عن أجسادنا ومُدننا ومُجتمعاتنا المُشوّهة: قراءة في «أكثر من وهم»

الإثنين 11 أيلول 2017

درجت كثيرٌ من الكتابات التي تتناول المرأة، وقضاياها، سواء كانت تلك الكتابة فنيّة (أدبًا) أو غير فنيّة (مقالات ودراسات)، على تمثيلها بشكلٍ أساسيّ كضحيّة، كمُنتَهَكة، ككيانٍ فاقد لإمكانيّة الفعل والتأثير، مغلوبٍ على أمره، ينتظر طفرةً خارجيّة ما ليتغيّر الواقع.

وكثيرًا ما يتمّ التّفكير في المرأة، أو التّفكير النسويّ، من داخل منظومة القمع نفسها، بحيث يُصبح هدف ذلك النّوع من التّفكير تحسين شروط النّساء داخل منظومة القمع، أي فتح الباب أمام بعض النّساء ليرتقين إلى عضويّة الطبقة القامعة، بدلًا من تصفية بنية القمع نفسها، والانتقال إلى نظام يحقّق العدالة والمساواة الشّاملة بالمعاني الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة، عدالة تستهدف العبور من قضايا الجندر الظّاهراتيّة (الفينومينولوجيّة) إلى أساسها البنيويّ، المُسبّب للظّواهر.  

هذا النّوع من التّفكير ينزع إلى شكل من الانتهازيّة الحقوقيّة التي تدعو –مثلًا- إلى انتخاب النّساء لأنهنّ نساء، لا انتخاب الأجدر والأقدر على تغيير البُنى التي أنتجت القمع الاجتماعيّ، وقمع النّساء. أو ترحّب بقرار القوّات المسلّحة قبول النّساء في السّلك القتاليّ، بدلًا من رفض احتكار العنف من قبل السّلطة القمعيّة، ورفض الشراكة في هذا العنف. ويهرب من قضايا الحريّات الشخصيّة والاجتماعيّة، ويتجنّب نقد وتفكيك مؤسسة الزّواج البطرياركيّة ومحدّداتها التي تعطي الأفضليّة –حُكمًا- للرّجل (وقبلَه، وفوقَه، للسّلطة، التي تملك قوّة الاعتراف أو عدم الاعتراف بعلاقة شخصيّة هي ليست طرفًا فيها على الإطلاق)، وتهدم الكيان الاقتصاديّ والاجتماعيّ للمرأة (الجاهة والطّلب والعطاء، ولاية الأمر وعدم قدرة المرأة على تزويج نفسها بنفسها، المهر والنّفقات وتأمين المسكن الذي يُلزم به الزوج غالبًا، والإنفاق على بيت الزوجيّة والزّوجة والأولاد الذي يُلزم به الزّوج بالقانون، مما يحوّل المرأة إلى «مفعولٍ بها» اقتصاديا واجتماعيا، التركيز على حصريّة مسؤولية الأسرة النوويّة عن تنشئة وتربية الأطفال، والتعامل معهم كملكيّة خاصّة لآبائهم، بدلًا من اعتبارهم مسؤوليّة اجتماعيّة عامة، وأفرادًا مستقلّين وأعضاء كاملي العضويّة في المجتمع. وأعباء التّربية الواقعة على المرأة وحدها جرّاء كلّ ذلك… إلخ)، يهرب ذلك النوع من التفكير النسويّ من كل ذلك لقضايا فرعيّة مثل النّفقة، والحضانة، والمُشاهدة، والحماية؛ قضايا «نموذجيّة»، معقّمة، تُبقي المرأة في خانة الضحيّة، ولا تخاطر بتأليب السّلطة والمُجتمع، أو تغييرهما.

