أسبوع عمّان للتصميم: خطوة أولى نحو تصميم عمّاني

الإثنين 19 أيلول 2016
جانب من أحد معارض الأسبوع في هانجر راس العين. تصوير حسام دعنة.

استطاعت النسخة الأولى من أسبوع عمّان للتصميم الذي أُقيم مؤخرًا في وسط العاصمة أن تجذب عددًا من المصممين الأردنيين والعرب، الذي شاركوا بتصاميم مختلفة، كان بعضها تفاعليًا وبعضها الآخر تجريبيًا، فيما قدّم عددٌ منهم تصاميم مستوحاة من التراث وعناصر المدينة.

للمرة الأولى في الأردن يُقام معرض للتصميم بهذا الحجم وعلى هذا المستوى من التنظيم، إذا انتشر الأسبوع في مواقع مختلفة ومتنوعة حول المدينة؛ كانت المواقع الأساسية فيه: مجمّع رغدان (حي الحِرف) ومتحف الأردن (مساحة الصنّاع) ومعرض الهانجر في راس العين، لكن فعاليات أخرى أقيمت بشكل متفرق في عدة أماكن، منها: ديوان الدوق، محترف رند الحاج حسن، جاكراندا، فندق اللوكندة، تيربو، بوليفارد العبدلي، وغيرها من الأماكن.

العمل على تنظيم أسبوعٍ للتصميم بهذا المستوى العالي لم يكن وليد أيام، بل جاء بعد تخطيط ودراسة استمرت لما يقارب العام ونصف. فقبل انطلاق النسخة الأولى من أسبوع عمّان للتصميم، أجرى فريق عمل متخصص، يضم مجموعة من المهندسين المعماريين الشغوفين، دراسةً حضرية حول ما يسمى بـ« رواق الثقافة».

تقول رنا بيروتي، المديرة المشاركة للأسبوع، إن المنظمين عملوا مع أمانة عمّان الكبرى على التخطيط الحضري للأسبوع، وإن فريق العمل ركز على إشراك أفراد المجتمع المحلي بفعالية في القرارات المتعلقة بمدينتهم ومكان إقامتهم وما سيؤثر على حياتهم. تقول بيروتي «قمنا بوضع مواقف الباصات في الأماكن التي طلبها سكان المنطقة. وضعنا مجموعة من السياجات وحين اعترض عليها السكان أزلناها، وأخذنا منهم ردودًا عن أسباب تراكم النفايات بهذه الطريقة، وغيرها من الأسئلة. نحاول أن نعمل مع سكان المنطقة كجزء من عملية التصميم ولهم دور في تصميم المنطقة».

جاءت فكرة أسبوع عمّان للتصميم كما توضح لنا بيروتي «بهدف إيجاد منصة لدعم المصممين في عمّان والمنطقة، وكان من المهم بالنسبة لنا أن ينطلق الأسبوع في سنته الأولى من وسط البلد، وأن تكون منصة مجانية مفتوحة للجميع، فاخترنا ثلاثة مواقع، وبالمشاركة مع أمانة عمّان قمنا بإعادة تهيئتها، في هانجر راس العين الذي يضم تصاميم لمصممين أردنيين وعرب بإشراف وتصميم المهندس سهل الحياري ويُسلط الضوء على التصميم المحلي، ويعزز فكرة أن التصميم المحلي لا يمكن تصنيفه بل هو تحول، ويتنقل بين الأماكن والأزمان والثقافات».

لكن أسبوع عمّان للتصميم لاقى ردود فعلٍ متباينة بين المصممين والفنانين، فبينما رحب جزء منهم بالأسبوع وجد جزء آخرٌ أنه مشروع نخبوي لا يمثّل أطياف المجتمع كافة.

تقول المصممة المُقيمة في بريطانيا دانة عبد الله أنها شعرت بهذه النخبوية في تجربتها خلال الأسبوع. «أول يوم ذهبت فيه إلى الهانجر وأدركت أن الناس تُشاهد الأشياء دون فضول أو تفاعل معها شعرتُ أن هناك خطأ ما (..) في متحف الأردن شعرتُ نفس الشعور، ولم نستطع إقناع الناس بالدخول للمعرض. ليس من المفترض أن يكون نخبويًا (..) التصميم له هدف واضح، وعليه أن يتفاعل مع الناس الذين يستخدمون التصاميم، وهذا مختلف عن الفن». لكن عبد الله لا تعتقد أن توجه أسبوع عمّان للتصميم نحو النخبوية بقصد. « لكن عادةً هذا ما يحدث عند التخطيط لحدث كبير بهذا الحجم».  

