رأي

«يكفي إنك أردني»: حين تكون الأغاني الوطنية أداة إسكات

الأربعاء 16 آذار 2016
عاصي الحلاني

«صوت من أرض النشامى، الأردن وبيت الكرم، وتفتخر رافع الهامة، ويكفي إنك أردني».

تأتي كلمات أغنية الفنان اللبناني عاصي الحلاني «يكفي إنك أردني» في توقيت يجعلها تبدو كمحاولة لامتصاص الأصوات النقدية في فترةٍ متأزمة مرّ فيها الأردن، واللعب على وتر المشاعر الوطنية بصورة باتت نمطيّة وبالية.

الأغنية التي ألفّها الأردني يوسف عطية ولحنّها الحلاني قد تكون تزامنت مع أحداث مدينة إربد في مصادفة من قِبل الحلاني، لكن إصرار الإذاعات على بثها بشكلٍ مستمر لا يبدو بذات البراءة، بل يبدو مشابهًا لما تفعله الإذاعات الأردنية حين تنهال علينا بوابل من الأغاني «الوطنية» الحماسيّة لإخماد أي أسئلة حول الحلول الأمنية. كما أنها تتزامن مع الاعتصام المفتوح في الجامعة الأردنية، لتذكرنا بتقليد استخدام هذه الأغاني في كل مرة يتحرك فيها الشارع الأردني مُحتجًا أو مُطالبًا بأحد حقوقه.

تُحاكي أغنية الحلاني الأغاني «الوطنية» الأردنية، إلا أنها تبتعد عن العنف أو التهديد والوعيد الذي نشهده في معظم أغانينا الأردنية؛ فهي تُركز على أهمية الوحدة والهوية الواحدة (دون ذكر للحقوق والعيش الكريم)، وتوظيف الإذاعات لها يُشعرنا وكأن هويّة المواطن ووطنه مُعرضتان للضياع والبعثرة في حال طالب بأيٍ من حقوقه.

ما زلنا جميعًا نتذكر «24 آذار» و«هبة تشرين»، حين استيقظنا على أصوات الإذاعات والتلفزيونات الأردنية تبث أغانٍ مثل: «هذا الأردن أردنّا» و«ارفع راسك» وغيرها من الأغاني، وكأن كلَّ من نزل إلى الشارع، وكل من تضامن مع مَن نزلوا إليه وطالبوا بحقوقهم لا يحبون الأردن وليسوا أردنيين.

يسير خطاب الأغاني «الوطنية» في الأردن والعالم العربي بشكل عام على نسقٍ واحد، يسحب صفة الوطنية عن كل من يُعارض صوت السلطة أو يُطالب بالحق العام، وتنفي عنه حبه للوطن لمجرد رغبته بحصوله على حقوقه.

وتأتي هذه الأغاني مُركبة على ألحان رديئة في معظم الأحيان إلا أنها مألوفة وذات إيقاع يسهل إدمانه والاعتياد عليه، ويجعل تكرارها على الإذاعات أمرًا مُعززًا لدى الناس لحفظها وترديدها وتخزينها في عقولهم، مما يجعلها سلاحًا تستخدمه الدول في كثير من الأحيان لحشد أكبر عدد من الناس للالتفاف حولها.

في الكثير من هذه الأغاني، نرى صفات مشتركة، كالتهديد المبطن لأي صوت معارض، والتأكيد على أهمية حب الوطن والقائد والأجهزة الأمنية دون عن أي ذكر للمواطن وحقوقه، وتعزيز العنف تجاه أي صوت لا يتفق مع مقولة «الله الوطن قايدنا، منقوشٍ على بوابه»، والتشجيع على العنف حتى من خلال الهتافات التي تخرج في الدفاع عن الوطن (نحنا شرابين الدم). حتى أننا بتنا في كثير من الأيام نستبدل صباحاتنا الفيروزية على الإذاعات بهذه الأغاني التي لا تفعل شيئًا سوى أنها تشحن المستمعين بشحنات إضافية من العصبية والانفلات نحو العنف وردود الفعل الغاضبة.

فعلى سبيل المثال في أغنيته «طلّ النشمي»، يتوعد حسين السلمان قائلًا «طل النشمي من الخندق، الأخضر واليابس حرق، واللي يعادي أردنا نخلي عظامه تتطقطق». أطلق السلمان هذه الأغنية قبل عدة أعوام، لم نكن وقتها في حالة حرب، لكنه كان يستعد لتجييش النفوس وخوض معارك نفسية وهمية لا أدري مع مَن.

دائمًا ما تحتاج الأغاني الوطنية رمزًا تتكئ عليه في كلماتها، الوطن يبقى حاضرًا في كل الأغاني، لكنه لا يبدو كافيًا كمكونٍ وحيد في معظم الأغاني، إذ لا بد أن يكون هناك رموز أخرى: القائد، الجيش، الأجهزة الأمنية، البندقية والرشاش والمروحية والروفر.. أما المواطن فقلمّا يكون موجودًا في الأغنية كرمز، فوجوده إما من أجل تعزيز الولاء أو التأكيد على افتداء نفسه للوطن، دون صفات إنسانية حقيقية.

اليوم، وعلى غرار أغنيته «بكفي إنك لبناني» (حتى وإن عشت بدولة لا رئيس فيها ولا نظام وبشوارع تطمرها النفايات وتحكمها الطائفية فـ«لبنانيتك» تكفيك لتعيش)، أطلق عاصي للأردنيين نصيحته: لا النظام التعليمي ولا الصحي ولا تقنين استخدام العنف ولا أي مطلب من مطالب المواطن الأردني يعني أي شيء مقابل أن تكون «أردنيًا»، ذلك وحده يكفل لك أن تعيش.

* الصورة لموقع الجرس.