الموسيقى البديلة: عن غياب الرؤية الإبداعية وفلسفة الفن

الخميس 06 آب 2015
usaid autostrad

أول ما يتبادر إلى الذهن حين نطرح موضوع الموسيقى البديلة للنقاش، هو كلمة «البديلة» نفسها، أي ماذا تعني، وما الذي تُعنى باستبداله. ثمة إجابات كثيرة محتملة: بديلة عن الموسيقى التجارية، أو الموسيقى الرائجة، أو موسيقى الـ«main stream»، أو الموسيقى الفارغة، أو الموسيقى المسلّعة المعدّة للاستهلاك العمومي؛ والمصطلح منقول -على الأغلب- من الـAlternative Rock، والذي يعرف أيضًا بالـAlternative، وهو مصطلح ظهر في الثمانينيات من القرن الماضي ويصف فرقًا وأنماطًا موسيقية من عائلة «الروك» الكبيرة من خارج النسق العام في الولايات المتحدة وبريطانيا، متمرّدة على متطلبات منتجي وموزعي الموسيقى المحددة بالانتشار وتحقيق الأرباح، تحوّل بعضها لاحقًا إلى التيّار العام ونجحت تجاريًا. أما عربيًا، فتبدو محاولة تعريف «الموسيقى البديلة» عندما يقاربها بعض المشتغلين فيها أو عليها ضربًا منالتهويم وعدم التحديد، والخلاف، ويرفض بعض الموسيقيين أنيحسبوا أنفسهم عليها.

في سياق الاجتماع والسياسة، تعتبر كلمة «البديل» كلمة كبيرة تستخدم عادة في السياقات الثورية أو التغييرية الشاملة، وتعبر عن تصوّر لمنظومة متكاملة تختلف بجذرية، وتتناقض إلى حد كبير أو كليّ، مع المنظومة القائمة أو السائدة؛ وهي أيضًا تعبّر عن محاولة فاعلي هذا التصوّر تحقيقه في الواقع؛ لذلك نقول –مثلًا- أن الشيوعيّة هي النظام البديل للرأسمالية، أو أن الديمقراطية الشعبية هي بديل الديكتاتورية الشمولية. والبديل يكون دائمًا مشروعًا مستقبليًا، في الزمن القادم، أما ما يريد البديل استبداله فهو مشروع قائم، في الزمن الحاضر، ومتى استتب الأمر للبديل وأصبح مشروعًا قائمًا، فهو يتوقّف عن كونه بديلًا.

في سياق الأدب والكتابة والفكر، والفن بالمجمل، لا أعتقد أن ثمة متسع للانقلابات الجذرية، فكل عملية إبداعية هي نتاج التاريخ المتراكم لما سبقها من إبداع، ومحاولة لتجاوزه. ثمة كلمة أحب أن أستعملها بكثرة في موضوع الأدب هي «الجديد»، هكذا يصير المصطلح هو: «الأدب الجديد» أو «الكتابة الجديدة». الجديد لا يستدعي إلغاءً أو تغييرًا أو انقلابًا، بل يتضمن الاستفادة مما يأتي به الزمن من تغيّرات واكتشافات ومعارف؛ يوجد «الجديد» في الحاضر، يقف على ما أنجزه الماضي (القديم)، متطلعًا إلى المستقبل (الأجدد أو الأحدث).

يقوم الجديد على التجاوز لا الاستبدال، والتجاوز يعني ضمنًا الاستيعاب والهضم لما سبق من فنّ أُشبعت تقنياته وثيماته وصار «كلاسيكيًا»، دون أن ننسى أن كل كتابة كلاسيكية كانت في زمنها جديدة أو طليعية قبل أن يسير الزمن في رحلته التي لا تتوقّف إلى الأمام، ودون أن ننسى أن كل كتابة جديدة لا تتحوّل لاحقًا إلى كلاسيكية، يكون أمر جدّتها مشكوكًا فيه.

