سجون الأسدين: لدى الرواية ما تضيفه للتاريخ

تصميم مايا عامر

سجون الأسدين: لدى الرواية ما تضيفه للتاريخ

الثلاثاء 06 شباط 2018

هناك ثلاث: الماضي الحقيقيّ الذي يسعى لكتابته المؤرخون، والماضي الفعليّ الذي تكتبه السلطة، والماضي التخيليّ الذي تكتبه الرواية1.

يقدّم المؤرخون في تناولهم الماضي خطَّ سيرٍ للأحداث، وما «يُعتقد أنه حقائق»، وتسعى السلطة، خاصة في ما يتعلّق بأحداث تدينها أخلاقيًّا، لِطمس بعض الأحداث سعيًا لما يعتقد أنه حقائق كذلك، فيما تقدم الرواية اكتشافًا جديدًا و«معنىً جديدًا للأحداث الماضية من خلال جمعها بين ما يُرى أنه حقيقة، وبين ما كان يُمكن أن يحدث، من خلال تناولها السجلات المفقودة في التاريخ.

في العالم العربي، خصّصت الرواية فرعًا من فروعها، فقط لتناول قصص السجون العربية. اعتمدت بعض الروايات على شهادات حيّة رواها المعتقلون في هذه السجون مثل «تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جلّون، فيما كتب بعض هذه الروايات معتقلون سابقون مثل ما حدث في رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة.

لكن، كان لافتًا، كذلك، عدد الروايات التي تناولت السجون السوريّة في عهد الأسدين، حافظ وبشّار، حيث ساهمت هذه الروايات إلى جانب الكثير من السرديات والحكايات الشفوية في نشوء أساطير وحكايات غريبة، الأمر الذي دفع البعض إلى إنجاز أعمال تتناول السجن من منظور ثقافيّ محاولًا: «نزع السحر عنه والمساهمة في تقويض ما يتصل به من أساطير، أسطورة السجن السياسيّ خاصة، وكانت أشاعتْها قصص وروايات وأفلام وشغف الناس بالأساطير والأبطال»2.

لم يقدم عملٌ، وليس له أن يقدم منفردًا، رؤيةً كاملةً للسجن؛ لذا هذه قراءة في أربعة أعمال روائيّة (ثلاث روايات، وواحدة توثيقيّة) تناولت كل واحدة منها بشكل كامل أو جزئيّ السجون السوريّة، القوقعة: يوميّات متلصص (حكاية السجن من الداخل التي يرويها السجين)، السوريون الأعداء (السجين منظورًا له من زاوية السجان)، مديح الكراهية (السجين منظورًا له من قبل مجتمع السجناء في الخارج)، نيغاتيف (حكاية السجينات الواقعيّة من داخل السجن).

القوقعة

قدمّت الرواية بشكل دقيق حياة السجين في السجن الصحراوي تدمر بأدق تفاصيلها، وكان الغالب عليها رواية الأحداث اليوميّة وتفاصيل التعذيب من قبل السجان، والتكيّف من قبل المسجونين. حاول مصطفى خليفة التركيز على الأثر النفسيّ الواقع على كلٍ من السجين والسجان من خلال بعض الإحالات أو المعالجات لمنشأ العنف في شخصيّة السجّان.

سيروي خليفة حادثة اليوم الأوّل في «تدمر» حين جرى البدء بمعاقبة حملة الشهادات الجامعيّة من أطباء ومهندسين، بالإضافة إلى كبار ضباط الجيش المعتقلين بسبب الفرار من الخدمة العسكرية: «مين فيكم ضابط؟ الضباط تعوا لهون. خرج اثنان من بين السجناء أحدهما في منتصف العمر والآخر شاب (..) مين فيكم طبيب أو مهندس أو محامي يطلع لبرة. خرج من بيننا عشرة أشخاص.

-وقفوا هون، ثم متوجهًا للسجناء: كل واحد معاه شهادة جامعيّة يطلع لبرات الصف»3.

