العودة إلى كاظم الساهر: أبناء التسعينات اليتامى

الخميس 28 تموز 2016

توقفت عن الاستماع لكاظم الساهر منذ سنوات.

كففتُ عن الاستماع إليه، ولكنني لم أفقد حالة الانبهار المراهقة التي تترافق دومًا مع مرور سيرته الطيبة.

نفس حالة الانبهار واضطراب أغشية القلب التي كانت تغمرني عندما كنت أتصل ببرنامج «ألبوم الأغاني» لأدلي بصوتي في سباق الأغنيات الأسبوعي. صوتي في ديمقراطية الفن: كنت أعطيه دائمًا لكاظم الساهر، وأنتظر بنوع من أنواع الأمل الصادقة-التي يتقنها المراهقون- أن تعلن «مروة خميس» أن كاظم هو من تصدّر السباق.
للأمر أسباب كثيرة، لعلّ أبرزها هو أن أيًّا من أغاني كاظم لم تناسب قصص حبنا.

فالمستبدّة لا تعاني من مشاكل مع الكومتمنت، والمستقيل الذي بدمع العين يمضي لا يتصارع مع قوى الوجود ليكوّن نفسه، أما مدرسة الحب فهي الخازوق الذي لبسناه في عمر مبكر إلى الحد الذي ما عاد من الممكن عنده إنقاذُنا من أضواء السيارات وشظايا البلور المكسور التي ملأت رؤوسنا الخفيفة.
مرّ على بيدرنا حُبٌ كثير (بضمّ الحاء وليس بفتحها) اخضرَّ وأينع، ثم جفَّ وذرّته الريح، ولم يبقَ لنا إلا فزاعة كاظم التي تحدثنا عن حب يحيل أصابعنا ذهبًا وجباهنا قناديلًا.

مات شيء بداخلنا. مات جيدًا. مات بإخلاص.

ثمّ قيل لنا أنّ كاظم آتٍ إلى جرش.

فركت عينيّ في الصباح وذهبت إلى المركز الثقافي الملكي، الذي لا أخطو على موكيته عادةً إلا دعمًا لأصدقائي من الشعراء المغمورين والمطربين المغمورين والممثلين المغمورين، لكي يصفق لهم أحد ويلتقط لهم صورة رديئة بهاتف محدود البكاسل.

اشتريت التذاكر وطويتها بالطول في محفظتي. وتخيّلتُ صوتها وهي تنقسم عند الخط المتقطع، نصفٌ لقاطع التذاكر، ونصفٌ لدفتر المذكرات الأبدي. قال شيء في قلبي: عندما تسمعين هذا الصوت المتراوح بين التفكّك والتمزُّق سترين كاظم بشرًا سويًّا. واندفع الدم في حجرات القلب الأربعة حتى فاض عن شرفاته ومزاريبه.

عدتُ للبيت. قلتُ لأمي –بنبرة الخبر لا بنبرة السؤال الذليل: سأذهب لأرى كاظم (فكاظم –عند هذا الخريف من عمري ومن عمره- يُرى أكثر مما يُسمع) فقالت أمي، كأيّ أمٍ كلاسيكية شوّهها التلفزيون الأردني من الداخل: ويعملوا زوم بالكاميرا عليك وإنتِ بتغني معه؟!

ثم غام ذهني يومًا كاملًا، إلى أن وجدتُني مع رفيق في أول شارع الأردن، نلاحق الشمس باتجاه جرش.

توقفنا في الطريق لنشتري القهوة. كان الفتى يغلي القهوة أمامي، ينظر إليّ، ولا يُدرك تفجُّر الألعاب النارية بين رئتيّ، وتسلُّق داليةٍ من الدهشة على مفاصل جمجمتي. أخذت قهوتي وركضت إلى السيارة. كنت أريد أن تنطوي الأرض من تحتنا ونصل، ورغم أنني توقفت عن الاستماع لكاظم الساهر منذ سنوات إلا أنني وجدتُ رفيقي قد تواطأ عليّ مع الساوندكلاود لأسمع «قولي أحبك» لأول مرة منذ زمن، ودون كل مرتّبات الراقصات البيضاوات اللواتي غزون روما حينها.

تأملنا قولهما (هو ونزار قبّاني): «قولي أحبك، كي تزيد وسامتي، فبغير حبك لا أكون جميلاً». تأملنا كيف عكسا تعريف الجمال والإقرار به من شيءٍ يقوم به الرجال في حق النساء، ليصبح شيئًا تقوم به النساء في حق الرجال.

