الاغتراب المزدوج في عوالم فضائية: معرض الفنان صقر القتيل

الإثنين 25 آذار 2019
جانب من معرض صقر القتيل في مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة. تصوير سنابل عبد الرحمن.

كنت قد قرأت القليل جدًا الذي وجدته عن الفنان الفلسطيني، ذي الاسم اللافت، قبل التوجه إلى المعرض، من غير أن أكون قد شكلت تصورًا أو توقعات. وصلت المعرض مبكرًا، ألقمت السماعات في أذني وطُفتُ بين اللوحات المعلقة، متوقفةً أمام كل واحدة مطولًا في مواجهة مباشرة مع «صقر القتيل» الراحل. شعرت بالتشتت في بادئ الأمر لعدم ألفتي بأسلوبه الفني والرموز والمؤشرات الغرائبية التي كانت كل لوحة، على الرغم من بساطتها الخادعة، تنضح بها. نيازك وديوك وأفاعٍ ومساحات مبلطة في الصحراء وشخصيات خنثى عالقة في عوالم سريالية.

افتتح معرض «صقر القتيل: سيادة الحبكة» في 21 شباط ويسري حتى تاريخ 5 أيار، بتنظيم مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة في عمّان. يضم المعرض 24 رسمة ولوحة أنجز الفنان معظمها في فترة الثمانينيات والتسعينيات. وبحسب المؤسسة المنظمة، فقد تم تصور المعرض على أنه «معالجة معاصرة للتراجيديا… تقترح شكلًا جديدًا غير تقليدي- مبينة على موتيفات في أعمال القتيل، تتراوح ما بين التغريب والهروبية وصولًا إلى الأمومة، والرجولة، والمؤثرات العقلية». ولد الفنان في عام 1959 في مخيم الأمعري وأمضى طفولته في مخيم جباليا في غزة. اشتغل عامل مياومة تحت الاحتلال الإسرائيلي. تغرّب في أوروبا وقضى في سجن هولندي في عام 2004 وهو في عقده الرابع.

ذكرني القسم الأول من رسمات القتيل بخصائص رسومات كنت قد رأيتها على أغلفة الدوسيات الجامعية القديمة: الحبر السائل الأزرق الذي يؤطر الغرض المرسوم وشكل العين البيضاوي البسيط (الذي، لا بد، قد ملأ دفاتر ودوسيات وكتب قراء هذا المقال في حقبة ما في حياتهم) والمساحات الهندسية المرسومة باستخدام المسطرة. إلا أن هذا الأسلوب التقليدي نوعًا ما واليافع في الرسم لم يُفقد أعمال الفنان هيبتها الفنية. على العكس، فإن توظيف هذا الأسلوب قد أفعم الأعمال بحياة أخرى تحيد عن التوصيف التقليدي في الفن. فنحن، في تأملنا لوحات الفنان نطأ عالم اللامعقول ولكن بأريحية قلما نستشعرها في الأعمال السريالية. تباين أسلوب الرسم التقليدي «المألوف» مع الثيمات الغرائبية في أعمال القتيل يخلق نوعًا من ازدواجية الغربة؛ الثيمة المبطنة التي تتوارد في أعماله جميعها. فما هي التقنيات التي يوظفها القتيل لتوصيف هذه الحالة المزدوجة من الغربة؟

بالرغم من كون صقر القتيل فنانًا فلسطينيًا، إلا أن القراءة السريعة لأعماله ستفضي إلى أن هناك غيابًا يكاد يكون مقصودًا للرموز «الفلسطينية» البحتة في أعماله. فالشخصيات التي تطوف في مساحاته الغريبة تبدو معدومة الهوية بشكل مطلق. بداية، هي ليست آدمية تمامًا. فكما نرى في لوحته غير المعنونة أدناه، فإن الشخص الذي يظهر لنا هنا له مظهر بشري (بالرغم من بشرته الخضراء) ولكن نصفه السفلي عبارة عن طوب مبني على شكل بئر. يقف البئر فوق مساحة مبلطة محددة الطرف بسور صغير يُستغرب وجوده في الصحراء الممتدة. يفتح المخلوق الهجين لنا ذراعيه كأنه يومئ بأن «ليس بيدي حيلة» بالرغم من الهالة الملائكية التي تطوف فوق رأسه المصلع. يبدو في وجهه، إلى جانب التجاعيد، البؤس الواضح. نرى هذا في عدد كبير من أعماله حيث يحرص الفنان على تجريد الشخصيات من آدميتها من خلال حقن عناصر غير آدمية في التركيبة الظاهرية للشخصية ومحيطها أيضًا.

