«Ole Ole»: ما تبقى من تأثيرات الموسيقى العربية على إسبانيا

الأحد 27 كانون الثاني 2019
رسم بعنوان «بياض يعزف العود لآنسة»، من مخطوطة عربية أندلسية لقصة بياض ورياض، القرن الثالث عشر.

حل زرياب بقرطبة محملًا بكل ما زخرت به خزائن الحجاز وبغداد ودمشق وحلب والقيروان وغيرها من مدن المشرق العربي ومغربه من كنوز الثقافة الموسيقية. قبل قدومه، اقتصرت الموسيقى في الأندلس على الحدّاء العربي، ومزيج من الموسيقى الكنسية المسيحية والغناء البسيط. فمنحها زرياب زخمًا كبيرًا، حيث أضاف وترًا خامسًا للعود، مما حسن الصوت وجعله أكثر انسجامًا؛ كما ابتكر ريشة نسر للعزف بدلًا من الخشب؛ وافتتح مدرسة للموسيقى في قرطبة (دار المدنيات) التي اعتبرت الأولى من نوعها في العالم آنذاك، تتلمذ فيها أولاده وبناته وعدد من الجواري والقيان القادمات من المشرق ومن المستعربات. اتبع زرياب أسلوبًا في تعليم الموسيقى بعيدًا عن التلقين، إذ يتعلم التلميذ القصيدة والإيقاع في تلاوتها مع نقر الدف وضبط الحركات وتحليتها،[1] ليصبح زرياب بذلك الخيط الأول في نسيج الموسيقى الأندلسية. ويعزى لتلميذ إسحاق الموصللي هذا، فضلًا عن تطوير الموسيقى في الأندلس، إدخال الكثير من آداب المائدة و«الأتيكيت» وآخر صيحات الموضة التي أتى بها من المشرق من مأكل وملبس وقصات شعر وغيرها.

ترك العرب خلال فترة إقامة دامت قرابة الثمانية قرون في الأندلس – وهي أطول فترة حكم متواصلة في تاريخ شبه الجزيرة الأيبيرية – إرثًا ما زالت بصماته باقية على الموسيقى الإسبانية إلى يومنا هذا. يتجلى هذا الأثر في الإيقاع الذي لم تكن أوروبا تعرفه من قبل. حيث يقول هـ. ج. فارمر إن الموسيقى العربية تتميز بالنغم والإيقاع والزخرفة الصوتية. وقد كان الجميع قبل القرن العاشر يعتمد السلم الموسيقي الفيثاغوري ذو الأصل السامي المبني على الأجرام السماوية وتناغم الأعداد.[2] كما يعتقد فارمر بأن العرب هم الأساس في قياس الموسيقى وأن علامات القياس الموسيقية تعود إلى قانون التناغم عندهم مشيرا إلى أن الفضل يعود لهم أيضا فيما يتعلق باللحن المساير، وتعدد وتفرع الأصوات، والعلامات الموسيقية الآلاتية.[3]

العرب الإسبان ينظّرون للموسيقى في أوروبا الترانيم

تعود بدايات التأثير الإسلامي على إحياء الموسيقى في أوروبا إلى وقت مبكر من عهد شارلمان الذي حاول منافسة بغداد وقرطبة باستدعاء بعض العلماء إلى بلاطه وإنشاء المدارس. وأدخل إلى الموسيقى الكنسية بعض الآلات العربية والإسلامية التي جاءت عن طريق إسبانيا وصقلية.[4] وقد أثّرت الموسيقى العربية في ألوان مختلفة من الموسيقى في غرب أوروبا بما فيها الموسيقى الدينية والترتيل الكنسي الإسباني المعروف بالإيزيدوري بحيث سمي بالترتيل الكنسي المستعرب (mozarabe بالإسبانية).[5] كما أن الآلات الموسيقية العربية التي انتقلت عبر الموسيقى الشعبية ما زالت مستخدمة إلى يومنا هذا[6] بأسمائها العربية مع بعض التحويرات اللفظية، وبعد أن أدخلت عليها التعديلات في أوروبا لاحقا مثل القيثارة والطبل والصناجات والعود والدفوف. وقد كان العرب أول من وصف بشكل علمي الآلات الموسيقية في القرون الوسطى، حيث تطورت صناعتها في إسبانيا وباتت تصدر منها إلى أوروبا.