السؤال الذي ستحاول هذه المقالة الإجابة عليه هو: هل قدمت الموسيقى البديلة بديلًا موسيقيًا ما يتناقض مع، ويُغيّر، ما سبقها؟ وهل قدّمت «جديدًا»؟

الموسيقى البديلة والتسليع

لا أعرف متى نشأ بالضبط مصطلح الموسيقى البديلة، ومن أول من استعمله، لكنني أستطيع أن أحدد منتصف العقد الأول للألفية الثانية كنقطة لبدء رواج هذا المصطلح، وهي نقطة تتزامن بشكل واضح مع نشوء شركات إنتاج «مستقلة» لإنتاج وتوزيع وترويج هذا «النوع» الموسيقي مثل Incognito وForward (من بعدهما «إيقاع» وغيرها من شركات)، وظهور التمويل لهذا النوع من المشاريع الموسيقية من قبل بعض السفارات، أو من خلال بعض الصناديق العربية لدعم الثقافة ذات الأسماء المحلية والتمويل الخارجي المرتبط بالحكومات والإيديولوجيا الليبرالية، فمثلًا، يتلقى الصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق تمويلًا من مؤسسة فورد ومؤسسة المجتمع المفتوح – سوروس، أما مؤسسة المورد الثقافي فتتلقى تمويلًا من فورد وسوروس والاتحاد الأوروبي وباقة من المعاهد الثقافية الأوروبية التي تتبع وزارات الخارجية في بلدانها، وكلا الصندوقين لعبا دورًا أساسيًا في دعم «الموسيقى البديلة». (أنظر مثلًا متلقي منح صندوق «آفاق» من الموسيقيين هنا). تحري أثر التمويل على هذه المشاريع الموسيقية يحتاج بحثًا خاصًا، لكن التمويل بشكل أساسي يهتم بالموسيقى في نطاق تفريغ الطاقات التغييرية وتحويلها بعيدًا عن مساحات الصراع الاقتصادي، باتجاه مساحات حرية التعبير وحرية المشاركة السياسية ضمن محددات الليبرالية: حق التعبير عن الرأي دون حق التأثير المرتبط بالقوة الاقتصادية المصادر لصالح الأقلية أصحاب رؤوس الأموال.

في عالم السلعة، هناك ضرورة ماسة ومحددة للتصنيف، من أجل استهداف شريحة محددة من المستهلكين، ومن ثم البناء على هذه الشريحة وتحويلها إلى مجموعة من «المنمّطين»، لهم «هويّة» استهلاكية معيّنة ينبني عليها ولاءهم للسلعة. في عالم التسويق تسمى هذه العملية: Branding، والصنف الناتج عنها: Brand (وحيث أن لا ترجمة عربية دقيقة لهذه الكلمة، فسأترجمها كالتالي: Branding = التّعليم، أي ترك علامة على الشخص، وBrand = التّعليمة، أي العلامة الناتجة عن فعل فاعل يقصد التّعليم).

الموسيقى البديلة، برأيي، هي تعليمة (Brand) نشأت من حاجة شركات الإنتاج «المستقلة» لتسويق منتجاتها الموسيقية، وخلق تميّز ما لها يبرّر أحقيّتها بالاستهلاك عن الأصناف الأخرى، وتأسيس رابط لها مع المستهلك المستهدف، وهويّة تجمعهما في نمط؛ كما نشأت من حاجة المموِّلين لتعليمة تُحدّد من هم الموسيقيون الذين سيتم التعامل معهم بشكل أساسي (شبّان، منفتحون، متمرّدون…إلخ)، ومن هو جمهورهم (شبّان، منفتحون، متمرّدون…إلخ)، ومعروف للجميع ولع الحكومات الغربية ومؤسساتها التمويلية بالتصنيف والتغليف ووضع الأشياء في جداول وأنماط، وهو ولع متوارث من أشكال الأنثربولوجيا الاستعمارية.

بالمعنى الذي تطرحه الموسيقى البديلة عن نفسها، كان ثمة «موسيقى بديلة» دائمًا، لكن الحاجة إلى وضعها داخل تعليمة لم تنشأ إلا لاحقًا مع دخول التمويل.