غير معنونة (1999). ألوان خشبية وحبر على ورق.

نرى ذلك جليًا في لوحته غير المعنونة أدناه، والشخصية المركبة لقاضٍ آلي يحمل فأسًا (الغرض الذي يتكرر وجوده في أعماله). فبالرغم من الأنف والأسنان الآدمية، إلا أننا نرى ما يبدو أنها سماعات في مكان الأذنين، فيما عيناه عبارة عن شاشتين تبثان صورة نبتة الصبار، الغرض المتكرر بشدة في رسوماته. يحمل الكائن السايبورغي فأسًا صغيرًا وتنبهنا بزّته الرسمية وشعار ضابط العدلية (اختصارًا للكلمة في اللغة الهولندية) إلى أننا أمام أيقونه سياسية تضاعف من حضورها علامة النازية التي تظهر في قبة قميصه والوسام الذي يقلد بطنه. هل كان القتيل يحاول وصف القضاء الهولندي بالنازية لبرودته التي لا تعتبر شأنًا للعاطفة؟ هل تُسرب هذه اللوحة شعور القتيل بالإجحاف والظلم، المشاعر التي أرهقته غالبًا قبيل قضائه في سجن هولندي عن عمر لم يتعد الخامسة والأربعين؟ يفتح القاضي فمه لنا كأنه يحاول أن يبتسم، ولكن تشنج وجهه في محاولة تحقيق ذلك يوحي بأنه، ببساطة، غير قادر على الابتسام. تبين هذه الجزئية الحميمية في اللوحة أصل شعور الغربة الذي تتسم به معظم لوحات الفنان. فهذه اللوحة تشي بغربة مزدوجة: الغربة الميتافيزيقية كون الكائن الهجين غير آدمي ولا ينتمي إلى عالم الفنان الإنساني، والغربة الفعلية التي يشعر بها رجل فلسطيني في بلد بارد ميكانيكي رماه قُضاؤه في السجن.

غير معنونة (1999). ألوان خشبية وحبر على ورق.

قد يذهب البعض إلى أن توظيف أيقونة الصبار في اللوحتين التاليتين، وغيرهما الكثير، ترمز للصبر الفلسطيني. إلا أن هذه القراءة قد تكون بعيدة قليلًا عن المقصود. فكما ذكر سابقًا، يستعصي على المشاهدين ملاحظة أي رموز «فلسطينية» تقليدية في أعمال القتيل مثل الأثواب الفلكلورية أو أيقونة المفتاح أو مشاهد جغرافية أو دينية مرتبطة بالتاريخ الفلسطيني أو المقاومة أو تمثيلات للذاكرة الجمعية. على العكس، تطفو مشاهده في جغرافيات فضائية تسقط فيها النيازك وتحتبس أفضيتها بأشباح لآدميين وحيوانات مقابل صحاري مبلطة وآبار مهجورة. أمكنة القتيل، كساكنيها، منزوعة الهوية؛ الأمر الذي يثير غربة مزدوجة في أعمال الفنان المغترب. إضافة إلى ذلك، فإن القتيل، على حد قول الفنان الفلسطيني نبيل عناني، «لم يكن مهتمًا بالهوية والصراع كسائرنا من الفنانين في ذلك الوقت. فقد اعتمد فنه على الفانتازيا والتحرر من محدودية الشكل والمحتوى».

شجرة الحياة (1999) ألوان خشبية وحبر على ورق.

غير معنونة (1999). ألوان خشبية وحبر على ورق.

تتجلى هذه الغربة في إطار مختلف وبأسلوب مغاير في القسم الثاني من أعماله التي تظهر بورتريهات مختلفة التعابير مرسومة من غير خطوط؛ فقط وجوه رملية متحللة بشفافية في خلفياتها الدافئة. نرى ذلك في اللوحة المدرجة أدناه التي تظهر وجهًا أصفرًا مبتسمًا يطفو فوق سطح أخضر. بالرغم من التقاسيم الآدمية التي تظهر في الوجه، من شفاه وعيون وحاجبين وأنف، إلا أننا نشعر أن الوجه هذا قد يكون وجه الشمس، خاصة مع وجود الظل البرتقالي المعكوس على السطح، لكننا لا نرى تضاريس جغرافية واضحة. لمن تبتسم هذه الشمس وعلى ماذا؟ خاصة في طفوه/ا بوحدة في الفضاء الخالي؟ وهل له/ا خصائص آدمية، فتكون مخلوقًا هجينًا كالآخرين؟

غير معنونة (1985). ألوان خشبية على ورق.

