رواية الشهبندر لهاشم غرايبة: عمان في الثلاثينيات

الخميس 15 شباط 2018

(ربما يرد في هذا النص ما قد يعتبره البعض حرقًا لأحداث الرواية، ولذا وجب التنويه) 

كنت قد ربحت إصبعًا وسطى حين ذهبت إلى المكتبة لأحصل على رواية هاشم غرايبة الأخيرة «جنة الشهبندر»، فأخذت من دون وعي مني رواية الشهبندر التي صدرت عن دار الآداب، عام 2003، لنفس الكاتب. وبعد أن قرأتها أستطيع القول إنني لم أندم أبدًا.

إضاءة على أحداث الرواية

نفتح الصفحة الأولى على محمد علي الجمّال «الشهبندر» وهو يعلن لنا عن موته، وسعادته في نفس الوقت وكأن هذا الكتاب الذي دخله قد منحه حياة جديدة: «لم أكن أشطرهم، بل كنت أكثرهم إقبالًا على الحياة، لهذا أشعر بالفرح الآن، وكأن الكتاب الذي دخلته (..) ماذا تسمونه؟ قد منحني حياة جديدة». ثم يرجع في ذاكرته ويبدأ في الفضفضة ناسيًا أنه مات، فيمعن النظر في حياته بعمق أكبر وينتبه إلى تفاصيل يغفل عنها الأحياء: «إنك لا تنتبه للتفاصيل التي مرّت بك إلا بعد أن يكتمل المشهد، أي بعد أن تموت، فقد كان لي دخل جيد، وأسرة أليفة وعشيقة رائعة، وكان لي زملاء عمل مرحون». كان والده -كما يتضح من اسمه- جمّالًا ينقل بضاعة التجار على الجمال، حظي بمعارف شتى وساعده ذلك على أن يدفع بابنه إلى التاجر عزات في الشام ليعلّمه فن التجارة. تعلم من هنا وغادر من هناك رافضًا أن يبقى تحت كنف التاجر الشامي، ورجع إلى عمان وفتح «مصلحته» لوحده، وبدأ يتعلم من كيسه كما يقول المثل، وصار يطور شيئًا فشيئًا، انفتح على الاستيراد من الخارج عبر القطار وهو يقول وداعًا للجمال، وداعًا يا سيارات الشحن المكلفة! ليصبح بعد مدة أول من يسنّ فكرة الفصل بين البضائع وتخصيص محال متعددة لها، فدكان للسمانة وآخر للقماش وثالث للأحذية وهكذا.

صعد مع الزمن من صعد وطاح من طاح، وكوّن السوق للشهبندر منافسين شتى، أبرزهم مجيد العبكيكي وسليم الدقر، وعندما وصل ذروة مجده وازدهار تجارته حُرق دكان سليم الدقر واتهم بحرقه فصارت حكايته على لسان الجميع في عمان، حيث لكل قاصٍ أن يزيد بصمته الخاصة وبهاراته التي لا يعرفها أحد. تدحرجت الإشاعة وتضخمت مثل كرة ثلج نازلة على منحدر، وتفرّعت وحادت عن مسارها لتشمل سهراته مع إلياس أفندي حتى الفجر، سهرات شملت موسيقى كلاسيكية شرقية وغربية وشطرنج وكحول، وعلاقته مع لوليتا، اللبنانية المصرية من أصل إيطالي -على حد تعبيرها- والتي انتقلت إلى عمان وفتحت مقهى وعشقت الشهبندر: «أحب القطارات، وأجيد لعب الشطرنج، وأشرب قليلًا من الخمر لتنعش الروح، بحسب تعبير نديمي وصديقي إلياس أفندي، وأعشق لوليتا».

بعد هذه الفضيحة اعتزل الشهبندر في بيته للقراءة والعبادة والتصوف، وترك الخمر ولوليتا لكنه بالطبع بقي على صداقة معها ومع إلياس، ولولا ابنته سلمى لانهارت تجارته وأغلقت محاله جميعًا، سلمى التي رفضت إكمال تعليمها العالي واختارت أن تفتح مشغلًا للخياطة وصارت سيرتها في كل مكان، تلقت الصدمة وابتلعتها وبدأت تشرف بنفسها على أعمال والدها، بل وفتحت قبلها محلًا للملابس واشتركت بعدها في مصنح للثلج والبوظا، متحملة مزيدًا من كلام المجتمع الذي يرى أن الشغل للرجال فقط.