اتبع العرب في الأندلس قالب «النوبة» ويعرف في التأليف الغربي بـ«suite» أو «الوصلة»، الذي أرسى زرياب قواعده. والنوبة ھي عبارة عن مجموعة متتابعة من القطع الغنائیة والآلیة المؤداة على طبع أو مقام واحد، وعلى إیقاعات مختلفة، وبحركة تبدأ ببطء في مستھل النوبة لتنتھي بسرعة كبیرة في نھایتھا. وكل نوبة تحمل اسم الطبع الذي لحنت علیه وتُؤدى في ساعة مخصصة لھا، أي الساعة التي یُعتقد أن تأثیر ذلك الطبع یكون فیھا أقوى في النفوس من أي وقت آخر.[7] وتقوم بنية النوبة في الموسيقى الأندلسية على النص الشعري واللحن الموسيقي وأسلوب الأداء غناءً وعزفًا.[8] ولم يجرِ الكثير من التغييرات في جوهر النوبة منذ تشريد العرب من الأندلس، كما بقي السلم الموسيقي العربي الذي عرف في بغداد قائمًا في الأندلس ولم يطرأ عليه تغيرات على مستوى اللحن – ذلك السلم الذي شرحه الفيلسوف الكِندي في رسالة الموسيقى. وقد تعانقت خصائص السلم العربي مع خصوصيات الأجناس اليونانية والأفريقية والغريغورية في الأندلس.[9] وفيما يخص الأداء، لجأ المغنون إلى تقطيع الكلمات على نحو مخل بقواعد اللغة والنحو والعَروض، بسبب مد الأحرف التي لا تمد، وتجزئة الكلمة إلى مقاطع منفصلة عن بعضها على نمط الإنشاد الكنسي،[10] مما يشير إلى تأثيرات الإسبان المستعربين على الموسيقى والغناء العربي.

أما ما يتعلق بالنص الشعري، فيعد الموشح ثورة في الشعر العربي حيث تحرر من قيود العروض ونظام القوافي. ويمتاز الموشح بالفصاحة في فقراته والعامية في الخرجة التي قد تكون بالإسبانية القديمة أو الرومانسية أو العامية العربية الأندلسية.[11] وتعد الخرجة مركز المنظومة كلها حيث توضع في البداية وتبنى الموشحة عليها وكأنها تبدأ من آخرها على عكس القصيدة العربية التي تعنى بالمطلع.[12] ويعتقد بأن قفل الموشح بالخرجة ناجمٌ عن تأثير الغناء الإسباني القديم الذي ترك بصمته على الموشح. بينما امتاز الزجل بالعامية بأكمله. وقد «ترك الموشح والزجل العربي-الإسباني أثره الملحوظ على شعر التروبادور (troubadour) من ناحية البنية والموضوعات واللغة والإيقاع».[13] ويسود الاعتقاد بأن تسمية التروبادور بحد ذاتها مشتقة من كلمة طرب العربية. ويقر مونتغمري واط بأن الشعر الشعبي الذي ألفه المستعربون والمسيحيون واليهود في الشمال الإسباني قد شكل حلقة الوصل بين بروفنس (جنوب شرق فرنسا) وإسبانيا الإسلامية.[14] فيما يرى فيليب حِتّي أن العناوين التي أعطاها التروبادور لقصائدهم ما هي إلا ترجمات عن العناوين العربية[15] أما بالنسبة لإدريس فإن مفهوم الحب الأوروبي قد ظهر بعد تدهور الحب الصوفي،[16] والتصوف الذي ظهر في الأندلس في القرن التاسع في حين ظهر التروبادور في القرن الحادي عشر. ولم يقتصر التأثير العربي على إسبانيا وبروفنس وحدهما بل تعداهما إلى البرتغال وصقلية أيضًا، والتي أقام العرب فيها زمنًا وبقي الكثير منهم فيها حتى بعد طردهم. ولكن أقوى المدافعين عن الأصول الأندلسية للتروبادور هو جوليان ريبيرا، الذي يمضي أبعد من ذلك في اعتبار أن كل ما في موسيقى الكانتيغا Cantigas de Santa Maria (أغاني القديسة مريم) هو عربي بما في ذلك بنية اللحن والإيقاع.[17] والكانتيغا التي اشتملت على وصف لحياة الفلاحين اليومية وتعلقهم بالأرض قد كتبت وجمعت بأمر من الفونسو العاشر ملك قشتالة وليون، حوالي عام 1252، وتحتوي قرابة 415 أغنية دينية، حوالي 335 منها شعر مستوحى من الزجل والموشحات العربية. كما يزخر المخطوط بمجموعة ضخمة من الرسومات التي يصور البعض منها الموسيقيين العرب الأندلسيين والآلات الموسيقية العربية التي انتقلت إلى إسبانيا مع تحوير في لفظ أسمائها ومنها: الطنبور والعود والرباب والقانون والشبابة والبوق والنفير والطبل والصنوج الصفر.

