علي رضا قرباني: سفير الموسيقى الصوفية إلى العالم

الثلاثاء 09 شباط 2016

بقلم علي عبيدات

يُصنّف المطرب الإيراني علي رضا قرباني في الغرب واحدًا من أقوى الأصوات الشرقيّة وقطبًا من أقطاب إحياء القصيدة القديمة بقالب موسيقي عصري، وهو من مطربي الطبقة الأولى في إيران بعد أن اكتسب من اهتمامه بشعر العارف الكبير مولانا جلال الدين الرومي شهرةً واسعةً جعلت منه سفيرًا للشعر الكلاسيكي الفارسي وللتصوف تحديدًا، وكذلك لاهتمامه بمتصوفة آخرين أمثال فريد الدين العطار وحافظ الشيرازي وشعراء القصيدة الكلاسيكية في إيران أمثال عراقي وخاقاني والفردوسي وباقي أعمدة الشعر الفارسي ليجعل شعرهم كلامًا سائغًا على لسان المستمعين، وإن لم يكونوا من مجيدي اللغة الإيرانية، حيث يكتفي المستمع بالاستمتاع بذكاء وحميمية صوته وموسيقاه المنتقاة بعناية دون حاجة لفهم اللغة.

علي رضا قرباني من مواليد مدينة طهران في العام 1972، تعلّم قراءات القرآن منذ طفولته على يد كبار الأساتذة في هذا المجال، وحفظ الشعر الفارسي القديم تمامًا كالمداحين العرب، ليبرع في مجال القراءات ويكون علامة فارقة بين أبناء جيله بصوته العذب. بدأ في عام 1985 بدراسة علم الصوت والموسيقى، وتعلق بالشعر الذي يتعلمه ويحفظه منذ طفولته، واستفاد في ذلك الوقت من نخبة الموسيقيين في إيران أمثال خسرو سلطاني وبهروز عابديني ومهدي فلاح وحسين عمومي وغيرهم.

قصيدة «لا تذهب بدوني» وهي من ملاحم جلال الدين الرومي الصوفية التي عزفتها أوركسترا عالمية وغناها علي رضا قرباني وانتشرت في مختلف أنحاء العالم:

أيُهَّا الفُلَك لا تدر بدوني، ويا هذا القمر لا تسطع إلا بي
أيتها الأرض لا تجوبي بدوني، وأيها الزمن لا تمض إلا بي
فهذا الكون بك أجمل، وذاك الكون بك أبهى
و لا كان هذا الكون إلا بك ولا أمسى بسواك.

انتقل قرباني من مرحلة الغناء في إيران ودول المنطقة إلى مرحلة العالمية مطلع العام 2000، فقام بجولة حول العالم برفقة المايسترو الإيراني العالمي وأحد أساتذته فرهاد فخرالدیني وعزفت خلفه أوركتسرا إيران القومية ليلمع اسمه في العديد من دول العالم ويصبح من أهم الأسماء الإيرانية على المستوى العالمي رفقة محمد شجريان ومجید درخشاني (صاحب فرقة القمر الموسيقية) وپرویز مشکاتیان (عازف السنطور الأول) وحسين علي زاده (صاحب نينوى) ومحمد رضا لطفي وغيرهم.

قصيدة «هُيَّام» من كلمات الشاعر الإيراني الكبير هوشنك ابتهاج وألحان الموسيقار مهديار علي زاده، تتحدث هذه الأغنية عن الخمر والثمالة الصوفية التي هي معرفة الله بدلالة صوفية اشتهر بها الشاعر هوشنك المعروف بولي عهد حافظ الشيرازي، وأدّاها قرباني بطريقة تحدّى فيها الطبقات الصوتية بلحن خفيف يبيّن قدرته العجيبة على الغناء:

تأهب أيها النادل فالخمر معبود هذا الثمل
وقد ارتوى لكنه ما انفك نشوةً بك.
واحسرتاهُ على قلبٍ استباحته ضرامة الحب
ابك دمًا يا بؤبؤ العين، فجلُّ هذه الفتنة من صنيعك.
رويدًا أيها الظل وستحظى بنصيبك
وستنال الأمنية الملتحفّة في قلبك الأمل.

