الحنين إلى الكاسيتات: شريط لا ينقطع

الحنين إلى الكاسيتات: شريط لا ينقطع

شاركت في إعداد التقرير رحمة حسين

انتشر منذ مدة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيديو لأم تعثر على مسجل قديم ومجموعة أشرطة في بيتها، لتطلب من أبنائها أن يحاولوا التعرف على الجهاز وتشغيله، دون جدوى. لم يسبق لهذين الطفلين أن سمعا بهذا الاختراع أو شاهداه، ربما إلّا في الأفلام القديمة.

بالنسبة لمعظمنا، وخاصة لمن يستعملون الإنترنت بشكل يومي، لا معنى للاستماع للأغاني التي نحب عبر الأقراص المدمجة، فضلًا عن الاستماع إليها عبر أشرطة الكاسيت، التي باتت تصنف في مخيلتنا اختراعًا منقرضًا. لكن زيارة أحد المحلات التي ما زالت تبيع هذه الأشرطة تظهر أن جمهورها لم يختفِ، وإن بات شحيحًا، بل أن الطلب عليها، بحسب بعض الباعة، أكثر من الطلب على الأقراص المدمجة.

حبر قابلت بعض هؤلاء الباعة وتعرفت على أحوال عملهم في تلك المحال التي بات المرور بها أشبه برحلة عبر الزمن.

***

يعمل توفيق خميس في هذه المهنة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث كان يملك محل تسجيلات في مخيم برج البراجنة في لبنان قبل أن يغادره إلى الأردن مع خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

افتتح خميس محله «الدار البيضاء للتسجيلات» في منطقة وسط البلد في عمّان عام ١٩٨٣ في الوقت الذي كان يعيش فيه «الكاسيت» عصوره الذهبية، كما يقول.

«لما رجعت من لبنان فتحت المحل، وفي هديك الفترة كانت الكاسيت منتشر كثير بين الناس وإله سوق»، يقول خميس. «عندي تسجيلات أصلية من السبعينيات، وعندي تقريبًا كل شيء لأم كلثوم وعبد الوهاب».

يتعلق خميس بشدة بالتسجيلات النادرة التي يمتلكها، مستبعدًا بيعه لأي منها بالقول «عمرك شفت حد ببيع ولاده؟».

لا ينفي خميس أن الطلب على الكاسيت هذه الأيام انحدر بشدة. «السوق ميت، يا دوب يخش علي زبون أو زبونين طول اليوم، وأحيانًا ما بدخل علي حد، والناس الي كانت تشتري الكاسيتات قبل بطلت تيجي»، يقول خميس.

مع ذلك، فهو يدافع بحرارة عن بقاء الكاسيت، فعند سؤاله إن كان يعتقد أن الكاسيت سوف ينتهي مع انتشار البدائل الإلكترونية، مصرًا على الاستمرار بالعمل في محله المتواضع. «راح ضل فاتح المحل، ما راح سكره (..) الكاسيت قعد مع الناس ٤٠ سنة، وراح يضل معهم، أما السيديات وغيرها الي طلعت بسرعة راح تنزل بسرعة».

في إربد، استلم أحمد الشوابكة العمل في محل «صوت القدس» منذ قرابة ١٨ عامًا، بعد أن أداره والده ثم ابن عمه منذ عام ١٩٨٩، ليمتد المحل إلى فرع آخر لاحقًا، يديره الآن أخوه محمد.

استمرار الطلب وقدم المحل حافظا على قدرته على بيع أشرطة الكاسيت، بحسب أحمد. «بعدها الناس بتطلب الكاسيتات مخصوص. إحنا محل قديم وزبايننا كثار، والقديم هو اللي الناس بتفضله»، يقول أحمد.

للقديم أيضًا قيمة خاصة عند أحمد نفسه، فالكثير من الأشرطة التي تعدى عمرها الثلاثين عامًا باتت بعيدة عن رفوف البيع. «عنا كاسيتات أصلية ما بنبيعها، بتضلها النسخ الأصلية عنا وبنسجل منها». من بين هذه الأشرطة، «أمل حياتي» لأم كلثوم، وأشرطة لسيد مكاوي.

لكن الصنف الأول على قائمة الأكثر مبيعًا في محلات أحمد ومحمد يظل أشرطة المجوز. «كل المجوز مطلوب»، يقول أحمد.

في إربد أيضًا، يعمل سعيد في محل أشرطة وأقراص مدمجة عمره ٢٥ سنة. في الأربعة عشر عامًا التي عمل هو خلالها في المحل، شهد هو الآخر تراجع الطلب على أشرطة الكاسيت، لكنه ما زال محتفظًا بزبائن مخلصين.

«كتير في ناس بتحس إنه السي دسي ما إله كفاءة متل الكاسيت، وما بقدروا يحتفظوا فيه. وبتجي عندي ستات كبار بالسن بحكولي إحنا ما إلنا عالسي دي. غير الناس اللي بتكون سياراتهم بتشغل كاسيتات»، يقول سعيد.