رسم لمسلم ومسيحي يعزفان على العود من مخطوط «Cantigas de Santa Maria».

دار في أوروبا، وما يزال، جدل كبير حول نظريات الموسيقى عند العرب وهل قدموا شيئًا يذكر في هذا الخصوص ترك بصماته على الموسيقى الأوروبية، أم أنها تأثرت بشكل كامل بقواعد الموسيقى اليونانية. فمال معظم الباحثين والموسيقيين – بدافع من التعصب العنصري المعادي للعرب والمسلمين – إلى ترجيح التأثير اليوناني وحده، سوى قلة قليلة منهم عالجت الأمر بموضوعية وعلى رأسهم هنري ج. فارمر السابق الذكر بمؤلفاته وعلى رأسها «الحقائق التاريخية عن التأثير الموسيقي العربي». فبالنسبة لفارمر لم يصل إلى الغرب أي عمل موسيقي يوناني أصلي بعد سقوط روما إلا بعد قرون من الاتصال بالعرب، لا بل يزيد مؤكدًا أن اليونان أنفسهم قد حصلوا على ثقافتهم الموسيقية من الحضارات البابلية والفنيقية والأشورية، حيث أن قدماء الموسيقيين العرب والمصريين والسوريين قد عملوا في اليونان وروما أيضًا.[18] أما بالنسبة للمؤرخ الإسباني اليسوعي زافيير لامبيلاس، فإن تأثير العرب الإسبان على شعر الأمم الأوروبية هو حقيقة واقعة وليس مجرد نظرية،[19] وذلك من خلال تأثيرهم على الشعر الإسباني والبروفنسالي؛ أما خوان آندرياس فهو يمضي أبعد من ذلك معتبرًا أن العربية هي أم الأدب الحديث، بل وكافة العلوم والفنون الأخرى. فبينما كان العرب الإسبان يؤلفون الكتب في النظرية الموسيقية كانت أوروبا لا تعرف سوى المزامير والترانيم الدينية. وتضيف زيجريد هونكه في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» بأن النوتة الموسيقية أصلها عربي أيضًا.[20]

ومن أصحاب النظريات الموسيقية عند العرب كان يونس الكاتب والخليل بن أحمد وإسحاق الموصللي، كما أن حركة الترجمة المتقدمة أتاحت أمام العرب مؤلفات الموسيقى اليونانية القديمة التي استمدت جزءًا كبيرًا منها من الحضارت السابقة. أما الفلاسفة المسلمون الذين كتبوا في مجال الموسيقى، فنجد على رأسهم الكندي وثابت بن قرة والرازي والفارابي وإخوان الصفا، ولكن الأهم بينهم كان الفارابي الذي نسجت حوله أساطير كثيرة في مجال الموسيقى، نظرًا لخبرته الواسعة وغزارة إنتاجه في هذا المجال.

وإذا انتقلنا إلى العلماء والفلاسفة في الأندلس، فمن أهم الأسماء التي لمعت في مجال الموسيقى كان ابن باجة الذي عادلت شهرته في الغرب شهرة الفارابي في المشرق الإسلامي، إلى جانب عباس بن فرناس والتيفاشي وغيرهم. وقد عُني ملوك الطوائف بالموسيقى حتى أنه يحكى بأن الخليفة محمد بن هشام كان لديه مئة عازف على العود ومثلهم على الأبواق.[21]