ثم وصلنا إلى المدرج الجنوبي ففصلوا الحضور إلى رجال ونساء، لكي يفتشوا حقائب النساء في طابورين لا يتحركان، وتحت جهاز كشف معادن غير موصول بالكهرباء.

لقد توقفت عن الاستماع لكاظم الساهر منذ سنوات. لأنني، وأنا ما أنا عليه من هشاشة التسعينات وأحلامها الواسعة، لا يمكنني أن أتواءم مع العالم الذي أعيشه والعالم الذي يقول كاظم الساهر أنه ممكن أو موجود.

وقفت أستمع إلى ملاسنة طويلة بين الفتيات (الصبايا والأمهات والجدات، الشابات والشائبات) وبين الحرّاس. ولكنني كنت أتأملهن: أتأمل تنوّعهنّ، بلهجاتهنّ، وأشكالهنّ، وإصرارهنّ المشترك على تجاوز البوابات، رغم منظر المدرج الذي يسدّ الأفق أمامنا: مرصوٌف بالوجود كمرتبان مكدوس بشري هائل في الهواء الطلق.
تجاوزنا ثلاث طبقات من الحشود والحواجز، عند أحدها سأل الشرطيّ رفيقي: «معك مَرَة؟» فأشار إليّ ففتح لنا الحاجز لنمرّ.

وقفت وسط الحشد الأخير وأنا أفكر بأن كوني «مرة» مفيدٌ هنا وفي حافلة نقل عام، وما سوى ذلك فإنه لا وقت لأفكاري الفمنستية، وأنني مضطرة استراتيجيًا لضمّ صوتي لصوت الفتاة التي كانت تقول للشرطي: «عيب توقفونا هيك، إحنا بنات» (لم أعرف ما هو وجه العيب، ولكنني كنت أريد بأي ثمن أن أهرب إلى الأمام لأرى كاظم، أو أن أهرب إلى الخلف لكي لا يقتلني الحر).

أحطتُ صدري بذراعي المتقاطعتين وشددت حقيبتي على ظهري، لأن الله لا يعدّمنا ذلك الفتى (أو الفتيان) ذوي الأذرع الحائرة التي تمرّ ببلاهة نجسة على الناتئ من أجساد النساء في مثل هذه الأزمات.

غطى العرق جسدي.

طبقة رقيقة تتحوّل إلى ورق زجاج يكشط عظمي مع كل نسمة هواء. يتدافع الناس. يتصايح أحدهم مع الأمن ثم يتبيّن أنه لا يحمل تذكرة أصلًا. أرفع تذكرتي قرب وجهي، وكأنها درع القوة الخارقة الذي سيمكنني من اجتياز الحشود. أنظر خلفي، لا أرى شيئًا، أنظر أمامي ولا أعرف سبب حصارنا بين الحاجز ومدخل المدرج.

يتصاعد صوت امرأة بلهجة عراقية وهي تتساءل عن سبب وقوفنا دون أن يدخل أيٌّ منا من البوابات. امرأتان تتحدثان باللغة الكردية بغضب. شابان يدخنان في المسافة الضيقة بين رموشي ومناخيري. يدور بي الكون .. يدور يدور… يطبق رهاب الأماكن الضيقة كفّيه على لغاليغي وأخشى أن أسقط فتقول عني الصحافة الإلكترونية الشريفة الطاهرة: «إغماء في صفوف معجبات أبو وسام». طبعاً سيقولون «أبو وسام» لاستيفاء المكوِّن الحفرتليّ للخبر الذي سيُعهّرني لمجرد أنني أسقط كالذبابة في الحر والزحمة.

«لا أريد أن أرى كاظم .. ليس اليوم».

وأخذنا نتراجع. سمعت فتاة بين الناس تقول «بدنا ألف سنة تا نصير بشر». ابتلعتُ كلمتها بينما مشينا مبتعدين عن المدخل الذي أخذ رجال الأمن ينادون عنده: «سكروا البوابات، المسرح مفلل».

مشينا نحو الساحة الرئيسية. قارنتها بساحة ذكرياتي عندما كنت آتي مع أهلي وأنا طفلة. شعرتُ بها فارغة وكأن عمالًا على وشك أن يشطفوها ليغلقوها، لا تشبه ما كانت عليه عندما كانت تعجّ بالراقصين من كل بلاد الله بملابسهم الشعبية ورنين لغاتهم المبهمة.

