«المواطن أربعة»: قصة مبرمج غيّر فهم العالم للإنترنت

الأربعاء 08 تموز 2015
edward snowden

من موظف سابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية ثم مبرمج متعاقد مع وكالة الأمن القومي، تحول إدوارد سنودن في وقت قصير إلى هارب من القانون و«بطل» في نظر البعض بعد تشريبه وثائق كشفت حجم التجسس الذي تمارسه بلاده، ليحوز اهتمامًا عالميًا لا يزال متواصلًا.

في عمان، نظم حبر في سينما الرينبو العرض الأول لفيلم «المواطن أربعة» الحاصل على جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم وثائقي لعام 2015، وتبع الفيلم نقاش شارك به الحضور المتنوع ومحمد تراكيه الناشط والباحث في مجال سياسات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

تدور أحداث الفيلم في أحد غرف فندق في هونغ كونغ، المكان الذي سيسلم فيه إدوارد سنودن الآف الوثائق السرية لمخرجة الفيلم لورا بويتراس والصحفي غلين غرينوالد. «المواطن أربعة» كما كان سنودن يوقع رسائله الإلكترونية لبويتراس، بطل الفيلم والمحرك الرئيس لأحداثه ليس شخصًا غير اعتيادي ولا يملك مواهب خارقة، إنما ما جعل منه بطلًا حقيقيًا أنه لم يستطع السكوت عن كل الخروقات التي يقوم بها النظام الذي يعمل فيه.

تواصل سنودن مع مخرجة الفيلم دون أن تعلم هويته وفي اتصالات سرية تم الاتفاق على أن يسلمها وثائق سرية للغاية تكشف حقيقة مراقبة وكالة الأمن القومي الأمريكي للأمريكيين ولمواطنين حول العالم أيضًا.

شخصية إدوارد سنودن -أو إد كما يحب أن يسمى- خجولة للغاية. عند حديثه مع لورا أصر أن لا تشير إليه ولا تتحدث عنه عند نشر الوثائق، علمًا أنه يدرك أن الحكومة الأمريكية ستعرفه فور النشر. وعندما خرجت لورا بفكرة الفيلم أخبرها أنه لم يفعل شيئًا مذهلًا، بل فعل ما يتوجب فعله، ولفت النظر لشخصه يمكن أن يقلل من أهمية الوثائق أو يخفف من تسليط الضوء عليها.

أصرت لورا على تصوير جميع الأحداث، وأقنعته بأن يصور الفيلم كي لا يروي أحد قصته بتأويل الأطراف المتضررة، وربما إن لم تنجح لورا بإقناعه لكُنا سمعنا عن سنودن كشخص يكره الولايات المتحده ويعاني من اضطرابات نفسية وتتوجه إليه تهم من مختلف الأنواع.

يجيب سنودن في أحد الأسئلة التي وجهت إليه في الفيلم، حول ما الذي يجعله يخاطر بحياته وينشر وثائق كهذه بأنه لا يرى نفسه يخاطر بحياته، لكنه يشعر بالقلق حيال عائلته والمقربين له وخاصة حبيبته التي لاحقًا تتعرض لمداهمات من الشرطة لتفتيش منزلها. وبالرغم من أنه كان أيضًا يعلم أنه غالبًا سيتعرض للحبس لكن إد يرى أن الحبس مقابل الحرية الفكرية ليست ثمنًا غاليًا كي لا تتوسع الحكومة أكثر في مراقبة الناس.

لماذا إذن يفكر سنودن بهذه الطريقة؟ أثناء حديثه عن الرقابة، يقول سنودن إن الإنترنت أصبح مختلف عما كان وكما يجب أن يكون، ويضيف أن كل من كان يعرف الإنترنت كما كان كان ليتصرف كما تصرف هو، إذ كان الإنترنت خارج سيطرة أحد والمعلومات كانت متاحة للجميع دون تمييز، ولم تكن حرية الأفراد في التفكير ترضخ للحدود. لكن الآن أصبحت النكتة المعتادة أننا نخشى الحديث عبر الإنترنت كي لا نكون مراقبين. وأسوأ من ذلك، كان سنودن يستطيع الوصول لكاميرات مختلفة ببث مباشر، بين كاميرات مراقبة وأجهزة حاسوب وحتى الكاميرات المركبة على الطائرات دون طيار.

أحد النقاد وصف الفيلم بأنه ثوري وفيلم إثارة يبقي المشاهد «على أعصابه» طوال وقت الفيلم، وهو فعلًا ما يحدث، إذ يتوتر المشاهد مع الشخصيات مثلًا في أحد أكثر اللحظات حماسًا في الفيلم، حين يسمع صوت جهاز إنذار فجأة في الفندق وتبدا نظرات التوتر تظهر على وجوه الجميع وخاصة سنودن، وتبدأ النظريات بالظهور حول سبب هذا الإنذار وهل وكالة الأمن القومي علمت بوجودهم في الغرفة ولكن في جو مليء بالتوتر المصحوب بالتهكم السخرية يظهر أن هذا اختبار لجهاز الإنذار بهدف الصيانة.

بالرغم من النجاح الباهر الذي ناله الفيلم والجوائز المتعددة التي حصدها، إلا أن بويتراس ربما لم تنجح بتسويق محتوى الوثائق التي لم نرى منها إلا لمحات بسيطة أو القليل من المعلومات، واكتفت فقط بكشف الصورة الأكبر والأوسع لما يحدث في بعض الدول تحديدًا الولايات المتحدة وبريطانيا. وربما إن أضافت المزيد من المحتوى المتعلق بالوثائق لوصل حجم الفضيحة لعدد أكبر من الناس، فمشاهد بسيط ليس لديه خلفية في التكنولوجيا سيعرف حتمًا أن وكالة الأمن القومي لديها عنه الكثير من المعلومات، لكنه لن يعرف كيف يمكن أن يؤثر ذلك عليه ولماذا عليه أن يقلق أساسًا في حال لم يعرف قيمة خصوصيته، إن لم يكن من المعارضين السياسين أو رأس مال مهم في الدولة.

بعد حصول الفيلم على جائزة بافتا البريطانية عن أحسن فيلم وثائقي ثم جائزة الأوسكار لنفس الفئة، أصبح حديث الكثيرين وحظي بانتشار كبير في عدة دول من العالم «الأول» ولكن ربما لم يحظ بنفس القدر من الاهتمام في دول العالم «الثالث» وربما كان ذلك لأن الفيلم غير مرتبط بشكل مباشر بهذا الجمهور، رغم أن الوثائق التي كشفها سنودن وضحت الكم الهائل من المعلومات التي تجمعها الولايات المتحدة من المنطقة والشراكات في التجسس التي تقوم بها حكومات المنطقة لخدمة التجسس الأمريكي وانتهاكات الخصوصية على الأفراد من المنطقة.

المميز في العرض الذي نظمه حبر هو وضع الفيلم في سياق محلي، بالنظر إلى الوثائق المنشورة والمقابلة التي أجرتها حبر مع الصحفي المسؤول عن النشر غلين غرينوالد، ما جعل الفيلم أكثر محلية وأضاف إليه ما كان ينقصه من سياق وتفاصيل. النقاش الذي عقب العرض ترك أسئلة حول القوانين في المنطقة العربية والسلوكات والخروقات التي تقوم بها الحكومات لمراقبة الأفراد، ومدى فعالية المراقبة في منع الجرائم وهل انتهاك خصوصية الأفراد شيء تقرره الحكومة سرًا أم عليها مواجهة الأفراد بما تقوم بمراقبته والآلية المناسبة لتنفيذ ذلك كله.