قبل هذه الشركات وجهات التمويل لم يكن ثمّة حاجة لكلمة موسيقى بديلة. مثلًا: فرقة «رم – طارق الناصر» الأردنية كانت موجودة قبل المصطلح بكثير، ولم أسمع أن أحدًا سمّاها «فرقة موسيقى بديلة» حتى عام 2008. قبل «الموسيقى البديلة» كان ثمة شخص اسمه سيد درويش أحدث ثورة حقيقية في الموسيقى العربية يجزم كثير من نقاد الموسيقى أنها ما زالت حتى اليوم قائمة دون أن يتم تجاوزها، وكثيرًا ما تستعاد أغانيه من قبل الفرق الموسيقية «البديلة»، وكذلك الأمر مع الشيخ إمام الذي يُستعاد أكثر. طيّب ماذا نسمي «الشيخ إمام»؟ مارسيل خليفة؟ سامي حوّاط؟ زياد الرحباني؟ فرقة بلدنا؟ ناس الغيوان؟ حركة الراي الجزائرية بكل تياراتها؟ رينيه بندلي؟ وغيرهم كثيرون لا يسعني ذكرهم هنا.. ماذا نسمي كل هؤلاء؟

بالمعنى الذي تطرحه الموسيقى البديلة عن نفسها، كان ثمة «موسيقى بديلة» دائمًا، لكن الحاجة إلى وضعها داخل تعليمة (Brand) لم تنشأ إلا لاحقًا مع دخول التمويل الذي يريد استهداف «شرائح من الشباب» من جهة، وشركات الإنتاج الجديدة التي تريد تسويق هذه الموسيقى لجمهور محدد (هو نفس الشريحة المذكورة) وبناء علاقات ولاء استهلاكي معه. وبهذا المعنى تكون «الموسيقى البديلة» التي كانت موجودة قبل نشوء المفهوم أكثر «بديلية»، لأنها كانت عن حق خارج المؤسسة وخارج التسليع وخارج ألعاب التمويل والمنح، وموجودة داخل دائرة مناهضة التيار العام بالمعاني الإبداعية والانتاجية والسياسية وغيرها، بل وفي مواجهة معه بالفعل لا بالادعاء: كاسيتات الشيخ إمام الممنوعة كانت مشاعًا للنسخ بين الناس، وتسجيلاته غالبًا ما كانت تتم بأدوات بدائية في جلسات خاصة مغلقة؛ أما أغنية رينيه بندلي «دوّرها» فكانت «تحت الأرض» إلى درجة أنها وصلتني أيام المدرسة في الثمانينات شفهيًا وحفظتها، ولم أسمعها بأذني حتى ظهور عصر الإنترنت أواسط التسعينيات.

قد يجادل البعض أن الوضع الحالي للموسيقى البديلة يسير مرّة أخرى باتجاه الاستقلال والمشاعيّة الموسيقية والبث الذاتي من خلال الـYouTube والـSoundcloud وغيرها، لكن هذا الوضع لم ينتج بدفع من «حركة» الموسيقى البديلة نفسها، بل نتج عن تغيّر سوق الموسيقى بسبب ظهور وسائط التخزين المرنة من حيث النسخ، والإنترنت، ومواقع القرصنة والتشارك الالكترونية، وهو ما أدى إلى تغيّر مصادر الأرباح الناتجة عن الموسيقى، الأمر الذي دفع بصناعة الموسيقى عالميًا إلى التحوّل: فانعكس الحال حين صار الدخل الذي كان يتحقق سابقًا من بيع الألبومات الغنائية مدعومًا بالحفلات الموسيقية، يتأتى أساسًا من الحفلات الموسيقية المدعومة بالإصدارات الغنائية، نظرًا لسهولة الحصول المجاني أو الرخيص الثمن على الأغاني نفسها.