بعد عملية الفرز كان العقاب الأوّل لكل سجين أعلى من السجان في التحصيل الأكاديميّ أو الرتبة العسكريّة، وكان العقاب الشربَ من بالوعة المجاري أمام باقي السجناء.

الرواية استعراض لسجن تدمر منذ بدايات الثمانينيات، وبالتحديد بعد مجزرة سجن تدمر، إلى نهاية التسعينيات، يرويها طالب جامعي عاد من حيث كان يدرس في فرنسا. وفي المطار يجري اعتقاله، وفي التحقيق تُوجّه له تهمة الانتماء أو دعم جماعة الإخوان المسلمين، وحين يستطيع أخيرًا إخبارهم خلال جلسات التعذيب أنه مسيحيّ بل وملحد كذلك، سيرد عليه الجلاد: «قال ملحد قال. أي بس نحن دولة إسلاميّة»4، وأمر مساعده: «أيوب كمّل شغلك».

سيكمل المسيحي الملحد المتهم بالانتماء للإخوان المسلمين، والذي تزداد ضربات الخيزرانة على جسده لكون السجان في «دولة إسلاميّة»، 13 سنة تقريبًا، دون أن يعرف سبب اعتقاله. وقبل الخروج من السجن، بتدخل من أحد أقاربه الذي صار وزيرًا، سيخضع لآخر جلسات الاستجواب، هناك في السجن بدمشق حيث نقل قبل يومين من تدمر، سيقول له المحقق أن يكتب سيرة حياته على الورق، سيكتب كل ما جرى له: وفي سبب اعتقاله سيكتب: الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، ىسيقرأ المحقق ذلك وسيرد عليه:

«شو إخوان شو خرى.. شلون مسيحي وشلون أخوان مسلمين؟ هذا كان خطأ؟»5.

مديح الكراهيّة

ربّما كانت رواية مديح الكراهية أسرع هذه الأعمال سردًا، ففي حين كانت القوقعة تسرد الوقائع لعشرين عامًا تقريبًا، (ما قبل الاعتقال بأيام وأثناء الاعتقال الذي دام 13 سنة، وما بعد الاعتقال بعدة سنوات)، كانت مديح الكراهية تروي حكاية تمدّد مدينة حلب على بساط السرد منذ تجارات القماش الكشميريّ والحمّامات العامة القديمة في العهد العثماني، وحتّى أروقة لندن حيث أقام بعض قيادات الإخوان، كما اتسع المكان في الرواية ليمتدّ بين سوريا وتركيّا وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة وأفغانستان واليمن.

لا تختص هذه الرواية بالسجن كثيرًا؛ إنما كان السجن يحضر في بعض فصولها، منظورًا له من قِبل أقارب المسجونين وزوجاتهم. تروي الأحداث طالبةُ منتظمة في جماعة الإخوان المسلمين، وبسردٍ سريع لا يتوقف عند دقائق المشاهد اليوميّة كانت الرواية تروي التاريخ الاجتماعيّ للعائلة الحلبيّة ودروايش الجامع الأمويّ وتحرّكات قيادة الإخوان في حلب قبيل أحداث الثمانينيّات.

يُخيّل للقارئ للوهلة الأولى أن الرواية تسرد التفاصيل دون وجهة محددة، لكن بعد التقدّم في القراءة سيكتشف أن الكراهية كانت تسري في الأوساط الاجتماعيّة وبين الناس العاديين، وأن الراوي وزّع حكايات الكراهية على الجميع، الكل شارك في تأجيج الكراهية. منذ «استياء الناس من توزيع المناصب الرئيسية في الجيش على الحزبيين (..) الذي وصل درجة استعدادهم للموت في سبيل الله»6. وحتى إهانات الجيش للنساء والشيوخ ومسح الشوارب بالبسطار العسكريّ. في الجهة المقابلة ثارت الجماعة وهدّدت الحزب الكافر.

الحكاية الإطارية للعمل تجري على لسان طالبة ملتزمة في إحدى مدارس حلب، تجد نفسها منخرطة في العمل مع الإخوان المسلمين بشكل سريّ. يبني الروائيّ شخصيّة الفتاة ويقودها توازيًا مع تحولّات المجتمع إلى أن يصنع منها في نهاية العمل امرأة بلا اهتمامات سياسيّة تجوب أوروبا بحثًا عن تسلية تعوض فيها الأعوام التي فاتتها في العمل السياسيّ على حساب أنوثتها.