وبتعرفه على الأستاذين علي تجويدي وفرهاد فخر الديني فتحت أمامه أبواب عالم الموسيقى الايرانية وخاض تجارب جديدة في الغناء، ليقدم العديد من الألبومات، أبرزها: «الأزهار» ( گلها) «الورقة الخضراء» (برگ سبز)، و«أغصان أزهار الراديو» ( شاخه هاي گل هاي راديو). وأشهرها على الإطلاق «شوق» وهو أول ألبوم موسيقى تم إصداره وتوزيعه في الأسواق من ألحان فرهاد فخر الديني.

ولقرباني باع طويل في كتابة موسيقى المسلسلات التلفزيونية الإيرانية منها «الحقيبة البريطانية» (كيف انكليسي) و«الليلة العاشرة» (شب دهم)، و«موسم المطر» (فصل باران) و«صمت المعزين» (سوكواران خموش)، و«وجهٌ في الشمس» (روي در افتاب)، وغيرها من المسلسلات التي لاقت رواجًا كبيرًا في إيران.

قصيدة «ليلة باردة» للشاعر الإيراني سهراب سبهري، الملقّب بشاعر الماء والريح، والذي دمج التصوف الشرقي بالغربي والهايكو بالعرفان، وغنّى له قرباني العديد من القصائد نظرًا للمكانة التي يحتلها في قلوب الإيرانيين. قدم قرباني هذه الأغنية إحياءً لذكرى الموسيقار الإيراني المعروف برويز مشكاتيان:

ليلةٌ باردةٌ وأنا آيلٌ للسقوط
والطريقُ بعيدةٌ وقدمي مُتعبة،
ها هُنا الظلمة والقمر ميت
لأعبر الطريق وحيدًا
والخلقُ بعيدون عني،
سحَّ الظلُّ عن الجدار
فتضاعف حمل حُزني فوق حمله،
سوادٌ قاتمٌ في حضرة هذا الغُبن
الذي حلَّ عليّ دون إذن
ليحيكَ قصص الخفاء،
ما من لونٍ سيتحدث معي
سوى قليل من صبر السحر القريب
كل نفّسٍ من هذا الصُراخ
هدأة على قلبي
آهٍ أيتُها الليلة .. ما أشد سوادك!
أين البسمة التي احتمت بقلبي؟
أين القطرة التي أودعتها بحري؟
أين الصخرة التي حملها أجهدني؟
مترعٌ هذا الليل بالندى
وتَسرّب حزني الملطخ بالأسى إلى قلوب الآخرين.

أصدر قرباني قرابة العشرين ألبومًا منها الأسطوانات والأغاني الفردية (سنجل) والحفلات التي سجلت ووزعت في شتى بقاع العالم، وله مشاركات في أغاني الأفلام السينمائية والأعمال الدرامية التي سجلت ووزعت بشكل منفرد بعد إعجاب الناس بها، على هامش مئات الحفلات التي قدمها قرباني في كل دول العالم.

في هذه الحفلة التي جمعت بين الفارسية والعربية، غنى قرباني مقتطفات من رباعيات الخيام بعنوان «النشوة» ومعه المطربة التونسية درصاف حمداني، ويعرف عن الخيام أنه من فحول الشعر الفارسي وصاحب الرباعيات الخالدة التي غنتها أم كلثوم والعديد من المطربين العرب والفرس نظرًا لعمق نظرته الوجودية والفلسفية والصوفية في العديد من جوانبها، ليقدمها قرباني ومعه درصاف بطريقة مميزة.

وفي زمن الموت الذي نحن فيه يواصل قرباني مسيرته الفنية بإشاعة المحبة والشعر الصوفي، مستندًا على الكلمات النورانية والألحان التي يجمع فيها بين هوية الشرق الموسيقية والآلات الغربية ليعاصر النهج الموسيقي العالمي.