بلاك ميرور: المفاجأة، أن لا مفاجآت

الخميس 18 كانون الثاني 2018

 أول ما أشعر به عندما أسمع اسم المسلسل البريطاني بلاك ميرور هو التوتر وعدم الراحة. مسلسل الديستوبيا البريطاني تميز عن باقي المسلسلات التي صدرت في السنوات الأخيرة الماضية بنهاياته التعيسة وغير المتوقعة. خيال علمي مكتوبٌ بطريقة مثيرة تجعله يبدو واقعيًا، وربما هذا أسوأ ما في الأمر. وفي أواخر العام 2017 أصبح الموسم الرابع متوفرًا على شبكة نتفليكس.

«بلاك ميرور» أو المرآة السوداء، بدأ بشكل متواضع في العام 2011، ولم يكن يشبه أغلب المسلسلات التي نعرفها. في البداية كان كل موسم عبارة عن أقل من خمس حلقات، وبعد التعاون مع نتفليكس، صار الموسم ست حلقات. 19 حلقة صدرت إلى الآن، وبالرغم من أن بعض المعجبين يبنون نظريات حول إن كانت حلقات المسلسل تدور في نفس العالم أم في عوالم مختلفة، إلّا أن هذه الحلقات غير مترابطة، وبإمكانكم البدء بمتابعة المسلسل من الموسم الرابع دون القلق على بناء درامي سابق أو ترتيب حلقات.

يبدأ الرعب، بالنسبة لي على الأقل، من اسم المسلسل؛ فالمرآة السوداء هي الشاشة السوداء التي نرى بها أنفسنا على أجهزتنا الذكية. وبالرغم من أن الثيمة الأساسية في المسلسل هي أن التكنولوجيا تستخدم بطرق مرعبة وتشعرك بأن نهاية عالمنا الذي نعيشه بالاعتماد على التكنولوجيا ستكون بشعة، إلا أن التكنولوجيا لا تظهر في المسلسل أبدًا على أنها الشر. يذكرنا بلاك ميرور أننا نحن من نظهر في الشاشة السوداء بعد أن تنتهي كل حلقة.

شخصيًا، الحماسة لهذا الموسم كانت أقل من المعتاد، فالموسم الثالث أعطاني انطباعًا أن المسلسل ربما يتجه نحو «الجماهيرية» ليصبح مناسبًا لجمهور عامٍّ ليس معتادًا على صدمات من ذلك النوع التي يقدمها بلاك ميرور. وجود نتفلكيس كمنتج لبلاك ميرور أمر عظيم، نسبيًا، فبدلًا من مشاهدة حلقات قليلة كل عدة سنوات، بتنا نشاهد ستة حلقات من المسلسل كل عام. لكن هذا الانتظام في العرض ربما جاء على حساب النوعية، ولا يمكن للمتابع إلا أن يشعر أن إنتاج نتفليكس يؤثر على نوعية الكتابة، حتى وإن صرّح كاتب المسلسل بعكس ذلك.

وقد بدا واضحًا جدًا، بالنسبة لي على الأقل، في الموسم الثالث أن صنّاع المسلسل يحاولون جذب جمهور أوسع، فنجد إحدى الحلقات تحتوي نهاية سعيدة ورومانسية، ولمن ليس متابعًا للمسلسل المتشائم بلاك ميرور، فهذا الأمر شديد الغرابة. وفي الموسم الجديد زاد عدد النهايات السعيدة، وكأن هوية المسلسل تحت التهديد.

ما الذي تقوله «أفلام» هذا الموسم؟

عندما نشر الإعلان التشويقي للموسم الرابع أثارت حلقة (USS Calster) تساؤلات كثيرة، فكان السؤال هل سنشاهد محاكاة ساخرة للفيلم الشهير ستار تريك؟

للحلقة رمزيات كثيرة لها علاقة بالتنمر وما يمكن أن ينتجه من عنف، وعن السلطة التي تفسد صاحبها. بعد مشاهدة الحلقة تصل إلى فكرة أنه لا خير مطلق، ولا شرّ مطلق. وخلال المشاهدة يختلط الحابل بالنابل، ولا تعرف من الشرير ومن الخيّر، من المجرم ومن الضحية. وتساءل نفسك هل من الطبيعي ان أشعر بالتعاطف مع هذا «الشرير»؟ ولمَ أتعاطف مع «كود» في مواجهة إنسان؟