تقول دانة «أنا ناقدة شديدة للأسابيع التصميم بشكل عام، لأنني أجد أن الهدف هو ترويج ذائقة عامة وأثاث وهذا لا يمثّل التصميم. أسبوع عمّان كان مختلفًا ومميزًا، لكنه في النهاية معرض، والتصميم ليس معرضًا وأعمال جاهزة معروضة، إنه حدث تفاعلي».

img_4519

جانب من معرض الهانجر.

تقول بيروتي «للأسف واجهتنا انتقادات أن أسبوع عمّان للتصميم برجوزاي ولا يشمل التنوّع الأردني، ولكن واحدة من أهم أهدافنا كانت ألا يكون الأسبوع طبقي أو برجوازي، ولهذا السبب كانت جميع الفعاليات مجانية والمشاركون فيه ليسوا من طبقة واحدة، وليسوا جميعًا من خلفيات درست التصميم والهندسة سواء في الأردن أو الخارج».

تضيف بيروتي أن المنظمين حاولوا الوصول إلى «الفئات التي لم يصل إليها أحد، الأشخاص من خارج الاختصاص لكنهم موهوبين. لم يكن أي شيء في المعرض يُشير إلى شرق أو غرب عمّان. نحن نتحدث عن عمّان بكافة أطيافها. ونسعى لإقامة الأسبوع في أماكن متنوعة أكثر، وفي فضاءات مفتوحة».

يرى القائمون على الأسبوع في رسالتهم التي نشروها عبر موقعهم الإلكتروني وفي الكتيب أن المصمّمين المحليين ينزعون اليوم للابتكار ضمن قيود الثقافة البصريّة المحليّة في التصنيع والموارد. ومن هنا «عمل هؤلاء المصممّون، سواءً عبر موجة إعادة تدوير مواد من ماضينا، أو بالاحتفاء بالعصاميّة باستعمال أدوات المستقبل الرقميّة، على التجريب باستعمال التقنيات غير الآليّة، والتلاعب بالمواد المتوفّرة محليًّا. لتولد تصوّراتهم الملهمة، ضمن القيود السائدة، من الحوار بين الحرف التقليديّة والممارسات المعاصرة. إذ تعرّف البيئة المحليّة عمليّاتهم الإبداعيّة، خالقين، بذلك، لغة تصميم فريدة عالميّة في تطبيقها، ومتجذّرة، بنفس الدرجة، في عمانيتها الخاصّة».

لكن الحقيقة أن مُعظم الأعمال المعروضة في الهانجر كانت تجريبية إلى حد ما وتبتعد عن هذا التعريف. هذه الأعمال كانت على مستوىً جيد وأحيانًا أكثر من ذلك، واستطاعت بعض الأعمال المعروضة في الهانجر أن تلفت انتباه الحضور، سواء من حيث فكرتها أو تصميمها. لكنها لم تتقيد جميعها بإطار الثقافة البصرية المحلية كما روّج القائمون عنها، بل أن العديد من الأعمال كانت هندسية تجريبة، وبعضها الآخر كان معاصرًا.

المهندسة المعمارية ميس العزب شاركت في معرض الهانجر من خلال مرسمين من الخشب مصمميْن بطريقة يمكن قراءتهما وكأنهما قطعة نحتية واحدة. تقول العزب أن «الهدف من التصميم هو إعادة تعريف جماليات المرسم الذي يكون عادةً قطعة خدمية ولا نلتفت لجمالياتها. يتكون العمل من قطعتين بقياسين مختلفين، كل قطعة مخالفة للأخرى من حيث الاتجاه، فإذا استخدمنا القطعتين للعرض يعطينا مجال أن نستعملهم بطريقة تسمح للزائر أن يتحرك حولهما، مما يتيح له فرصة الإحساس بالمكان أكثر مما لو كان ينظر إلى لوحات معلقة على الحائط. من خلال طريقة العرض هذه يصبح المرسم جزء من العرض ومكمّل للوحة». كما يتيح هذان المرسمان المجال لرسامين للعمل على لوحتيهما بنفس الوقت دون أن تتعدى لوحة على أخرى، ودون وجود تضارب بين أسلوب الفنانين في الرسم.

14196083_1397256770303715_8281842000282991294_o

«بجماليون»، عمل لِميس العزب.

