مولا منتدى الإسكندريّة، وانتقل لموقعه الجديد: «كنت أعتمد على منتدى مجاني لأنه لا خبرة لي في التقنيات الحديثة، أما الآن فيوجد ابني المختص بالبرمجة ويعمل في مجال الإعلانات وقد برمج لي موقع خاص بحلة جميلة واشترى لي (سيرفر) خاص أيضًا، ولكنني للأسف وجدت صعوبة في التعامل مع الموقع، وحتى لا أشغله كثيرًا عن عمله قررت الانتقال لموقع على (الووردبرس) كوني أجيد التعامل معه بشكل جيد (..) ولذلك الآن أعتمد على موقع مكتبة الباحث العربي».

طوال مسيرة تصوير الكتب ورفعها، قدّم مولا وبشكل محدود كتبًا مصوّرة باللغة المجريّة، وكانت المرة الوحيدة التي يصوّر بها كتبًا ليست عربيّة، ليقدمها: «بصورة خاصة لبعض الأصدقاء حتى يتمكنوا من قراءتها خارج المنزل وخاصة أثناء التنقل عبر المواصلات. ولم أرفعها خوفًا من حقوق الملكية، فهنا يطالني قانون الاتحاد الأوروبي ولا تساهل مع حقوق الملكية، لا حاجة بي أصلًا لرفع الكتب غير العربية لأن دخلهم يمكنهم من شراء ما يريدون، والكتب الورقية متوفرة بكثافة».

في الوطن العربيّ يختلف الحال، يوجز مولا الوضع: «لا يوجد مخاطر كون حقوق الملكية في العالم العربي ليست ضمن نطاق المسؤولين العرب فهم مشغولين في الحفاظ على مناصبهم»، أمّا دور النشر فقد باتت تلاحظ، بحسب مولا، أن الكتاب الإلكتروني قد ساهم في زيادة مبيعات وانتعاش الكتاب الورقي لأن أعداد القرّاء قد زادت واهتماماتهم توسعت وأصبحت الكتب الإلكترونية بمثابة إعلان عن الكتب الورقية، لكنّ مولا يستدرك فيقول: «ولكن في البداية واجهنا بعض المشاكل مع من يحرّم تصوير ورفع الكتب، وأصحاب دور النشر طبعًا. ويتابع قائلًا: «لكن تدريجيًا اعتاد الجميع على وجود الكتاب الالكتروني، بعد سجالات ومناقشات ودفاع عن مشروعيتها من الذين لا تصلهم الكتب أو يعانون من غلاء ثمنها وصمود من يصور الكتب، ويبدو أنه هناك من المشايخ التي حللت تصوير ورفع الكتب».

حصيلة السنوات

يُمضي مولا وبحكم تفرغه لهذا المشروع كل وقته تقريبًا في تصوير وإعداد ورفع الكتب، أو البحث عن عناوين كتب، «هذا أكثر شيء يجذبني، ولا أشعر في الوقت حين أقرأ نبذة عن الكتب قبل إدارج عناوينها في قائمة البحث، وأقرأ بعض فصول الكتب كلما سنح الوقت وأحيانا ألجأ للراحة ليوم أو يومين وأقرأ رواية كاملة للترويح عن النفس واستعادة النشاط».

بهذه الحال، ارتفعت ساعات القراءة عند مولا، إذ يقرأ تعريف الكتاب، مقدمات كتب، وربّما، إن أعجبه الكتاب، فصولًا منه، وفي مرّات يُكمل الكتاب، خاصة إذا كان رواية، إذ يعتبر قراءة الرواية استراحة من ساعات العمل الطويلة في تصوير الكتب.

وصل عدد الكتب في مكتبة علي مولا 3000 كتاب «مختارة بعناية شديدة» إضافة إلى ما حصل عليه مولا نفسه من أصدقاء له قاموا بتصوير بعض الكتب أيام منتدى الإسكندريّة؛ إذ يقول عن الكتب التي صوّرها أصدقاؤه: «ضممتها لمكتبتي الإلكترونية وما زلت أتابع رفع روابطها».

أمّا قيمة هذا المشروع، الذي دُفعت فيه سنوات وآلاف من الدولارات، فلا يستطيع مولا الحكم عليها، فهو لا يدري، إن كان بتصويره للكتب قد قدّم خدمة جليلة للقرّاء العرب، أم أنّه بهذا الفعل يعمل ضد مصلحة الكثير من دور النشر والمؤلفين «دون وجه حقّ». ولذا كلّما مرّت به مشكلة تقنيّة أو مشكلة تواجه مشروعه عاد إليه هذا السؤال: «لا أدري هل هي لعبة القدر في الانتقام مني بسبب تصوير ورفع الكتب دون وجه حق رغم هدفها النبيل؟».