وجوه عدة للطرب

يتجلى أهم تأثير موسيقي للعرب في غناء الفلامنكو (flamenco) الذي يتميز بالشعر الغنائي والرقص الارتجالي والايقاع القوي المصاحب. وكلمة فلامنكو هي تحوير للكلمة العربية الفلاح الهارب (fella mengo) بحسب إنفانتي،[22] أو ربما الفلاح المنكوب. حيث اضطر الموريسكيون (moriscos) الأندلسيون إلى الاختباء بين الغجر هربًا من ملاحقة محاكم التفتيش والقوانين الجائرة التي صدرت عن الحكام المستعمرين من قشتالة وأراغون بحقهم والتي سعت إلى تجريدهم من هويتهم الأندلسية وكثلكتهم، فضلًا عن طمس عاداتهم وتقاليدهم وفنونهم ومحو تاريخهم وذاكرتهم إلى جانب مصادرة أراضيهم، وذلك بعد سقوط غرناطة. فبات الفلامنكو وسيلة للمقاومة والحفاظ على الهوية. وقد تطور إلى ما يسمى بالكلاسيكي أو الغناء العميق (cante jondo) – الذي لا يعتبر وسيلة ترفيه من حيث أنه يعبر عن روح الأندلس الجريحة ومعاناة أهلها بما يحتويه من الحزن والألم والموت. وقد امتاز بدءًا بالآلات الإيقاعية ليصبح الجيتار هو الآلة الرئيسة لاحقًا أي في القرن التاسع عشر، وذلك حين احترف الغجر الرقص والغناء في المقاهي لتصبح الفجوة واضحة بمر الزمن بين الفلامنكو الكلاسيكي وأسلوب الغجر الشعبي. وبحسب ت.ب. إرفنج في كتابه «عالم الإسلام»، فإن غناء الفلامنكو العميق يعود إلى الزجل العربي وسلم النغمة الخماسية.[23] وتصاحب الغناء العميق حالة من النشوة تسمى الدويندي (duende) وهي الطرب أو «الحال» عند الصوفية، والذي يعتبر جوهر وروحية الموسيقى الأندلسية والفلامنكو،[24] أو كما يعرفها لوركا «إن الدويندي هي قوة وليست تركيبًا وهي صراع وليست مفهومًا، إنها ليست من الحنجرة بل من الأعماق».[25] ويضع لوركا الفلامنكو بمصاف الرقص الذي يلبي وظيفة دينية بسبب قوة الدويندي.[26] وهنا يتجلى تأثير التصوف الإسلامي ومفهوم البرزخ لدى ابن عربي شيخ الصوفية الأكبر. والبرزخ هو العالم الوسطي الذي يفصل بين عالمين – عالم الروح وعالم الجسد – في الوقت الذي يجمع فيه خصائص الاثنين. والدويندي هي مكان التقاء العالمين، وكأنها نوع من التواصل مع الله.[27] وتصاحب حالة الدويندي هذه الهتاف والتهليل أو ما يسمى بالـ«خاليو» (jaleo)، الذي هو اعتراف موافقة وتشجيع ومديح للدويندي في لحظة تقاطع بين العوالم الروحية والمادية، مصحوب بالتصفيق وتمايل الأجساد والتعابير اللفظية التي تدفع بالموسيقي والمغني إلى القمة حيث تتلاشى الحدود في حالة من النشوة القصوى.

ومن الممكن تتبع التقاليد اللفظية في الفلامنكو إلى مقدمات عربية سابقة من مثل «Ay-ay-ay!» أو «Ay-li-li» التي تلاحظ في افتتاحيات أو في مقاطع الفلامنكو الانتقالية التي ما هي إلا اللازمة أو القرار التقليدي للضريرين من المتسولين العرب «يا ليل، يا عين» على التوالي.[28] وقد شهدنا المغنين الإسبان حتى عهد قريب يبدأون الغناء بصيحة «Leli Leli» وهي «يا ليل يا ليل»، وكذلك مقاطعة المستمعين للمغني بصرخة «Ole Ole» وتعني «الله الله».[29]

وما زالت عناصر الخاليو النقرية تتواجد في الموسيقى الشعبية في الشمال الإفريقي في اعتمادها على الطبول والرق أو الدفوف والتصفيق بالأيدي. كما وأن الخاليو كنوع موسيقي قد انتقل على يد المهاجرين الإسبان وجلهم من مدن الأندلس الفقيرة إلى أمريكا الجنوبية والوسطى بعد الغزو الإسباني، وترك بصماته على الموسيقى في كافة أنحاء أمريكا اللاتينية بدءًا من الرومبا الكوبية مرورًا بالمامبو فالسالسا. وباتت هذه الكلمة المناطقية التي كانت تنحصر في الأندلس وحدها تستعمل على نطاق واسع في كافة أنحاء إسبانيا وأمريكا اللاتينية.