وجدت العزب أن المشاركة في الأسبوع كانت مهمة بالنسبة لها، وأن الأسبوع في نسخته الأولى كان ناجحًا من حيث «طريقة عرض الأعمال ومن حيث التنظيم الذي يؤثر بشكل حقيقي على إبراز أهمية الأعمال المشاركة. أحببت التنوع الموجود في التصاميم، والاختلاف الظاهر بين الأعمال المعروضة بجانب بعضها بعضًا. إذ من غير المتوقع أن نرى في معرض أعمالًا تجريبة إلى جانبها تصاميم لملبوسات ومنحوتات وأعمال خشبية وتصاميم صناعية».

المصممة كاتيا التل شاركت أيضًا بقطعتين تجريبيتين مصنوعتين من الخزف، حيث أن شكل التصميم عضوي ويمكننا أن نقوم بإدارته بكافة الاتجاهات حتى يستطيع المتفرج أن يصنع الشكل الخاص به من خلاله. تقول التل «اخترت لون النيلة للقطعة لأن له دلالات روحانية عالية ويعبر عن الارتقاء الروحي. كل طبقة من الطبقات تُشكّل مرحلة من مراحل السمو الروحي».

14289868_1397257820303610_1130172222032752393_o

«إندِغو»، عمل لكاتيا التل.

فيما جاءت مساهمة المهندس المعماري والمُصمم المقيم في دبي، جعفر الدجاني، من خلال تصميم طاولة بعنوان «طاولة جبل عمان»، الشكل الأساسي لها مصنوع من ثمانية دواوير يشكلون العامود الفقري الذي يجمع المدينة مع بعضها. يقول الدجاني «استخدمت مواد نراها أثناء العبور من الدوار الأول للثامن؛ المعدن، الحجر، ألوان الشارع والزجاج وغيرها. تم صناعة الطاولة من مواد مُعاد تصنيعها».

14241674_1395682360461156_7359217976568169334_o

«طاولة جبل عمان»، جعفر الدجاني.

أما مساحة الصنّاع في متحف الأردن، فقد ضمت معرضًا صغيرًا يحتوي بضعة أعمال تم تصميمها باستخدام تقنيات التصنيع الرقمي والطابعات ثلاثية الأبعاد والأجهزة السمعية والبصرية. لم يكن هناك تنوع كبير في الأعمال وكانت المشاركات قليلة.

ترى بيروتي أن «متحف الأردن»، «هو موقع مهم بالنسبة لنا وفيه مقتنيات كثيرة. أردنا أن نأخذ من هذه المقتنيات التي تتحدث بداية من استخدام الأدوات وتوظيفها والتلاعب بها في التصميم، وأن نضع التصميم المعاصر والمبني على التكنولوجيا إلى جانبهم، فتبدو التصاميم محاولة للمزج بين الحاضر والماضي».

حي الحِرف الذي أقيم في مجمّع رغدان السياحي احتفى بتراث الحرف المحلية ومراحل تطورها، وضم المعرض الذي تمَّ تصميمه وتنسيقه من قِبل المعمارية دينا حدادين، حرفيين من أنحاء المملكة. كما عرض نتاج التعاون بين الحرفيين والمصممين المتخصصين لمنحهم فرصة تبادل الخبرات.

adw_intext_dinanew

جسر من تصميم دينا حدادين في مجمع رغدان السياحي.

تُشير بيروتي إلى أن مجمّع رغدان السياحي هو الموقع «الأكثر أهمية» للأسبوع، فهو المهجور منذ العام 2008، بعد أن فشلت كل محاولات تفعيله. إذ كان من المفترض أن يكون المجمع الجديد للباصات، لكن فشل المشروع بسبب عدد من الأسباب، كانت حركة السير أحدها، ومن ثم تحول إلى مبنى تجاري ولكن ارتفاع الإيجارات حال دون تأجيره. تقول بيروتي «هذا المبنى جميل جدًا وفيه إمكانات عديدة، وأردنا من خلال هذا الأسبوع أن نُظهر إمكانات هذا المبنى في حال تفعيلها. أحضرنا حرفيين من أنحاء المملكة وجمعناهم مع مصممين، وتحول المكان إلى ورشة تعليمية، حيث تعلّم المصصمون عن عملية التصنيع والأدوات والمواد، فيما استفاد الحرفيون من مبادئ التصميم المعاصر، كان التعاون بين الفريقين تعليمي».

فعالياتٌ ومعارض أخرى أُقيمت خارج صالات العرض الرئيسية، لكنها لا تقل أهمية عن العروض الرئيسة، إضافة إلى ورشات عمل متنوعة وعروض لصناعات غذائية محلية وموسيقى ومسرح وغيرها من الفعاليات المتنوعة.

جميع الصور من صفحة أسبوع عمان للتصميم، بعدسة حسام دعنة.