تبدو الحلقة وكأنها من منظور واحد، إذ نرى المبرمج المنطوي يتعرض للتعنيف والاستغلال، ولا نراه يدافع عن نفسه، لنكتشف أن لديه طريقة قد نصفها بالمضطربة لتفريغ غضبه أو التعبير عن مشاعره بشكل عام، ولكن لا نسمعه أبدًا يتحدث عن الموضوع أو يدافع عن نفسه، مع أننا نرى شخصيات أخرى تراجع نفسها وتبرر موقفها. فكيف نحكم إن كانت الشخصيات نالت ما تستحق في ذلك العالم، وهل كانت النهاية حقًا سعيدة؟

في الحلقة التالية، والتي تبدو وكأنها فيلم مستقلّ، دعوة للتفكير في سؤال هل من الممكن المبالغة في الأمومة؟ وهل هي شيء نقي وصالح دائمًا؟

تروى الحلقة، المرويّة بشكل جميل جدًا، العلاقة المعقدة بين الأم الخائفة على طفلتها، والطفلة التي تحارب لنيل استقلالها. شاهدت الحلقة، أوّل مرة، وكانت والدتي إلى جانبي. لم يكن هذا ليغير من طريق مشاهدتي للحلقة إلا أنني كلما فاجأني اضطراب الأم ووتّرني، وجدتُ أمي تتمتم أن تصرفاتها مفهومة، لتعلن بعدها قائلة إن كانت التكنولوجيا ستساعدها على التربية فعليها أن تستفيد منها.

نعيش اليوم في زمن يحاول فيه الكثير من الأهالي، حتى غير المهتمين بالتكنولوجيا، السيطرة على حضور أطفالهم على الإنترنت، وعلى ما سيتعرضون له منذ الطفولة وحتى ما بعد المراهقة. لكن هذه الحلقة تنقل الفكرة إلى مستوى مختلف كليًا، مستوى تصبح معه عبارة «الأخ الأكبر يراقبك»، والمأخوذة من رواية 1984 الشهيرة، واقعيّة جدًا. هل كانت نهاية هذه الحلقة سعيدة؟ الأمر يعتمد، كالعادة، على موقفك من أسئلة أكبر.

في الحلقة الثالثة، «Crocodile»، لا ترتكز القصة على التكنولوجيا، بل على شخصية مضطربة تصبح مهووسة بعدما يظهر لها شبح من الماضي، ليذكرها بأسوأ خطأ في حياتها، فإلى أي حد يمكن أن تذهب لتغطية أكبر خطأ في حياتها؟ هل لدرجة ارتكاب خطأ أكبر منه؟

في هذه الحلقة شديدة السوداوية، نتعرف على تكنولوجيا مرتبطة بالذاكرة، ولذا فإنها غير دقيقة وقابلة للتغير تمامًا كذاكرتنا. تعتمد «شازية» التي تعمل في شركة تأمين على هذه التكنولوجيا لترتيب قضية ضد شركة بيتزا قامت سيارتها ذاتية القيادة بصدم شابٍ ما. وتتم حكاية القصة عبر النظر إلى ذاكرة أشخاص مختلفين حتى تتقاطع مع جريمة بشعة حدثت في نفس الوقت.

تحلّ النهاية كافة التفاصيل، وينال كل شريرٍ ما يستحقه، لكن هذه «العدالة» كانت مزعجة جدًا بالنسبة لي، إذ شعرت أنها كانت محاولة من صنّاع المسلسل لتبرير سوداويتها.

الحلقة الرابعة، (Hang the DJ)، جاءت على النقيض تمامًا لسابقتها. تدور القصة حول تطبيق مواعدة يضمن لك توافقك مع الشريك المثالي. نشاهد في هذه الحلقة أشخاصًا يعيشون في مكان مغلق، ولا يخرجون منه قبل أن يجدوا الشريك المثالي الموعود، وهناك نظام لا خيار لك إلا اتباعه. «كل شيء يحدث لسبب» هذا هو الرد الوحيد على الإحباطات التي يتلقاها المشاركون، والنظام يعرف ويقيس بشكل علمي كيف يجد هذا الشريك، وعليك أن تسلم نفسك تمامًا له، وعليك أن تدخل في كل العلاقات التي يفرضها عليك حتى وإن لم تعجبك، وتستمر فيها للفترة التي يقررها النظام.