في رواية عبد السّلام صالح الجديدة «أكثر من وهم»(عمّان: دار فضاءات، 2017)، تبرز «سماء»، بطلة الرواية التي لا ينازعها أحد، كـأكثر بكثير من مجرّد وهم. وعلى العكس من كل الكليشيهات التقليديّة عن المرأةِ الرومانسيّة، الحالمة، الخانعة، المكلومة، المتألّمة، المهتوكِ عِرضها، تبرز كبطلة قويّة، بذيئة، باردة، مُفرغة من المشاعر، لا تخجل، يأخذنا كاتبها إلى غرفٍ نفسيّة، واجتماعيّة، وسياسيّة، قلّما عَتّبها الأدب العربيّ من قبل، أو تحاشى الاقتراب منها؛ فجزءٌ من الموضوع هنا هو الحريّة الشخصيّة، بما فيها حريّة الجسد، وهي مسألةٌ ما تزال مغلقةً في عقول كثيرين ممّن يصفون أنفسهم بالتقدّميّين، أو اللّيبراليين، إذ تقف تقدّميتهم أو ليبراليّتهم عند حدود الجسد، والنوع الاجتماعيّ، والهويّة الجنسيّة، والتشكّل الاجتماعي والمفاهيميّ لما نُسمّيه اليوم «المجتمع البطرياركيّ»، مجتمع قمعيّ ظالم بامتياز، تطهّريّ كاذب، مزدوج (أو متعدّد) المعايير، يقدّم امتيازًا سلطويًّا لفئةٍ على حساب الأغلبيّة، مستخدمًا في سياق ذلك دوغما أخلاقيّة ترفع مؤسّسات سلطتِه إلى مرتبة القداسة؛ مؤسّسة الأسرة، التي تشتقّ شرعيّتها من الدّين والسّلطة، ومؤسّسة الأدوار الاجتماعيّة المحدّدة المنوطة بالأجناس، فالرّجل للعمل خارج المنزل أساسًا، والمرأة للإنجاب والعمل داخل المنزل أساسًا، ومؤسّسة ثنائيّة وحصريّة النّوع الجنسيّ (أنت إمّا ذكر أو أنثى، فقط وحصريًّا)، ومؤسّسة العلاقة الوحيدة المقبولة، رجل لامرأة، فيما تُشيطن كلّ أشكال العلاقات الأخرى.

دون افتعال، ودون ابتذال، ودون استجداءٍ لمتلقٍّ مُتلصّص، ودون إكزوتيكيّة ومنظوراتٍ استشراقيّة -تحوّم دومًا فوق أكثر الكتابات العربيّة التي تناولت أشياءَ قريبةً من موضوع هذه الرواية-، يقدّم عبد السّلام صالح تفكيكًا هدميًّا لا للبطرياركيّة فحسب، بل لامتدادتها السياسيّة (في صيغة تحوّلات ومآلات الثّورة الفلسطينيّة)، وتشكّلها الماديّ / الجغرافيّ (في صيغة «مدينة» عربيّة معاصرة، هي هنا: عمّان).

تَهدم الرواية الأدوار المستقرّة للممارسات الاجتماعيّة، والجنس والجنسانيّة والجندر، في المجتمعات البطرياركيّة ومؤسّسات سلطتها.

في الجانبين الاجتماعي والجندريّ، سماء ليست متزوّجة، ولا تريد أن تتزوّج، وتمارس الجنس بوضوح، وصراحة، وبجاحة، خارج مؤسسة الزّواج، بل رغمًا عن تلك المؤسّسة، وبخيار واعٍ منها، ورغبة عارمة. وهي امرأة عاملة، تهتمّ بالتقدّم في مسار عملها، وبناء استقلاليّتها الاقتصاديّة، والحفاظ عليها، دون أن نجد لها أي دور «داخل البيت»، بل إن مساحة فعلها الأساسيّة والمركزيّة تقع «خارج البيت»، في الشّارع، في الشّركات المتعددة التي عملت وتعمل بها، أو في المواقع التي تستأجرها أو تذهب إليها أو تستخدمها للمضاجعة. فسماء امرأة الحيّز العامّ، امرأة المُبادرة، لا «العورة» التي تمرّ مسرعة في الشارع هاربةً من المتحرِّشين، لسان حال سماء يقول للمتحرّش/ الممحون: سأغتصبكَ، وهي تغتصبه مجازيًّا، قالبةً بذلك الموقف إلى حالة فعلٍ للمرأة (المُتحرَّش بها)، واستخدامٍ للرّجل (المتحرِّش/ الممحون، الذي صار هنا مجرّد أداة لإشباع رغبة المرأة، تلقيه لاحقًا في سلة القمامة ككوندوم مُستخدم)؛ أما شخصيّتا الرواية الرئيسيّتان فمزدوجتا -أو ملتبستا- الهويّة الجنسيّة/ الجندريّة: سماء امرأةٌ فيها رجل داخليّ، وأحمد رجلٌ فيه امرأةٌ داخليّة، وكلاهما -عند وصفهما للفعل الجنسي- فاعلٌ ومفعولٌ به معًا: آكل وأُؤكل، أَمُصُّ وأُمْتَصّ، أُعسِّل وأَتَعسَّل، وهكذا؛ وثمّة تصريحاتٌ عند سماء تفيد برغبتها تجربة النّساء أيضًا، جنسيًّا، لا الرّجال فقط. هكذا تهدم الرواية، عبر أشياءَ خافتةٍ حينا، أو صارخةٍ أحيانًا، الأدوار المستقرّة للممارسات الاجتماعيّة، والجنس والجنسانيّة والجندر، في المجتمعات البطرياركيّة ومؤسّسات سلطتها.