لم تتحرّر الموسيقى البديلة (كتوجه عام) من التسليع، بل راهنت بشكل أو بآخر على التحوّل إلى سلعة، والحلم بشركة إنتاج تحوّلها إلى مادة للتداول الواسع وتحقيق الأرباح، وتخيّل جهات مموّلة (لا يهتم الكثيرون بارتباطاتها وماذا تمثّل) تدعم حفلاتها وتأخذها إلى «العالم الآخر» الأوروبي أو الأمريكي. يبدو أن هناك استقلالًا ظاهريًا أو مُدّعىً، يقابله ارتهان واقعي «للمؤسسة» التي يُراد الاستقلال عنها، والأمثلة كثيرة: منها إحدى الفرق البديلة التي تنشط في الأوساط اليسارية المناهضة للإمبريالية تحيي في ذات الوقت حفلات للسفارات وللاتحاد الأوروبي، وثانية تشارك في إعلان مموّل من الـUSAID -ذراع التمويل الخارجي للحكومة الأمريكية-  لقطع توفير المياه، وثالثة تهاجم أغانيها من طراز «الهيب هوب» كل شيء وتتمرّد عليه وتدعو للتحرّر والتحرير بينما تقيم حفل إطلاق ألبومها آخر الأمر برعاية مركز حماية حرية الصحفيين الذي لا يُخفي علاقاته التمويلية مع السفارة الأمريكية، وهو ذات المركز الذي شارك رموز من «الفن البديل» و«المقاوم» في مؤتمره في عمّان قبل أشهر؛ وأخيرًا (وليس آخرًا) صار أحد نجوم الموسيقى البديلة نجم دعاية لـ«هيد آند شولدرز».

يصف الكاتب يزن الأشقر الموسيقى البديلة بأنها «شيء خارج التجاري والمعتاد»، لكننا هنا (ونحن نتحدّث عن التسليع والتبعية للمؤسسة الانتاجية أو التمويلية أو الحكومية)، لا نجد من هذا التعريف شيئًا كثيرًا على أرض الواقع، الأمر الذي يقودنا إلى سؤال يتعلق بتمثلات ومفاهيم الفن، وتعريفات الثقافة والمثقف، وانطباقهما على الموسيقى البديلة وفنانيها.

هل الموسيقى البديلة مثقفة؟

تقولالأغنية البديلة: «وانا بُكره مْعَطِّل، وانتَ مْدَاوِم؛ وانا بُكره مْدَاوِم، بَسْ بَعْدُه مْعَطِّل؛ انا بعده معطّل، لأْ يمكن ابَطِّل؛ صارْلي تلاتين يوم مِشْ نازل عالحارة، ولا شارب قهوة ولا مدخن سيجارة، بَسْ حبيبة قلبي، التَّلاتا إجتني زيارة؛ مِشْ قادر أدخن، أنا صدري مْسَكِّر، أنا لازم أوقِّف، أنا لازم أخِّفف».

كيف يمكن أن نفصل كلمات هذه الأغنية عما هو «تجاري» و«رائج» أو يستجدي الرّواج؟ السطحيّة والخفة والسهولة، و«الترقيص» -إن توفّر- هي المقومات المطلوبة لأي أغنية تجارية: سهلة الدندنة، سهلة الحفظ، سطحية على العقل لا تُغلّبه أو تزيد أعباءه أو تفتح له آفاقًا للتفكير، وتتعامل مع ظواهر الحياة الأساسية (العواطف والأحلام والعمل) بسذاجة تليق بالتسلية وتزجية الوقت أثناء القيادة، وقد تأخذ نقاطًا إضافية إن كانت تصلح لبثها في الأعراس والنوادي الليلية.

الفنان مثقف بالضرورة، وإلا كانت رؤيته الإبداعية فارغة ينتفي عنها الإبداع، وبالتالي لا تعود فنًّا.

من هو المثقف وما هو دوره؟ وما هو الفن وكيف نعرّفه؟ هذه أسئلة أساسية لأي محاولة لإنتاج عمل إبداعي، وعلى الفنان أن يمتلك مشاريع إجابات عليها، وأن يمتلك إجابات أخرى تتعلق برؤيته الإبداعية عن العالم، وهي الرؤية التي يفترض فيه أن يقدمها في فنه. المثقف مزيج من الفكر؛ والممارسة؛ والاتساق؛ والاشتباك اليومي مع الأفكار التي يطرحها، ومع آثار أفكاره في الواقع. والفنان مثقف بالضرورة، وإلا كانت رؤيته الإبداعية فارغة ينتفي عنها الإبداع، وبالتالي لا تعود فنًّا، وأزعم أن إمكانية نشوء فنان (كاتب، موسيقي، تشكيلي، إلخ) خارج الثقافة والتثقف والتثاقف والاشتباك الثقافي مع الأفكار من جهة، ومع العالم الموضوعي من جهة أخرى، مستحيلة.