نرى هذا الابتعاد عن الهوية والتحرر المفتعل في تبهيت الفنان للفوارق الأنثوية والذكورية في رسمه للشخصيات التي تسود أعماله. ففي اللوحة التالية لشخص غير محدد الجنس في حضنه ديك. تقاسيم الوجه الحيادية والصلع (صفتان تتشاركهما جميع شخصياته) والرداء غير المزخرف والذي يحتمل أن يكون جلابية رجالية أو ثوبًا نسائيًا يعززان هذا الشعور بسيولة الهوية الجندرية بدلًا من هوية جامدة محددة بوضوح. نلحظ هذه السيولة في اللوحة التي يشار إليها لاحقًا للرجل الملتحي والذي تبان شفتاه مزينتين بأحمر الشفاه.

في بورتريه أخرى، مدرجة تاليًا، نرى وجه رجل (أو قناعه). مثل قرينه الذي نراه أعلاه، فإن الوجه هنا منفصل عن الجسد ويبدو أنه يطفو في مساحة سرمدية مجردة تمامًا من الخطوط التي اتسمت بها لوحات الجزء الأول بوضوح ملفت. يتحلل الوجه غير المحدد في المساحات الطرية التي تذكرنا باليوم المشمس الأول بعد شتاء طويل أو رحيق الكالونيا المنبعثة في فضاء الليل من حواف الشوارع. ترتخي أساريرنا في نظرنا مطولًا لهذه اللوحة لنلحظ فجأة أن هذا الوجه الذي يطالعنا والذي كان قد بعث كل هذه السكينة فينا هو رأس مقطوع لرجل (أو ربما إمرأة) متجهم، متألم كأنما في لحظة اندثاره في المجهول. هل تنبع بسبب ذلك مفارقة من نوع ما بسبب تضاد الجو العام للوحة مع الغرض المرسوم؟ أم أنه أسلوب «ساتيري» مبطن في أعمال القتيل؟ عادة ما تترجم كلمة satire في العربية إلى السخرية. إلا أن هذه الترجمة لا تعكس الفروق الدقيقة التي يحويها اللفظ. فالساتيري هو ما يعني أو يقصد عكس ما يبث أو يقدم. فمثلًا، يعتبر بعض الأكاديميين أن النص السياسي شديد الشهرة، «الأمير» لنيكولو ماكيافيللي هو نص ساتيري مع أنه نص سياسي جدي لا يتسم «بالسخرية». نستشعر هذه الساتيرية في أعمال القتيل، وخاصة في بورتريهاته. ففي وقوفي أمام هذه اللوحة لم أشعر بالأسى ولم يبعث البياض الخالي في عيني الرأس المتجهم الرهبة في نفسي. لا أصدق مشاعر الوجه المتجهم ولا أشعر بالضيق. أسمح لنفسي بالسباحة في فضائه اللذيذ غير المشوب بالحدود والأغراض المادية وتقلقلات العالم الفاني.

غير معنونة (1985). ألوان خشبية على ورق.

يتكرر التكنيك الساتيري في اللوحة غير المعنونة أدناه والتي تظهر رجلًا ملتحيًا يبدو أنه يصرخ. لكن الألوان الدافئة الحميمية التي تقع فيها الرسمة وانعدام الخطوط والحدود؛ إلى جانب تعابير وجهه مرتاح الأسارير تبين أن الرجل هنا لا يصرخ ولكنه ببساطة فاتح فمه. ربما يقوم بتمارين صوتية في الخلاء أو ربما يكشف عن فمه لطبيب أسنان غير مرئي في الفضاء. ففي لوحات القتيل نحن ببساطة غير متأكدين من كل ذلك: من المعنى في اللوحة أو السياق الذي نشأت فيه أو تأويلاتنا عنها.

غير معنونة (1985). ألوان خشبية على ورق.

جعلتني أعمال القتيل أتساءل إن كان هناك ضير في أن نوظف التحاليل خفيفة الوطأة في قراءة اللوحات هذه؟ هل يجب أن يكون لكل أجزاء الأجزاء في اللوحة معان مضاعفة؟ وفي سياق آخر، هل من الضرورة أن تعكس جميع أعمالنا بدقة الهوية الوطنية الفلسطينية؟ هل يقلل غياب الرموز الوطنية من قيمة عمل ما؟ تخيلت أنه لو كان الفنان حيًا وموجودًا معنا في المعرض، لربما كان سيتجول ويداه في جيبه مراقبًا إيانا في محاولاتنا تغطيس لوحاته بكل المعاني التي ربما لم يعنيها حين آثر أن تكون أعماله عبثية فضائية حرة.