تقدّم الرّواية سماء في سياق هوسيّ، محموم، وقد يُقال: مرضيّ، وهذا مفهوم ومنطقيّ، بل وله مبرّراته التاريخيّة، فالهجين الذي سقط في سلّة التين سيأكل بشراهةٍ بعد جوع، سيعبّ الشّراب عبًّا بعد عطش، سيبالغ في ممارسة حريّته إلى أن «تستقرّ» الحريّة كحالة مقيمة دائمة ومستدامة، لكن هيهات أن يكون ثمّة حريّة -ومستقرّة- في عالمنا العربيّ المُعاصر. ما هو قائمٌ هو الهزيمة، اليأس، انهيار الأحلام، والأنظمة الفاسدة التابعة القمعيّة، ودولُها وعواصمُها المشوّهة، ومثقّفيها الانتهازيين -أغلبهم- أو اليائسين (مثل أحمد، شخصيّة الرواية الثانية).

تنتج المجتمعات المشوّهة، وأفرادها، عن اضطراب فجائيّ في مسار تشكّلها و«تطوّرها»، أو كنتيجة لإحداث تغيّرات طارئة -غالبًا ما تكون من مسار تطوريّ آخر، خارجيّ، أقوى، يملك إمكانيات الهيمنة والتّحويل-، وبهذا لا تستطيع هذه المجتمعات وأفرادها «امتلاك» الأشكال الجديدة، ولا استبطان أساساتها المعرفيّة العميقة وانعكاساتها المحليّة، ولا إمكانيّات التأثير فيها، أو استخدامها للأغراض التي نشأت من أجلها، فلا الأشكال الجديدة هذه أُنتجت محليا، ولا تتوفّر –محليًّا- الأُسس الموضوعيّة التي أنتجتها. سيتعذّر على هذه المجتمعات، وأفرادها، أن «تَنضُج» داخل الأشكال الجديدة فتتواءم معها، أو أن «تُنضِجها» فتوائمها لاحتياجاتها، فتكون النتيجة تشوّها بُنيويًّا يتفاقم مع مرور الزّمن، ويخلق مسارًا تشوّهيًّا خاصا به. مثلًا: فرض الاستعمار أولًا، وشروط «السّوق الرأسماليّة» لاحقًا، انتقال الزّراعة في المستعمرات من الزّراعة المتنوّعة الموجّهة للاكتفاء الذاتيّ، والاستهلاك والتبادل المحليّين، إلى زراعة متخصّصة محدّدة للتّصدير. وفي ظلّ غياب دول ذات سيادة في الأطراف، تمتلك وزنا سياسيا دوليا، وقدرات تصنيعيّة، وعسكرية، وبرامج تنمويّة… إلخ، انتقلت مجتمعات الأطراف فجأةً من مجتمعات مكتفية ذاتيا، مستقلّة إلى حدّ كبير، ذات احتياجات استهلاكيّة محدودة جدا، إلى مجتمعات تابعة، مُستهلِكة، تستورد من خارجه،ا لا المنتجات فقط بل الأنماط المترتّبة عليها، انتقلنا من ريف أُفقر ودُمّر وأُعدمت أسس الحياة فيه، إلى مدن «حديثة» لم تُنتجها التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ولم تنشأ فيها مجتمعات «مدينيّة»، فلا تتوفّر فيها حريّات الأفراد المدينيّة الكاملة، ولا تتوفّر فيها جماعيّة وتعاونيّة وطمأنينة المجتمعات الريفيّة، أو مجتمعات “الحارات”، التي يعرف أفرادها بعضهم البعض بشكل عميق. النتيجة كانت تشكُّل مجتمع مشوّه، لم يظهر بفعل تطوّره الداخليّ الخاص، لا هو بالمدينيّ ولا هو بالريفيّ، ويفرز تشوّهاته ماديًّا ويراكمها. ينطبق ذلك على مجمل عناصر التحوّلات غير المُنتَجة محليًّا، مثل الجامعات (هي عندنا مدارس كبيرة، ومختبرات لتنمية الجهويّة والعشائرية، بدلًا من كونها مؤسّسات لإنتاج المعرفة، والبحث العلمي، والتجاوب المستمرّ مع متطلّبات التنمية وشروط تحقيقها)، والدستور والقانون (أداة مستقرّة نسبيًّا، وحازمة، وحصريّة، لتنظيم العلاقة بين السُّلطة والنّاس، وبين الناس أنفسهم، لا أداة مرنة، متغيّرة باستمرار، وغير حصريّة، تخضع لمزاجيّة التطبيق أو التجاهل أو الخرق، لتعزيز احتكار السلطة، والتبعيّة والزبائنيّة)، وغيرها.

