مهرجان الفيلم العربي وسؤال الهوية

الخميس 16 تموز 2015

اختتم السبت الماضي مهرجان الفيلم العربي في عمان في دورته الخامسة، أحد أهم الفعاليات التي تقيمها الهيئة الملكية للأفلام، بعد أن شهد تطورًا ملحوظًا عن السنوات السابقة من حيث حجم الجمهور العريض، ونوعية الأفلام الثمانية التي عرضت من سبع دول عربية.

تنوعت مواضيع الأفلام بين الحب والحرب والحنين والذاكرة. وكانت معظمها بعيدة عن الطابع التجاري -بل أن بعضها يمكن تصنيفه كسينما تجريبية- باستثناء الفيلمين المصريين، «ديكور» و«بتوقيت القاهرة» الذين كانا أقرب إلى السائد الاستهلاكي. واختلفت باقي الأفلام بين روائية إلى وثائقية وجاءت من مدارس سينمائية متعددة. فحظيت فلسطين أيضًا بفيلمين من نوعيتين مختلفتين، هما فيلم «سارة» لخليل المزين، والوثائقي «حضور أسمهان الذي لا يحتمل» لعزة الحسن، ابتعدا عن صورة فلسطين كما تظهر في عناوين الأخبار.

ولاحظنا غياب الفيلم الأردني الذي سعت الهيئة الملكية لإبرازه في السنوات السابقة، إذ تضمن المهرجان العام الماضي فيلم «مي في الصيف» لشرين دعيبس، الذي اختارته الهيئة لافتتاح المهرجان رغم أنه لم يكن أفضل أفلام تلك الدورة.

لم يربط الأفلام المعروضة في المهرجان سوى عنوان المهرجان العريض وهو الفيلم العربي. والملفت للانتباه أن كثيرًا من هذه الأفلام ساءلت هذا العنوان العريض، وطرحت أسئلة من هو العربي، وما هي هذه الهوية؟ إن كنا لنختار ثيمة هذا العام من الأفلام لاخترنا «الهوية»، فمعظم الأفلام كانت تبحث في ضياع الشخوص وبحثهم عن أنفسهم والهوية التي تمثلهم.

في رابع أيام المهرجان عُرض الفيلم السوداني «على إيقاع الأنتونوف» للمخرج حجوج كوكا، الذي يوثق حياة سكان «النيل الأزرق» و«جبال النوبة» في السودان في ظل الحرب الأهلية، وكيف ساعدتهم الموسيقى التراثية على تخطي الأزمات والصعاب التي يمرون بها. تناول الفيلم فكرة قمع الحكومة السودانية للناس في تلك المناطق ومحاولة طمس هويتهم «الأفريقية» وإقناعهم بأن هويتهم هذه لا تناسب الهوية العربية ولا العادات والتقاليد وتصل لمحاولة تحقيرهم فقط لأجل لون بشرتهم. تبنى العديد من سكان النيل الأزرق الهوية العربية ولكن لا يشعرون أنها تمثلهم كون الناس هناك لا تجيد اللغة العربية ولا تعرف شيء عن عادات العرب في الحجاز ولا تعرف عن العرب إلا الدين الإسلامي.

ما أضاف للفيلم بعدًا هو النقاش الذي دار بعده، فأبدى بعض الحضور غضبهم لما اعتبروه خطاب كراهية وجهه الفيلم نحو العرب بربط «العرب» بأفعال البشير وحكومته. طال النقاش حول ماهية الهوية وهل من المنطقي أن نبدي مشاعر التعاطف مع السودانيين فقط لأنهم عرب وليس لكونهم بشرًا في حال لم يعرّفوا أنفسهم بالعرب. ولعل هذا النقاش شكل مفارقة لكونه دار في مهرجان الفيلم «العربي».

لم يكن هذا الفيلم الوحيد الذي ناقش الهوية العربية، فالفيلم السوري «آرواد» للمخرج سامر نجاري فعل ذلك أيضًا. تدور أحداث الفيلم حول «علي» الذي ينتابه شعور من الضياع والحنين إلى وطنه سوريا نظرًا لكونه أمضى معظم عمره في مونتريال. بعد وفاة والدته، يذهب في رحلة لسوريا ليحاول العثور على هويته وما ضاع منه. لكن الناس هناك يعرّفونه بـ«الكندي» الذي عاد لسوريا، رغم أن من كانوا حوله في «مونتريال» كانوا يعرّفونه على أنه العربي السوري. من الذي يحدد هويتنا؟ وكيف لنا أن نَعرف كيف نُعرّف أنفسنا؟ ولماذا علينا امتلاك هوية تحددنا من الأساس؟ كلها أسئلة طرحت في نقاش الفيلم الذي دار بحضور المخرج.

ما أكد على نجاح المهرجان غير الحضور الكبير للعروض، كان الحضور الكبير الذي بقي ليسمع النقاش ويشارك به. إذ شهد  المهرجان  تنوعًا مدهشًا من الحضور، فيحضره الأردنيون شبابًا وكبارًا ومختصين في السينما أو حتى هواة بالإضافة لجاليات مختلفة من المقيمين في عمان أو من نفس جنسية الأفلام المعروضة.