بؤرة أحداث الرواية نفسها بؤرة مائة عام من العزلة؛ إذ تنطلق أحداثها كلّها من داخل المنزل، مرّة بالتذكر الذي يعود بالزمن إلى فترة الحكم العثمانيّ، ومرّة إلى غراميات سُرقت في غفلة من الأب والعائلة، العائلة الموزعة بين قتلى في صفوف الإخوان وفتيات اخترن الزواج من ضباط سجانين، ومجاهدين في أفغانستان، ومعربدين تجّار. يقودها الرواي خالد خليفة عبر ثلاثة أجيال من عمر العائلة الحلبيّة.

السوريون الأعداء

في بقية الروايات التي تناولناها هنا، وفي العديد من الروايات التي تناولت السجن في سوريا، سنقرأ أن الجيش أو المخابرات اعتقلت شخصًا بتهمة أو بدون تهمة، وبعد تحقيق وتعذيب أودعته السجن. بعدها ستسير الحكايات من داخل دائرة الضحيّة (السجين أو الخاضع للتعذيب). لكن هذه الرواية التي أنجزها فواز حداد في 2014 كانت تحدّد اسم الجهاز الذي كان يعتقل أثناء الأحداث الدمويّة في سوريا (أحداث حماة)، والجهاز الذي يعذب، والذي يسجن والذي يستقصي عن المعلومات، باختصار هذه رواية تتحرك في بيئة الجلّاد أكثر من تحرّكها في بيئة الضحيّة. ليست البيئة المرتبطة بعمليات التعذيب والقتل والسجن فقط إنما بأدق تفاصيلها منذ غراميات الضباط ودسائس بعضهم على بعض، وحتى خصومات الأجهزة فيما بينها.

تحكي الرواية المصادفات التي تجمع الجلادين بضحاياهم. تبدأ قصتها الرئيسيّة مع دخول آلية للجيش السوري لمدينة حماة بعد انتهاء الاشتباكات بين الإخوان المسلمين والجيش. يدخل ضابط ومن دون أي خطر عليه إلى حيّ الكيلانيّة ويقتل عائلة مختبئة ويُبقي بدون سبب على أحد أفرادها الذي يعمل طبيبًا، ويُرسله إلى ميدان الرمي. وهناك سيلتقي الطبيب بأحد مساعدي الضباط الذي يتذكره إذ كان قد عالج أطفاله قبل سنة بالمجان، وليحفظ له الجميل يؤجل إعدامه، ويحاول تهريبه، فتجري الصراعات بين سرايا الدفاع والكتائب والجيش والاستخبارات على الطبيب الرهينة. يقود حدّاد الحكايات من أرض حماة حتّى القصر الجمهوريّ، ويدخل في مراكز إصدار أوامر القتل.

تروي هذه الرواية الأحداث منذ حماة في الثمانينيات وحتى درعا 2011، وكيف جرى صنع قرار التدخل العسكريّ، وكانت الوحيدة التي وصلت للمرحلة الراهنة من تاريخ سوريّا من بين هذه الأعمال.

نيغاتيف: من ذاكرة المعتقلات السياسيات

تختار روزا حسن طريقة توثيق الشهادات الشفوية التي تدلي بها سجينات سوريّات سابقات. جاءت الرواية توثيقيّة لحياة السجينات في المعتقلات، دون تدخل أي حكاية خياليّة من الكاتبة غير إحالات ثقافيّة من التاريخ أو الأعمال الأدبية عن السجون في بعض مفاصلها كمقدمتها، أو بين كل شهادة سجينة وأخرى إحالة ثقافيّة لشرح السجن أو التعذيب في السجون عبر التاريخ: «في كتابه (أنت جريح) يترجى الكاتب التركي أوردال أوز جسده، بلسان بطل روايته، كي يساعده على الاحتمال أثناء التحقيق، يترجاه كي يصمد، كيما يحمله سالمًا إلى منطقة الأمان (..). حين ينتهي التحقيق يشكر معتقل أوز جسده، من كلّ قلبه».

