«إنشالله استفدت»: كوميديا النكد

الإثنين 13 شباط 2017
لقطة من الفيلم.

في كل فيلم روائي أو تسجيلي أو حتى تقرير إخباري شاهدته وصُوّر في عمّان، كان لا بد من صورة بانورامية متكررة تؤسس للمشهد: شارع متوسط العرض، متوسط الانحدار، متوسط الاكتظاظ، على جانبيه كتلتان من البيوت المكعبة رملية اللون، تتكئ على بعضها بطريقة توحي بالهشاشة، وكأنها أخذت استراحة امتدت لسنوات. على الرصيف، طاولات صغيرة أمام المحال، يجلس إليها كهلة يتسلّون بالمارة ويخترعون النكات، وعابرون يحملون أكياسًا بلاستيكية، خرجوا مهمومين من أعمالهم المملة، ليعودوا مهمومين إلى بيوت مكعبة رملية اللون، يتكاثر فيها الهمّ.

حين يريد صانعو الأفلام والصحفيون والكتاب أن يقولوا إنهم في عمّان، فهم يقدمون لنا -دون أن يدروا، ربما- صورة طاحونة هائلة، تدور وتئنّ بلا توقف، وتبصق حولها أشخاصًا محطمين. في فيلمه الروائي الطويل، قدم لنا المخرج محمود المسّاد صورة شبيهة لعمّان، لكن بإضافة فارقة: من تحت الرحى، تخرج قهقهة صادقة.

فيلم «إنشالله استفدت» (2016، 83 دقيقة)، ذو الإنتاج الأردني-الألماني-الهولندي، والذي عُرض الأسبوع الماضي لأول مرة في الأردن، يبحث عن نكاته في يوميات النكد، ويحاول استثمار الكشرة الكلاسيكية كوميديًا، على نحو ناجح إلى حد بعيد.

يروي الفيلم قصة أحمد طاهر فرّاج؛ مقاول مهموم كان عائدًا إلى بيته بكيس بلاستيكي حين استوقفته مصيبة عادية، بعد أن وصلت محاولاته المتلاحقة لسد الدَين بدين آخر لنهاية تعيسة. إنها تهمة «احتيال» بسيطة، أصغر من أن تقوده للسجن. لكنها قادته إليه بالفعل، كما فعلت وتفعل بالكثيرين. 1800 دينار استدانها لبناء سور، ثم طارت دون أن يبنيه، كانت تقف بينه وبين خروجه من السجن. ورغم محاولات قريبه وشريكه المتكررة لتدبير المبلغ، إلا أن المأزق ظل يتفاقم، فالمصائب، كما نعلم، لا تأتي فرادى.

 
تدور معظم أحداث الفيلم في مهجع «و 6». هناك، ينفتح أمام أحمد عالم السجن هذا المجتمع الصغير المكتفي ذاتيًا، بمختاره وزعرانه ومبتدئيه، واقتصاده الخاص، واحتفالاته العفوية، ولعب الشدة فيه الذي كثيرًا ما ينقلب مشاجرة. برع الممثل أحمد الطاهر، الذي أدى دور سميّه، في تقديم رجل العائلة الذي يشغل اتّقاء المشاكل وتسيير الحياة بالحد الأدنى من الخسائر الجزءَ الأكبر من وقته وجهده. لكنه استطاع في الوقت نفسه مرافقتنا بسلاسة في تحولاته، حين انتقل من انتظار الفرج معه، إلى الضحك على روتين السجن، وربما حتى الاستمتاع ببعض طقوسه. ولعل ذلك كان أشد منعطفات الفيلم خطورةً.

لا شك أن هذا التحول كان مثيرًا للقلق، فآخِر ما يحتاجه فيلم كهذا هو أن يستفرغ خلاصة الأعمال الفكرية لأحد «إيجابيي المدينة»: حتى في السجن، هناك ما يمكن الاستمتاع به. لكن المسّاد ابتعد بفيلمه عن هذا المطب إلى حد مقبول فيما أعتقد، بالتركيز على شيوع المأزق الذي وقع فيه أحمد، وإمكانية حدوثه للجميع، وبالتركيز كذلك على مآله: فأحمد، على عكس محتالين آخرين كُثر، لم يستفد سوى 1800 دينار استدانها لإتمام مشروع ثبت فشله.

لعل من التعجرف الاعتقاد بأن هناك استعارة قادرة على اختزال «شكل الحياة» في مكان ما، فالحياة، ببساطة، ليس لها شكل واحد في أي مكان. لكن المسّاد -الذي ظهر في الفيلم مؤديًا دور أحد المحتالين- يحشو السجن بما استطاع من إشارات حول «شكل الحياة» في الأردن: فساد يومي لطيف، دوائر حكومية أقرب إلى مدافن للملفات، دوّامات من المزاجية الرسمية، و«تعييش» ككرت جوكر قادر على انتشالك من الأزمات. إنها ليست «كوميديا سوداء» تمامًا، إذ فيها رغم ما سبق حد أدنى من الألفة والدفء. لكنها كوميديا «جافة وقاسية»، تحاول أن تحمل «روحًا أردنية خاصة»، كما يقول المسّاد نفسه.

لكن المؤسف هو أن السيناريو، الذي نجا من الابتذال إلى حد بعيد، كان مُقلّمًا ومهذبًا أحيانًا على نحو مخيب للآمال، وإن كان متوقعًا. فلا يحتاج أي منا للمرور بتجربة السجن لنعرف أن قضاء ثلاثة أشهر فيه دون سماع «طُعمٍ» واحد هو ضرب من الخيال، فضلًا عن ليالي النظارة الخالية من الصفعات. لا أدري إن كان القصد من هذا التجميل هو جعل الفيلم صديقًا للعائلة أم صديقًا للدائرة، لكن غياب الحدّة اللاذعة في السيناريو كان محبطًا على أية حال، خاصة لأن الفيلم يضع قيمته الأساسية في واقعيته، و«شوارعيته» في بعض الأحيان.

مع ذلك، نجحت العديد من عناصر الفيلم في البقاء وفية للجفاف والقسوة اللذين يحاول الفيلم تقديمهما كوميديًا. إذ احتفظت الصورة السينمائية، على جمالها، بما يليق بالسجن من عتمة، فطغت عليها ألوان قاتمة تضيف إلى اكتظاظ السجن ضجرًا ثقيلًا. وبإضافة صوت النيون الزنّان ليلًا، وصرير الأسرّة المعدنية المزدوجة، يضمن الفيلم تهشيم أي احتمالية للاستخفاف بالسجن وسط النكات.

لا شك أن محاولة خلق كوميديا ذات «روح أردنية» تجعل من الفيلم مشروعًا طَموحًا وتجريبيًا إلى حد بعيد، ربما كما هو أي مشروع فني يحاول إعادة إنتاج «شكل الحياة» في الأردن، أو تأريخه. لكن بعيدًا عن هذه المهمة «الجادة»، يبقى في الفيلم ما يكفي من خفة الدم للاستمتاع بمشاهدته، بوصفه نكتة عادية طرحتها الطاحونة الدوارة.