كثيرًا ما يسأل كاتب ناشئ كاتبًا كبيرًا: «بماذا تنصحني لأطوّر كتابتي؟» وكثيرًا ما تكون الإجابة: «أنصحك بالقراءة، الكثير منها». والقراءة يجب أن تكون في كل فروع المعرفة من الفلسفة إلى العلوم والآداب. هذه الإجابة تنطبق تمامًا على كل فروع الفن. ثمة كتاب عن الفن التشكيلي المعاصر عنوانه سؤال، والسؤال يقول: «لماذا لا يمكن لابنك ذو السنوات الخمس أن يرسم مثل هذه اللوحة؟». هناك مئة لوحة أو عمل فني في الكتاب يتم استجواب كل واحدة منها تحت سوط هذا السؤال، والإجابة تكمن دائمًا في المعرفة المستبطنة فيها، والرؤية وفلسفة الفن المتعلّقين بالفنانين الذين أنتجوها. عندما ضرب لوتشيو فونتانا القماش بسكينه (لوحة غلاف الكتاب)، فعل ذلك في سياق معرفيّ وفلسفة متعلقة بالفن والعالم، لذلك صار ذلك العمل (قماشة فارغة فيها مزع ناتج عن السكين) إيقونة من إيقونات الفن المعاصر. الوعي وفلسفة الفن هما الفرق بين الفنان والطفل ذو السنوات الخمس. هل مثل هذا حاضر في مشهد «الموسيقى البديلة» ليميّزه عما هو تجاري أو مسلّع أو فارغ؟

شرط الفنان: مقاومة التسليع

يعالج المقال أعلاه ظاهرة «الموسيقى البديلة» بعموميّتها كـ«حركة»، وبالتأكيد لا ينطبق الكلام المذكور أعلاه على كل الموسيقيين ممن قد يُصنّفون في إطارها. ثمة إشادة أريد أن أقدمها لتجارب جديدة في الأردن مثل «المربّع»؛ و«زائد ناقص» في بعض أعمالهم غير الاستسهالية؛ والكلمات العميقة المشغولة بفنيّة عالية التي يقدّمها «كاز الأمم» (أحمد شحادة) في استمرار لتجربة «ترابية» في الهيب هوب والراب؛ كما أشير أيضًا إلى تجربة يعقوب أبو غوش وفرقة «زمن الزعتر» الأقدم؛ وأبو غوش من القلائل الذين يستطيعون التنظير حول مشاريعهم الموسيقية، رغم أنه لم ينتقل بهذا التنظير إلى الشكل الكتابي حتى الآن، وأتمنى لو يفعل. تجمع هذه التجارب بين المقدرة التقنية والمقاربة المعرفية للموسيقى، وأتمنى أن تظلّ على «إخلاصها» هذا للنوع على حساب الانتشار، وللفنّ على حساب السلعة.

لا يهمّ الاسم أو التعليمة (Brand)، بديلة أو مستقلة أو تحت أرضية، المهم هو الإجابة على سؤال: هل هذه الموسيقى جيّدة ومشغولة برؤية ومعرفة واحتراف، أما هي غير ذلك؟ هل هي متسقة مع نفسها، مثقفة، عارفة، تتثقف وتتثاقف، أم هي غير ذلك؟ لا يعني الاستمتاع بالأغنية تحوّلها التلقائي إلى فن رفيع، فقد يرقص المرء على أغانٍ لعمرو دياب ويستمتع، لكن هذا لا يجعل منها فنًّا رفيعًا. التسلية (Entertainment) شيء والفنّ شيء آخر. ولا يعني النجاح التجاري للفنّ –إن تحقق، وهو نادر- انتقاصًا من شأن الفن أو الفنان: محمود درويش نجح في الأمرين معًا، لكنه حالة نادرة، والغالب أن «السوق» و«الصناعة» و«ما يطلبه الجمهور» هي التي تفرض شروطها، فيصير شرط الفنان –بهذا المعنى- أن يُقاوم «السوق». هذا هو الأمر الصعب حقًا.