ليس المشوّه إذًا هو ذاك السّاقط في سلّة التين، بل هو السّقوط نفسه، والجغرافيا والسّلطة التي يتم السّقوط بسببها، وفيها. في الرواية، يُعبّر عن ذلك بشخوص مشوّهين، مهزومين؛ أحمد يمثّل هزيمة العامّ والجماعيّة والتّنظيم، انهيار الأحلام بتحرير فلسطين، وانكشاف الفساد العميم الذي ينغل «الثورة» ويحوّلها إلى عاهرة للاستئجار. وسماء تمثّل انهيار الخاصّ، الاعتداء الجنسيّ عليها في طفولتها، ومن ثم محاولات جميع من تقدّمت للعمل لديهم في بداياتها استغلالها جنسيًّا. فسادٌ وكذبٌ سياسيّان، يُسبّبان، ويتسبّبان من، ويترافقان مع، فسادٍ وكذبٍ اجتماعيّين، ساحتهما مدينة مشوّهة، تشكّلت من تجمّع للأكاذيب، وشكّلته، معًا. الفعل والانفعال هنا أيضًا متبادلان، جدليّان، ديالكتيكيّان؛ الاستعمار البريطانيّ -الحاضر بشكل سريع في الرّواية- يرعى ويدعم الطبقة الحاكمة، الانتهازية، الفاسدة، المشوّهة. وهذه الأخيرة ترعى دولة مشوّهة، بعاصمة مشوّهة، يسير فيها أناسٌ مشوّهون بدورهم، يُمعنون مساهمةً في التشوّه ويغذّونه، فهم أبناؤه، ثمّ منتجوه، فتكتمل الـدائرة المدمِّرة، وتتجلّى في المكان: عمّان.

أوائل القرن الماضي، قال مصطفى وهبي التّل (عَرار) عن عمّان التي كانت ما تزال قيد التشكّل: عمّانُ يا بابلُ يا قريةً      قد كفرَ الدّهرُ فصرتِ بلدْ إنّي أرى فيكِ على ما أرى      من كثرةِ الإصلاحِ، روحًا فسدْ بالأمسِ ما كنتِ التي تُرتجى      للأمرِ، هل نرجوكِ للأمرِ غدْ وأنتِ يا عمّانُ لا رأيَ في      أهليكِ إنْ لم يرَهُ «المُعتمَدْ» [أي المعتمد البريطاني في فترة الانتداب] قد كَثُرتْ ضوضاءُ من فيكِ في      أشياءَ أبداها ذهابُ الزّبدْ وفيكِ غوغاءٌ رأوا نفسهم      فوقَ الثريّا وهُمُ في الزّردْ

عمّان معبرٌ للصعود السياسيّ، معبرٌ للمهاجرين، معبر لوظيفة أو عمل، معبر للفساد، مخيمٌ كبير يُلقي فيه الجميع قمامتهم وذوقهم الرديء، إذ هم على أمل الرحيل غدا.

عرار هنا يعاين التشوّه العمّاني قبل ما يقارب المئة عام، هذا التشوّه الذي استمرّ وتفاقم ما بعد الاستعمار، وبتأثير منه، ومن استمراره بأشكال داخليّة، حتى اللحظة الرّاهنة. لكن لا أحد يريد أن يرى. العصر عصر الناس «الكْيُوتْ»، والانفعالات السطحيّة، والتّسلية. عصر الأمل بالصعود الطبقيّ، والاستهلاك، والتسليع. عصر التطهريّة، والتفكير الإيجابي، والهروب من النقد. لذا ثمّة صدمة أخرى على المتلقّي أن يُعاينها في الرواية، صدمة المكان العمّاني كساحةٍ لمختلف تبايُنات التشوّهات الاجتماعيّة والسيّاسية والطبقيّة والمعماريّة -شيء يُشبه السّاحة الهاشميّة وسط البلد، خلال أحد العروض الموسيقيّة في المدرّج الرومانيّ المجاور-، وصدمة المكان العمّانيّ كمعبر دائم من – إلى، لا كمُستقرّ، وهي هكذا في الواقع، معبرٌ للصعود السياسيّ، معبرٌ للمهاجرين، معبر لوظيفة أو عمل، معبر للفساد، مخيمٌ كبير يُلقي فيه الجميع قمامتهم وذوقهم الرديء إذ هم على أمل الرحيل غدا. يستخدم الكاتب في الرواية –بنجاح- مجاز الدّرج؛ عمّان درج كبير، معبر كبير، تستخدمه سماء للعبور إلى كندا، بينما يظلّ أحمد عالقًا على ذات الدرج، في حالة برزخيّة دائمة، عذابٍ دائم، توتر دائم، ترافقه زجاجة المارتن، الكونياك الأردني الرّخيص الذي هو بمثابة السمّ الزّعاف الذي يُعين على تحمّل الحياة المسمّمة.