وفجأة قتل شهاب العبكيكي -كان صبيًا عند الشهبندر ثم أصبح تاجرًا بارزًا في السوق- وتبعه سليم الدقر، ثم عندما خرج الشهبندر من عزلته وقرر أن يفعل شيئًا جديدًا للسنة الجديدة قتل هو أيضًا!. ثلاث جرائم متتالية ترك الكاتب من تسبب بها مجهولًا، وعلى القارئ أن يخمنه، لأن الرواية غير مختومة بطابع بوليسي! أي أن معرفة المجرم ليست أمرًا ذا أهمية كبرى مقارنة بالأسباب التي أدت به إلى القتل. جاء المدعي العام الشركسي ميرزا علي ولمّح إلى أن الثلاثة قتلوا على يد شخص واحد، ولما طلبت منه الحكومة إغلاق ملف القضية الأولى (مقتل شهاب العبكيكي) رفضَ وقاده تحقيقه إلى فتح ملفات فساد كبرى ذيلها عند سليم الدقر ورأسها يصل إلى كبار المسؤولين في الدولة، فسرّحوه حالًا، وهو ما يجعلنا ندرك أن الجرائم تعود إلى أسباب سياسية بحتة وأن القاتل مجرد أداة سخيفة.

تنوع وتداخل زمني

تتنقل رواية الشهبندر بخفة بين الحاضر والماضي والمستقبل ضمن إطارها الزمني في ثلاثينيات القرن الماضي، لتضع المتلقي أمام تداخل فريد في الزمن. وتسرد على لسان البشر والحجر، في مشاهد مبعثرة تتكامل مع بعضها مشكّلة لوحة فنية متماسكة. يتنوع شخوص الرواية في مراتبهم الطبقية والاجتماعية في محاولة من الكاتب لإعطاء صورة شاملة عن المشهد، وكلها شخوص لها نصيب من الحديث: من كبار التجار ورجالات الدولة والمعارضين وحتى محسن العتال والدومري المسؤول عن إشعال مصابيح الكاز في الشوارع، يتحدث معنا أيضًا دامر الجوخ والوتد الذي يعلق عليه هذا الدامر في دكان الشهبندر، وشهر رمضان وهلال شوال والثلج، ومقهى حمدان الذي عقد فيه المؤتمر الوطني الأول عام 1928. كل شيء يخبرنا بما رأى وجرب وعاش.

تحكي الرواية عن عمان وحالها في الثلاثينيات اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا أيضًا، وتعطي لمحاتٍ عن التاريخ الذي مرّ على المكان. رواية مكانية بامتياز تعتني بكثير من التفاصيل وتقيم فيها، وتهتم بإظهار التنوع في النسيج الاجتماعي الذي لا يتوقف على الأردنيين فقط، ففي وسط البلد وجبل القلعة وجبل عمان –حيث تدور معظم الأحداث– يرد تفصيل تام للأسواق القديمة والشوارع، كما وعلى طول خط الحديد الحجازي تفصل المحطات التي تنقل التجار وطلاب العلم إلى البلدان العربية المجاورة، قطار يتحرك باحثًا عن مزيد من التجارب التي تعطي فكرة واقعية وموضوعية عن حياة الناس في ذلك الوقت.

في الرواية استثمار كبير وموفق للهجة المحلية والأمثال والأهازيج الشعبية. واللغة في سرد هاشم غرايبة تنتمي إلى اللون الروائي الخالص الذي يبتعد عن الشعرية الزائدة ويوظف القليل منها فقط. فالسرد الشعري لون صعب قلّما ينجح ويكون لافتًا للانتباه، ويحتاج إلى تطويعٍ يكبح جماحه ويجعله قادرًا على استيعاب المجريات والأحداث وصياغتها بأسلوب سلس بعيدًا عن لزوجة اللغة الشعرية وثقلها وضيق المساحة المتاحة فيها للعب.