وقد انبثقت عن الـ«بالو» (palo)، وهو النوع الموسيقي للفلامنكو، تقاليد كثيرة، فإلى جانب «الغناء العميق» المؤلم والحزين والذي ينضوي تحته «tona» و«martinette» و«carceleras» و«debla» و«seguiriya»، هنالك المتوسط الذي يضم بعضًا من الغناء الحزين إلى جانب العادي ويضم «cana» و«polo»، اللذين تولد عنهما «solea» الذي انتشر في قادش وإشبيلية وأنجب «bulerias» و«alboreas»، وكذلك الأصغر وهو المرح الخفيف ويضم «tangos» و«tientos» و«tanguillos»، فضلًا عن «alegrias» وهي الأشد مرحًا وصخبًا.[30] كذلك نلحظ تشابه الـ«fandango» المنتشرة في كافة المدن والبلدات في إسبانيا مع الزمرة الأندلسية، وتتعلق موضوعاتها بالطبيعة ومواسم الحصاد. بينما تعيد الـ«jota» إلى الأذهان نداء المؤذن للصلاة. وفي الغناء الشعبي «Cantes de las minas» الذي تأثر بالغناء العربي نجد الـ«malaguena» التي انتشرت في ملقة، والـ«granaina» المنتشرة شرقي الأندلس إلى جانب الزمرة. بينما ينتشر الـ«trovo» في البخارى وغرناطة ومرسيا وهو عبارة عن مبارزة شعرية بين اثنين،[31] تعيد إلى الأذهان الزجل الذي ينتشر في المشرق العربي في يومنا هذا، إضافة إلى أنواع موسيقية أخرى مثل «bolero» و«seguidilla» و«tanguillo» التي ما زالت تقاليدها الشكلية تحتفظ ببعض الملامح العربية. ومن الجدير بالذكر أن عمل لوركا «Poema del Cante Jondo» تضمن مقاطع صغيرة كل واحد منها مبني على أشكال «الغناء العميق»، منها «siguiriya» و«solea» و«saeta» و«patenera» على سبيل المثال.[32]

وتعتبر «saeta» من أهم أشكال غناء الفلامنكو، وبحسب سميرة القادري[33] فإن الكلمة مشتقة من العيطة – وهو نوع موسيقي يشتهر في شمال المغرب، وتطوان على وجه التحديد – نقله العرب معهم إلى الأندلس، وتتمحور موضوعاته حول الدين في الغالب.

يمكننا أن نؤكد بأن من أهم المؤثرات الموسيقية العربية الواضحة المعالم في الأندلس هي موسيقى وغناء الزمرة (zambra). ومصطلح الزمر من أصل عربي ويحيل إلى احتفالية غنائية راقصة أقامها الأندلسيون في غرناطة على وجه الخصوص، أثناء الأعياد والأعراس والمناسبات الأخرى. وبحسب صوفيا مارتن، فقد استخدم هذا المصطلح لوصف أصوات تصدرها حشود مصحوبة بالموسيقى،[34] أو أنها ربما احتفالية كانت تقام في الهواء الطلق. وتحدد الباحثة أنّا رويز الآلات المستخدمة في هذه الاحتفالات على أنها تشمل القربة والطبلة والرق والكمان والفلوت، حيث يضع الراقصون والراقصات الخلاخيل في كواحلهم والصناجات النحاسية في أيديهم.[35] بينما يضيف اللاهوتي بيدرو غويرا أن العروس كانت تُستقبَل بالموسيقى التي تعزف على الفلوت والمندولين والقانون إلى جانب الطبول والأبواق.[36] وقد سجل ابن حمديس وصفًا لإحدى الاحتفالات الشعبية في الأندلس – بشكل يشبه موسيقى ورقص الفلامنكو الحالي- من ضرب بالأرجل ونقر ورفع لطرف الثوب.[37] وقد انفردت مدينة غرناطة عن باقي مدن الأندلس بفن الزمرة. حيث كان المورويسكيون في غرناطة يشكلون جزءًا من موكب ومسيرة عيد القربان ردحًا من الزمن إلا أن ذلك توقف بعد عام 1507. وبالرغم من عدم تواجدهم في هذه الاحتفالات الآن، إلا أن هناك فجوات ملحوظة بين الأجزاء الموسيقية المختلفة في المسيرة الحالية حيث يعتقد بأن نشاطات الموريسكيين الراقصة كانت تملؤها في الماضي.[38]