الرواية كلّها مجاز كبير لأحلامٍ مغدورة، وجودٍ منتهك، ثوراتٍ مقموعة، انهياراتٍ مقيمة، تقاومها سماء بالفعل، بالمضاجعة، بالتخريب، بالتشويه والإمعان فيه، سماء هي الثّورات والانتفاضات، هي الغضب الساطع الآتي، هي الإحساس بأن ثمّة خلل، خلل كبير وعميم، وهي –بالتالي- الخبطُ العشوائيّ في مواجهته، الخبط العشوائيّ لشعوب دُمّرت أحزابها ونقاباتها وتضامنها الاجتماعي، ونمّيت فيها العشائرية والطائفية، والفردانيّة المطلقة، الخبط العشوائيّ لمن انتهك جسده/ـا، وكرامته/ـا، وروحه/ـا.

سماء اسمٌ على مسمّى، أفقٌ مفتوح على الاحتمالات بعد أن تتحوّل الأرض إلى خراب، إلى ساحة تتساوى فيها احتمالات الجميع: ساحة صفريّة، لا أثر فيها لشيء. والأرض لن تتحوّل وحدها، يلزمها فاعل، قادر، غاضب، عارف، بارد: سماء هي النار، إذ تشعل حريق حيدر حيدر الأسطوريّ؛ «ألا ترى في الغابة برعمًا أخضر؟ بلى بعد الحريق»، هي البرعم الأخضر بعده.

أما أحمد، فهو اليأس، الإحباط، المعلّق الأبديّ، الماضي الذي يلصق وتفشل كلّ المحاولات لإزاحته جانبًا، لتجاوزه، لقلبه، للتخلّص منه. بل هو قمة اليأس إذ أن إنجازه الوحيد هو أن لا يغيّره المحيط، أن يبقى كما هو، على ما هو عليه، دون أن يتغيّر؛ حالة من العُطالة الأبديّة. طبعًا، وامتدادًا لعالمنا وواقعنا، لن تجد سماء في أحمد حليفا، فهو ميت حيّ، قبره المدينة، أو ما بقي له منها، والنّهاية المنطقيّة هي أن تتركه -تترك البلد- لتبدأ في مكان آخر من جديد. الغضب السّاطع لن يأتي في نهاية الأمر، لن يتحقّق، إذ لا أمل، لا أمل على الإطلاق.

يعود أحمد إلى انسحابه، وينسحب التمرّد الانتقاميّ الذي تمثّله سماء إلى الخارج، ويبرد، إذ ليس من سبب لها للانتقام هناك، وتبقى السّاحة خالية، كما هي الآن، بانتظار شيء قادم لا أحد يعرف ما ومن ومتى وأين وكيف هو، جولة جديدة من الانتفاض التي لم يتنبّأ بها أحد في السّابق، ولن يستشْرفها أحد في المستقبل.

بلغة مبتكرة هي مزيج سلسٌ من العاميّة والفصحى، واشتباك ثقافيّ بين الرّفيع والشوارعيّ، وسرد يجتمع فيه النثر والشّعر، نصل في خضم دوّامات هذه الرّواية (المكتوبة بطريقة التّداعي، أسلوب عبد السلام صالح المفضّل، المُستخدم في رواياته السّابقة) إلى ذواتنا المشوّهة، ومدينتنا المشوّهة، وواقعنا المشوّه كلّه. نحن أبناء وبنات السّقوط والهزيمة، فكيف سنكون إلّا على مثل هذه الصورة؟

باستثناء بعض استطرادات زائدة في المونولوجات الداخليّة عند أحمد وسماء، ومعالجة سريعة ومُبتسرة ومخلّة وضعيفة لموضوعي «التطرّف» و«الإرهاب»، ضمن صفحة واحدة من الرواية كان الأجدر بالكاتب أن يُسقطها من كتابه، فإن «أكثر من وهم» هو كتاب يستحقّ –بكل تأكيد- القراءة والنّقاش.