عاد إليّ شعورٌ قويٌّ كنت أصفه مؤخرًا للأصدقاء «أشعر بأنني في الحلقة الأخيرة من مسلسل رديء». التنظيم سيء. واحدٌ وثلاثون سنة من المهرجان لم يجرِ فيها ولو لمرة واحدة إحصاء أعداد المؤخرات التي يتّسع لها المدرج، الساحة الرئيسية شبه فارغة، والشعلة تترنح تحت نسيم تموز الذي تغلي فيه المياه في الكوز.

ولإنقاذ الموقف صعدت فرقة معان للفنون الشعبية إلى منصة الساحة الرئيسية. اقتربنا بسعادة ولكننا انفضضنا سريعًا، فكل وجوه الفرقة جديدة علينا، وإن كنتَ لا تريد أن تطرب على كلمات التسحيج (وهو مفهوم مختلف عن السحجة) ووعد الأعداء بالويل والثبور فقد خسرتَ فرقة معان في جملةِ منْ فقدتَهم.

اقتربنا بعدها كالقطط من الصخور المقابلة للمدرج وجلسنا وأنصتنا لعلّ كاظم يصل إلينا إنْ لم نصل نحن إليه. أنصتنا بعمق، وغربلْنَا هواء المساء فسمعناه يقول «ماتت بمحراب عينيك ابتهالاتي» وشعرت بأن الحلقة الأخيرة من المسلسل الرديء تتحسن قليلًا.

لقد توقفت عن الاستماع لكاظم الساهر منذ سنوات. ليس لمجرد أنني أجذب الحمقى وهواة التدمير الذاتي فحسب، بل لأنني، وأنا ما أنا عليه من هشاشة التسعينات وأحلامها الواسعة، لا يمكنني أن أتواءم مع العالم الذي أعيشه والعالم الذي يقول كاظم الساهر أنه ممكن أو موجود.

كيف لي أن أذهب إلى عملي، وأن أدفع أقساط سيارتي، وأن أشاهد نشرة الأخبار، وأن أجفف النعنع على الصفحة الأولى للجريدة طالما أن كاظم حرٌ طليق يرجو حبيبته أن تضعه مشطًا عاجيًا في عتمة شعرها وتنساه.

نحن أبناء التسعينات، من كانوا يستيقظون مبكراً في بيوت لا يوجد على سطوحها ستالايتات، ويسعون ببيجاماتهم إلى التلفزيون فيشعلونه ليتفرجوا على التلفزيون الأردني: نرفع أيدينا مستسلمين لحسين دعيبس وهو يرسل كاظم قبطانًا إلى البحر في فيديو كليب «أشهد» ويرسله شهيدًا إلى الجنة في «مستقيل» (أيام كان الفرق بين الشهيد والقتيل واضحًا) ثم نموج مع موج فرقة معان للفنون الشعبية (أيام كان الفرق بين العدو والحليف واضحًا)، ثم ندور حتى ندوخ مع فستان ماجدة الرومي (أيام كان الفرق بين الحبيب والصديق واضحًا) ثم نشاهد نشرة أخبار لا يمكن لضحاياها كاملين أن يملؤوا حمولة باص.

لقد توقفت عن الاستماع لكاظم الساهر منذ سنوات لأنني لا أصلح لزمانه، ولأنه يقول أن حبها علمه أنه حين يحب تكفُّ الأرض عن الدوران.

أنا، أريد أن تكف الأرض عن الدوران: لأنني أريد أن أنزل.

  • جميل، رُغم أني لستُ من هُواة حُضور المهرجانات والحفلات الحية لكن جُزء من القصة لامسني … أعجبني تناول موضوع فرقة معان للفُنون الشعبية التي أصبحت ظلًا هزيلًا لما كانت عليه من ألق.

  • أحمد عميرة

    أدب ساخر محترف … ونص “متعوب عليه” حقيقة
    كتبت تعليقي هنا، لأن التعليقات على رابط الفيسبوك تعج بالحمقى!

  • idaydream

    كلمة ابداع قليلة جداً وجداًً وجداً. كأني بقرأ رواية من برا هالكوكب، مع انها تفاصيلنا البسيطة بحلوها ومرها وتكرارها الفارغ بس طريقتك الذكية والعفوية بنفس الوقت ماتركت مجال لملل الفراغ او التكرار. انا محظوظة اللي قرأت “هالرواية” القصيرة، بكل صدق ابدعتي. بشكرك جداً وجداًً وجداً.