الموسيقى مقاومةً للمحو

بحلول عام 1526 تم إجبار العرب المسلمين على التنصر ولقبوا حينها بالـ«موريسكيين»، كما أجبروا على التخلي عن الكثير من ثقافتهم وعاداتهم وموسيقاهم التي استمروا في ممارستها سرًا بعد أن وجدوا ملاذًا لهم من الملاحقة والترحيل على يد محاكم التفتيش الإسبانية، بين الغجر مما افضي بمضي الوقت إلى تبني الغجر لفن الزمرة ضمن طقوس الزواج لديهم ولتتحول الزمرة الموريسكية في بدايات القرن التاسع عشر إلى الزمرة الغجرية وتحل مكانها.[39] وقد باتت الزمرة سياقًا إلى جانب كونها نوعًا، حيث أصبحت فضاء يتواجد فقط لإداء الفلامنكو الذي يجتذب السواح من كافة الأماكن. وتتضمن الزمرة أربعة رقصات إلزامية تعبر عن مراحل الزفاف وهي: «alborea» و«cachucha» و«tana» و«mosca»، وتتشكل الزمرة من ستة راقصات وعازفي جيتار.[40]

كما نلحظ التعلق بالأرض والحيوان وتمثيل الحياة اليومية في موسيقى وغناء قرى البخارى (Al Pujarras) المختلفة والتي كانت آخر معاقل أبي عبد الله الصغير قبل تشريده من غرناطة، سواء في أغاني «cantes muleros» أو «trovo» التي تشهد للتأثير الأندلسي الذي ما زال واضح المعالم فيها.

أضحت الموسيقى أداة مقاومة بالنسبة للموريسكيين والمستعربين والمدجنين واليهود السفارديم والغجر للمحافظة على الهوية في وجه الاضطهاد الذي مورس ضدهم ومحاولات المحو الثقافي والديني وحتى الوجودي. وقد تجلت المقاومة في المحافظة على الثقافة والتقاليد داخل المنازل. واستمرت ممارسة الطقوس الدينية سرًا بالرغم من قسوة محاكم التفتيش وتشددها. حتى أن الموريسكيين ابتدعوا لغة أطلق عليها تسمية ألخمية (Aljamiado) ليدونوا فيها شعرهم وأدبهم. وما زالت العمارة المدجنة (mudejar) قائمة كدليل حي عليهم في إسبانيا لا بل في أمريكا اللاتينية إلى يومنا هذا، فيما بقيت الموسيقى العميقة تعبر عن أشجانهم وحزنهم ومعاناتهم، هذه الموسيقى التي حاولت السلطة الحاكمة منعهم عن ممارستها.

شمل الشتات الموريسكي، إضافة إلى العالم العربي شرقه وغربه، تركيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. حيث لجأ الأندلسيون بعد الحروب والغزوات التي شنتها ممالك أراغون وقشتالة على دويلات الطوائف، إلى الشمال الإفريقي بحيث استقر مهاجروا قرطبة في تلمسان في الجزائر، في حين انتقل إلى تونس مهاجرو إشبيلية، بينما استقبلت فاس في المغرب مهاجري بلنسية، فضلًا عن غرناطة التي استقبلت في البدايات المهاجرين من مختلف مناطق الأندلس والذين انتقل جلهم لاحقًا – بعد سقوط غرناطة في القرن الخامس عشر – إلى المغرب.[41]

نجم عن هذا التشريد نشوء مدارس للغناء الأندلسي في الشمال الأفريقي كل منها متأثر بالمنطقة الأندلسية التي جاء اللجوء منها والتي ما تزال قائمة إلى يومنا هذا. ويدعى الطرب الأندلسي في المغرب بالآلة وقد تأثر بالمدرسة البلنسية في فاس والغرناطية في تطوان، بينما يدعى في الجزائر بالغرناطي، وفي تونس بالمالوف. وقد استطاعت المدرسة المغربية في فاس – وهي الأقرب إلى الأصل – المحافظة على الموسيقى الأندلسية وآلاتها بدون التأثيرات الشرقية التي دخلت على مدرستي تونس والجزائر.[42]

بدأت الأندلس التي كانت قبل عام 1492 جسرًا بين الإسلام والمسيحية واليهودية وبين ضفاف المتوسط الآسيوية والإفريقية والأوروبية تنفض عنها غبار الصمت الذي فرض عليها قرونًا لتستعيد ذاكرتها وتبحث في المسكوت عنه عن تاريخها وهويتها. فشرع العديد من الفنانين والفرق الموسيقية من الإسبان والغجر الأندلسيين بالتعاون مع المغاربة لبعث التراث المهمل وإحياء وتجديد الموسيقى الأندلسية بين ضفتي المتوسط. ومن الأسماء الجديرة بالذكر الفنانة المغربية سميرة القادري التي غنت مقاطع من الكانتيغا إلى جانب أغاني التروبادور، وأداء النصوص الصوفية الألخمية، عدا عن اشتغالها بالتراث الموسيقي الأندلسي.[43] كما تجدر الإشارة إلى إدواردو بانياغوا الذي غنى الكانتيغا بدوره فضلًا عن التراث الأندلسي مع فرقة ابن باجة، وفيليبي سانشيز، وبيدرو سانز، إضافة إلى محمد العربي السرغيني وعمر المتيوى وسعيد بلقاضي والكثيرون غيرهم.