تقول الكاتبة شارحةً سبب اختيارها الرواية التوثيقيّة بدلًا من التخييل: «لأنَّ التخييل سيعمل، كالعادة، على ليّ القصّة الحقيقيّة، بمعنى آخر سيعمل على حقن ما حدث بنكهة ما لم يحدث»7.

وعودةً إلى وظيفة التاريخ الذي تكتبه الرواية؛ التاريخ التخيليّ الذي يضيف «معنى جديد للأحداث الماضية من خلال جمعها بين ما يُرى أنه حقيقة، وبين ما كان يُمكن أن يحدث من خلال تناولها السجلات المفقودة في التاريخ». فات روزا حسن إذًا، التفريق بين «ما لم يحدث» و«معنى جديد للأحداث»؛ فالتخييل يعمل على إضافة معنى جديد للأحداث وليس «خلق ما لم يحدث». التاريخ الحقيقيّ الذي يسعى لكتابته المؤرخون لن يتطرق لثرثرات الناس المشحونة بالطائفيّة كما عرضتها مديح الكراهية، ولن يكتب تاريخ العلاقات العاطفيّة والغراميات بين الجلادين وشقيقات المعتقلين، والتاريخ الفعليّ الذي تسعى لكتابته السلطة لن يكتب في أسباب انتشار الانتحار بين المساجين المفرج عنهم من سجونها، كما تناولته القوقعة، لن يكتب تاريخ الهوامش غير الروائيين.

أخيرًا هذا مثال قديم قامت به الرواية تجاه التاريخ، إذ وفي عام 1929 ارتكب الجيش الكولومبيّ مذبحةً بحق عمّال شركة الفواكه المتحدة المضربين عن العمل بعد انسداد أي أفق للتوصل إلى اتفاق، وكان عدد من سقط يومها ملتبسًا؛ ستقول الرواية الرسميّة أنهم لم يتجاوزوا العشرة، فيما كانت وسائل إعلام المعارضة تصر على أنهم بالمئات. حيث أكَّد إدواردو مايتشا الزعيم الرئيسيّ للإضراب أن عدد الضحايا تجاوز مائتي شخص، إلّا أن الرقم الذي اعُتمد أخيرًا عند جميع الكولومبيين هو 3 آلاف ضحيّة. هذا الرقم الذي ظلّ يردده خوسيه آركاديو الثاني في رواية «مئة عام من العزلة». وهو الرقم الذي دفع البرلمان الكولومبي لفتح التحقيق من جديد في المجزرة التي ارتكبها الجيش بعد عشرات السنين.

هكذا بعد سنوات على آلاف الحكايات في الروايات التي تناولت السجون في سوريا؛ ستتراجع أرقام المنظمات الدوليّة وأرقام النظام والمعارضة حول من مات ومن عاش في السجون، أساليب التعذيب وقوائم الاتهامات اللانهائيّة، ستتراجع هذه الأرقام في ذواكر الناس أمام تفصيلات السجون والمساجين التي أوردتها الحكايات كتاريخٍ متخيّل يقدم رواية الهوامش على رواية «ما يُعتقد أنَّه حقائق».

  • الهوامش

    1- عالجت كايت ميشيل وهي محاضر في الأدب الإنجليزي في الجامعة الوطنية الإستراليّة فكرة (التاريخ والرواية التاريخيّة والذاكرة) في عدة أعمال لها، كان أبرزها (التاريخ والذاكرة الثقافيّة في الرواية الفيكتوريّة الجديدة- ترجمة أماني أبو رحمة 2015- نينوى).

    2- من مقدمة كتاب بالخلاص يا شباب ياسين الحاج صالح الساقي 2012.

    3- القوقعة، ص 19.

    4- القوقعة، ص 8.

    5- القوقعة، ص 128.

    6- مديح الكراهية، ص 112.

    7- نيغاتيف: من ذاكرة السجينات السياسيات، ص 8.