الأردن جزءًا من بلاد الشام

«شُلكوا بطولة السيرة» -كما يظل يردد ساعي البريد في الرواية- يوجّه هاشم غرايبة ضوء مصباحه على ارتباط الأردن الوثيق ببلاد الشام، عبر التجارة والتعليم والنسب والهم الوطني والقومي. فشمس، امرأة الشهبندر، من الشام، وابنته سلمى تلقّت تعليمها المدرسي العالي في القدس ثم فتحت مشغلًا للخياطة في عمان، أمّا ابنتاه ندى وهدى فدرستا تعليمها الجامعي في دمشق، والشهبندر نفسه درس في مكتب عنبر في الشام وتعلّم التجارة فيها على يد عزات، والد زوجته لاحقًا. والبلاد يمر بها ويربطها خط الحديد الحجازي، والهم والمصير قبل ذلك. ويُظهر أحد المشاهد استضافة الشهبندر للمناضل السوري عبد الرحمن الشهبندر أحد البارزين في الثورة السورية الكبرى، ويرد فيها تلميح عن تفجير أنابيب نفط شمال الأردن -يُقصد بها على ما أظن خط كركوك حيفا- وتخبّرنا عن المظاهرات التي تجري في عمان دعمًا للثورة الفلسطينية. ساعي البريد، ما غيره، صاحب «شُلكوا بطولة السيرة»، اعتقل وزج في السجن بتهمة تهريب الأسلحة للثوار، فيما طلع التاجر سليم الدقر من القضية كالشعرة من قدر العجين، لأنه تاجر ويهمه المال بغض النظر عن الشاري ثائرًا كان أم عدوًا.

الحكاية في الرواية

الحكاية في رواية الشهبندر، بمعزل عن كل ما مضى، تكاد تكون تقليدية في بعض محطاتها (إلا أنها بالمجمل ليست كذلك)، وتحس فيها، في بعض الأحيان، بالمبالغة وبالتأثر بما ورد من قوالب تنميطية معهودة في المسلسلات الأردنية القديمة التي تطرّقت إلى مجتمعاتنا. أتحدث هنا عن حوادث مفصلية منها؛ مثلًا الحريق الذي شب في دكّان سليم الدقر وما تبعه من اتهام خاطئ للشهبندر وتحوّل مفصلي في حياته أثّر على مجمل المجريات اللاحقة، وسبب هذا التأثير الكبير بالطبع هو أن الشهبندر مرتبط بالجميع: بالتاجر والعاهر والمعارضين ورجال الدولة والأجانب وكبار البلد، صغارها، ومهمشيها.

مسالة أخرى تلاحظ على الرواية، وهي أن إرادة الكاتب في أن يكون شاملًا جعلته يقحم بعض المقاطع، التي على أهميتها، خالية من روح السرد الروائي -مقاطع عن جبل القلعة معمارًا وتاريخًا وعن الآلهة القديمة والأساطير التي مرت على هذا المكان القديم- أعني أنها خالية من الحوارات والأخذ والرد، ولغتها تقريريّة أقرب إلى التأريخ منها إلى الأدب، إلّا أنه كان موفقًا في سردها على لسان الشهبندر الذي لم يكمل تعليمه الجامعي ومع ذلك يتمتع بقدر عال من الوعي والثقافة ويتحدث العربية والتركية والإنجليزية، كما أن عزلته بعد حريق الدكان زوّدته بالمعرفة والقراءة والتأمل وعرّفته على محي الدين بن عربي، فوسعت رؤيته للحياة وفتّحت مداركه أكثر وأكثر.

خاتمة

هكذا نكون قد عرفنا الشهبندر في الحياة الدنيا، ويبقى لنا أن نعرفه في الآخرة، وهو ما يكشفه في ما أظن من خلال العنوان، عمل هاشم غرايبة الجديد «جنة الشهبندر». ما علينا! رواية الشهبندر التي بين أيدينا عمل مهم ومتشعب وثري، لغته مميزة جدًا وطابع السخرية فيه لافت للانتباه. يتأثر، أو هكذا بدا لي، بمؤنس الرزار خاصة في روايته اعترافات كاتم صوت، وأعني هنا التأثر الذي يحافظ على خطّه الخاص ولا يكون محمومًا بالنسخ والتقليد، سواء في اللغة أو في أسلوب الأصوات المتعددة الذي ينتخب صوتًا يرتبط بها ويربط بينها كلها، هو صوت البطل.