وأما الموريسكيين وأحفاد المسلمين من العرب والبربر الأندلسيين فما زالوا ينتظرون في شتاتهم اعتذارًا من الحكومة الاسبانية يمنحهم حق العودة إلى إسبانيا أسوة بمن تشرد معهم من اليهود السفارديم.

  • الهوامش

    [1] مدخل إلى تاريخ الموسيقى المغربية، عبد العزيز عبد الجليل، عالم المعرفة، 1983.

    [2] A History of Arabian Music, Henry G. Farmer, Luzac & Co., London, 1929.

    [3] Historical facts for the Arabian Musical Influence, Farmer, H.G., Georg Olms Varlag, Hildesheim, New York, 1970.

    [4] Schlesinger, Kathleen, The Instruments of the Modern Orchestra: Vol. 1 in in The Arab Contribution to Music of the Western World, Rabah Saoud, Foundation for Science Technology and Civilization, March 2004.

    [5] مظاهر التعايش والتسامح في الأندلس عبر الموسيقى والغناء، يونس الشامي، مجلة الموسيقى العربية.

    [6] Background to the Theory of Arabic Origins, M. Carl Gibson, BYU Studies, 1962.

    [7] مظاهر التعايش والتسامح في الأندلس عبر الموسيقى والغناء، يونس الشامي، مجلة الموسيقى العربية.

    [8] الموسيقى الأندلسية العربية – مظهر من مظاهر التسامح في المجتمع الأندلسي، عبد العزيز بن عبد الجليل، الحمراء، عدد 16/ 2008.

    [9] السابق.

    [10] السابق.

    [11] فجر الأندلس، دراسة في التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية، حسين مؤنس، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1959، في التأثيرات الثقافية والعمرانية للمسلمين في الأندلس، د. علي محسن سليمان، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية، مجلد 8 العدد 23 كانون الثاني 2016.

    [12] دراسات في تاريخ العرب والأندلس، أحمد مختار العبادي، مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية، مصر، 1998. في التأثيرات الثقافية والعمرانية للمسلمين في الأندلس، د. علي محسن سليمان، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية، مجلد 8 العدد 23 كانون الثاني 2016.

    [13]. The Impact of Muwashah and Zajal on Troubadours Poetry, Ziad Alharithi and Abdulhafeth Khrisat, International Journal of English and Literature, Vol.7 (11) pp. 172-178, November 2016.

    [14] The Influence of Islam on Medieval Europe, Watt M (1987), Edinburgh: Edinburgh UP., in The Impact of Muwashah and Zajal, on Troubadours Poetry, Ziad Alharithi and Abdelhafeth Khrisat International Journal of English and Literature, Vol.7 (11) pp. 172-178, November 2016.

    [15] History of the Arabs, Hitti PK, (2002) 10th ed. By Walid Khalidi, London: Palgrave Macmillan. In The Impact of Muwashah and Zajal on Troubadours Poetry, Ziad Alharithi and Abdulhafeth Khrisat, International Journal of English and Literature, Vol.7 (11) pp. 172-178, November 2016

    [16] The Sufi, Idries S, London: Octagon Press, 1964, in The Impact of Muwashah and Zajal on Troubadours Poetry, Ziad Ali Alharithi and Abdulhafeth Khrisat International Journal of English and Literature, Vol.7 (11) pp. 172-178, November 2016

    [17] Rhythmic Paradigms in the Cantigas de Santa Maria: French versus Arabic Precedent, Manuel Pedro Ferreira, Cambridge University Press, 2015.

    [18] Historical facts for the Arabian Musical Influence, Farmer, H.G., Georg Olms Varlag, Hildesheim, New York, 1970.

    [19] Background to the Theory of Arabic Origins, M. Carl Gibson, BYU Studies, 1962.

    [20] شمس العرب تسطع على الغرب، زيجريد هونكه، بيروت 1981، في «الموسيقى العربية رؤية تراثية فلسفية»، بركات محمد مراد،مجلة الثقافة الشعبية، العدد 8.