كيف يستطيع الإنسان أن يواجه خيارات مشاعره وإحساسه بأنه وجد الشخص المناسب، إن كانت الإحصاءات لا ترى الموضوع بنفس الطريقة.

في حال كنت قد شاهدت فيلم (The Lobster) وأعجبك، فعلى الأغلب ستناسبك هذه الحلقة، إذ تسخر من طريقة تفكيرنا بالعلاقات، وإلى أي مدىً نذهب لنجد الشريك. لا أستطيع أن أجزم إن كان كاتب المسلسل قد تأثر بالفيلم، لكن إن كان من غير المناسب مشاهدة ذلك الفيلم من دون رفقة بشر، لأنه شديد السوداوية، فلربما تصلح هذه الحلقة للمشاهدة المنفردة إذ ربما تعدّ أكثر حلقات المسلسل سعادة.

في إحدى المقابلات مع كاتب المسلسل تشارلي بروكير قال إن أسوأ حلقة في هذا الموسم هي الحلقة الخامسة (Metalhead) لأنها مصوّرة لتبدو وكأنها كابوس. لكن هذا ليس السبب الوحيد للرعب، السبب الأهم هو أن التكنولوجيا في هذه الحلقة قريبة جدًا، وتبدو وكأنها شديدة الواقعية.

في مكان يبدو وكأنه مهجور وناءٍ يذهب ثلاثة أشخاص للوفاء بعهد يُلزمهم بإحضار شيء ما من هذا المكان للشخص الذي يحتضر. يغامر هؤلاء الثلاثة بحياتهم في أرض لا نعرف كيف وصلت لما وصلت عليه، ومليئة بالكلاب التي لا تفضل وجودهم.

هذه الحلقة هي أقصر حلقات بلاك ميرور على الإطلاق. وتبدأ باقتباس من رواية جورج أورويل «مزرعة الحيوان». لا تخبرنا الحلقة الكثير عن الشخصيات أو عن التكنولوجيا، بل تضعنا في وسط هذه المعمعة المصورة بشكل تجريبي بالأبيض والأسود وبحوارات نادرة، وهو ما يجعلها حلقة صعبة بعض الشيء. قارنها كثيرون بفيلم الرعب الشهير (The Shinning) من حيث المؤثرات الصوتية، والموسيقى، وطريقة التصوير وبعض اللقطات.

الحلقة الأخيرة من الموسم عبارة عن مجموعة من القصص المدموجة في حلقة واحدة. تدخل شابة للمتحف الأسود حيث يأخذها المالك في جولة منفردة عبر التاريخ الذي مرت به القطع التكنولوجية التي جمعها وهي قطع شاهدناها في حلقات سابقة من بلاك ميرور، وقطع سنتعرف عليها، إلا أن العلاقة التي تجمعهما بتاريخ هذه القطع ستغيّر مستقبلهما.

قد تبدو هذه الحلقة وكأنها تخبرنا أن النهايات السعيدة التي تختم الموسم الرابع من بلاك ميرور، إنما هي إشارة للمعجبين أن لا يحضّروا أنفسهم دائمًا لنهايات تعيسة.

يؤسفني أن أصف بعض حلقات هذا الموسم بالمتوقعة. كان من النادر جدًا في مواسم سابقة استباق الأحداث، ولكن في هذا الموسم حلقات، مثل الحلقة الثانية، تستطيع أن تتوقع الخط الدرامي فيها مبكّرًا. وهناك العديد من النقاشات لدى محبي المسلسل حول ثغرات في الكتابة، وكأن هذا الموسم كُتب على عجل، والنهايات السعيدة فيه غير منطقية حينًا، وغير مناسبة لمسلسل من هذا النوع دومًا.

سيكون من السهل الافتراض أن سبب هذه المشاكل هو شهرة المسلسل وعالميته الآن، ولذلك نراه أقل سوداوية. هل يعني هذا أننا خسرنا مسلسلًا مفضّلًا، آخر، لأن صنّاعه اختاروا الجماهيرية على الجودة؟