حبر تراجع البوكر

رواية «نوميديا»: رحلةٌ شاقّة بين كلاسيكية السرد وسوداوية الأحداث  

الثلاثاء 19 نيسان 2016

(تنشر حبر تباعًا مراجعات للروايات الست التي وصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، والتي سيعلن عن الفائز بها في ٢٦ نيسان).

حين أمسكت رواية «نوميديا» للمغربي طارق بكاري (دار الآداب) لم أتمالك نفسي. فما أن بدأت القراءة حتى سحرتني بلاغتها الأدبية، وفكّرت بيني وبين نفسي «حقًا هذه رواية تستحق الوصول للقائمة القصيرة لجائزة البوكر». لكن يبدو أن مَن رشّحها لم يتجاوز الربع الأول من الرواية.

فما أن تقطع بضع صفحات من الرواية (التي تعد 422 صفحة من القطع المتوسط) حتى يختفي انبهارك باللغة وتبدأ رحلة شاقّة مع سرد ممل وكلاسيكي لأحداث سوداوية مُتعبة للقارئ. تخليت عن الرواية وعُدت إليها مُرغمةً أكثر من مرة، لأطرح نفس تساؤل الكاتب جابر جابر في مراجعته لرواية «مديح لنساء العائلة»: كيف وصلت هذه الرواية إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر؟      

أحداث الرواية مملة، شبيهة ببطلها «مراد» وبأسلوب السرد، إذ يُسهب بكاري في الوصف قبل أن يصل إلى قصته، مما يجعل القارئ تائهًا وفاقدًا للاهتمام بالرواية، حتى أنني في بعض الصفحات كدت أقفز عن الأسطر لأصل سريعًا إلى القصة، والتي تبدأ بإمساك خيوطها نوعًا ما بعد الصفحة التسعين.

يدفعني هذا إلى التساؤل: مَن قال أن على الرواية ولغتها أن تكونا بهذا التعقيد؟ ولماذا علينا أن نقرأ 400 صفحة من الحشو الأدبي الذي لا يُفيد الرواية حقًا بشيء؟ فحتى بلاغة الكاتب الأدبية لا تشفع له ولا تبرر هذه الكآبة والملل في السرد.

اعتمد الكاتب، الذي يدرّس الأدب العربي في المغرب، أسلوب المنولوجات الطويلة الحزينة، والمضحكة أحيانًا. في معظم أجزاء الرواية، يحاول من خلال «مراد» أن يستعيد ذاكرة المكان، ليولد صراع الهوية والوجودية لديه، ويروي قصص حب فاشلة ومأساوية تشبه إلى حدٍ كبير كل ما حدث معه في حياته.   

ذكرتني أحداث الرواية بقصص التراجيديا الكبرى، ولكن بسياق الأعمال الدرامية القادمة من بوليوود؛ «بقدر ما أشتهي الموت صار دائم التأجيل والمراوغة، يكتفي بجعلي أراقب سقوط كل من أحببتهم دون أن يبادرني بضربة قاسية تحسم كل عذاباتي»، فالمراوحة بين اشتهاء الموت أو ذكره أو وصف مشهد من مشاهده في كل فصلٍ من فصول الرواية يجعلها ثقيلة على القارئ بعيدة عن التصديق.

ترشح هذه الرواية إلى القائمة القصيرة كان إمّا لأسباب جغرافية أو مُصادفةً بحتة، أما فوزها -إن حدث- فسيكون خطأ كبيرًا

أما تقديم الكتاب فقد كان أكثر تضليلًا من الرواية نفسها: «تكتب جوليا، العشيقة الفرنسيّة، حكاية مراد، المغربيّ، اللقيط والملعون من قِبل أهل القرية التي وجدوه فيها فنُبِذَ وأُسِيء إليه بالإهانة والضرب، فلجأ مراد إلى العشق كمحاولة للانتقام من القدر: عشق خولة التي تحمل منه، عشق «نضال» زميلته في الدراسة والعمل النضاليّ، عشق جوليا المُسْتَعْمِرَة، وعشقه الأخيرِ لنوميديا، الأمازيغيّة الخرساء»، هذه المقدمة التي تحضّرك لقراءة قصة حب لشخص كافح وانتصر، لكنك في الحقيقة تقرأ قصص انكسارات وهزائم متتالية، بنفس الأسلوب، وتكرار الأحداث.

يمزج بكاري بين الثقافة الأمازيغية والعربية والفرنسية، وهي مكونات شخصية «مراد» الذي وُلد لقيطًا منبوذًا في القرية المغربية «إغرم»، ثم تبناه رجلٌ أمازيغيٌ ليعيش رحلة اغتراب طويلة تعيده في نهاية المطاف، وبعد محاولات انتحار عدة، يعود إلى «إغرم» في محاولة أخيرة لإيجاد ذاته المعذبة.

الكم الهائل من التناقضات في هذه الرواية، والإسهاب في الوصف والتكرار والإعادة مُخيّبٌ للآمال، وحتى الكتابة عنها تضعك أمام مأزق التكرار والإعادة نفسه. أمّا شخصية «مُراد»، فهي على قدرٍ من التعقيد والكآبة الذي لا يُمكن وجوده حقًا إلا في شخصيات كثيرة مجتمعة.

ويبدو تقافز «مُراد» إلى العلاقات النسائية مُضحكًا أيضًا، ففي أحداث الرواية قد يكون في علاقتين مع امرأتين مختلفتين في نفس اليوم، ويحب ثالثة، وفي الوقت نفسه يفكر في الانتحار وغارق في ذكرياته الكئيبة بصورة جنونية. نعرف أحداث الرواية في معظمها، ومراحل حياة «مراد»، من خلال نسائه الكثيرات؛ جوليا وخولة ونضال وغيرهن، إلا أنه في مخيلته يرسم صورةً لمعشوقته بمواصفات يحلم بها، وتحمل اسم المملكة الأمازيغية «نوميديا»، وفي كل امرأة يعشقها يرى فيها أو يبحث من خلالها عن «نوميديا» الخاصة به.

في ظل كل هذا الحشو وهذه الأحداث، لا نعرف تمامًا كيف وصل «مراد» إلى ما وصل إليه من شخصية مرموقة، له آراءٌ سياسةٌ ومواقف صلبة، ويمتلك من المال ما يؤهله لافتتاح فندق فاخر في «إغرم»، ونتوقع من خلال السخط العام عليه بسب مواقفه السياسية أننا سنكتشف شيئًا ما، لكننا نظل ندور في حلقة مفرغة من الحوارات الحزينة التي تدور بينه وبين نفسه دون داعٍ.

تتوالى مآسي «مُراد» بين الماضي والحاضر دون نهاية، ودون أن نصل معها إلى أي نتيجة سوى دائرة سوداوية مغلقة لا هدف منها. كان بإمكان الكاتب أن يتحدث عن صراع الهوية، والصراع الشخصي الذي ينتج عن غياب الوطن، دون أن يضطر إلى الإغراق في كل هذا السواد، ودون كل هذا الحشو بالأحداث التي أخرجت القارئ فعلًا من أحداث الرواية.

باعتقادي ترشح هذه الرواية إلى القائمة القصيرة كان إمّا لأسباب جغرافية أو مُصادفةً بحتة، أما فوزها -إن حدث- فسيكون خطأ كبيرًا، ذلك أنها لا تتسم بالواقعية بشيء، وتبتعد عن جماليات فن الأدب الروائي من حيث البنية والسرد.