    [21] ابن عذارى، أبو العباس محمد بن محمد المراكشي، اليان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ط3، 1983، ج2، ص250، في التأثيرات الثقافية والعمرانية للمسلمين في الأندلس، د. علي محسن سليمان، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية، مجلد 8 العدد 23 كانون الثاني 2016

    [22] Ideal Andaluz: Fundacion Publica Andaluza Centro de Estudios Andaluces, Infante Blas, in Andalucia Flamenca: Music, Regionalism and Identity in Southern Spain, Mathew Machin-Autenrieth, 2013

    [23] Exploring flamenco’s Arab Roots, Greg Noakes, Aramco Magazine, Nov/Dec 1994.

    [24] The Barzakh of Flamenco: Tracing the Spirituality, Locality and Musicality of Flamenco from South of the Strait Gibraltar, Tania Flores, (2011), Independent Study Project (ISP) Collection. 1118.

    [25] The Duende: Theory and Divertissement, An essay by the poet Federico Garcia Lorca, 1930

    [26] The Barzakh of Flamenco: Tracing the Spirituality, Locality and Musicality of Flamenco from South of the Strait Gibraltar, Tania Flores, (2011), Independent Study Project (ISP) Collection. 1118.

    [27] The Barzakh of Flamenco: Tracing the Spirituality, Locality and Musicality of Flamenco from South of the Strait Gibraltar, Tania Flores, (2011), Independent Study Project (ISP) Collection. 1118.

    [28] Exploring flamenco’s Arab Roots, Greg Noakes, Aramco Magazine, Nov/Dec 1994.

    [29] الحضارة الأندلسية ودورها في تكوين الحضارة الإسبانية، شوقي ضيف، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية، مدريد، ع 23، 1986. في التأثيرات الثقافية والعمرانية للمسلمين في الأندلس، د. علي محسن سليمان، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية، مجلد 8 العدد 23 كانون الثاني 2016.

    [30] Flamenco and its Gitanos An Investigation of the Paradox of Andalusia: History, Politics and Dance Art, Rosamaria Cisneros-Kostic, University of New Mexico UNM Digital Repository, (2010). http://digitalrepository.unm.edu/thea_etds/3

    [31] Andalucia Flamenca: Music, Regionalism and Identity in Southern Spain, Mathew Machin-Autenrieth, a thesis in ethnomusicology, 2013.

    [32] An Investigation of the Traditional Cante Jondo As the Inspiration for the Song Cycle, Mary Etta Hobbs, Dissertation prepared for the degree of Doctor of Musical Arts, University of North Texas, May 2004.

    [33] The Barzakh of Flamenco: Tracing the Spirituality, Locality and Musicality of Flamenco from South of the Strait Gibraltar, Tania Flores, (2011), Independent Study Project (ISP) Collection. 1118.

    [34] The Remains of a Lost Culture: Moorish Zambra in 16th Century Granada, Sophia Martin, Seminar .«Soundscape in Renaissance Granada«, summer semester 2014.

    [35] Vibrant Andalusia, The Spice of Life in Southern Spain, Ana Ruiz, New York 2007, in The Remains of a Lost Culture, Moorish Zambra in 16th Century Granada, Seminar «Soundscape in Renaissance Granada«, summer semester 2014.

    [36] The Remains of a Lost Culture: Moorish Zambra in 16th Century Granada, Sophia Martin, Seminar: «Soundscape in Renaissance Granada«, summer semester 2014.

    [37] الموسيقى الأندلسية العربية – مظهر من مظاهر التسامح في المجتمع الأندلسي، عبد العزيز بن عبد الجليل، الحمراء، عدد 16/ 2008.

    [38] The Remains of a Lost Culture: Moorish Zambra in 16th Century Granada, Sophia Martin, Seminar: «Soundscape in Renaissance Granada«, summer semester 2014.

    [39] The Remains of a Lost Culture: Moorish Zambra in 16th Century Granada, Sophia Martin, Seminar: «Soundscape in Renaissance Granada«, summer semester 2014.

    [40] Andalucia Flamenca: Music, Regionalism and Identity in Southern Spain, Mathew Machin-Autenrieth, a thesis in ethnomusicology, 2013.

    [41] مدخل إلى تاريخ الموسيقى المغربية، عبد العزيز عبد الجليل، سلسلة عالم المعرفة عدد 65، 1978.

    [42] السابق.

    [43] سميرة القادري صوت الذاكرة الأندلسية المغربية، محمد بن أحمد العلوي، العرب أون لاين.