فيلم «اشتباك»: الشارع في سيارة الترحيلات

الأربعاء 18 تشرين الأول 2017

(تحذير: يحتوي هذا المقال على ما قد يعتبر «حرقًا»  لمشاهد الفيلم)

لتفهم الخارج، عليك بالولوج إلى الداخل!

انطلاقًا من هذه الفكرة، يرسم المخرج المصري محمد دياب أسلوبه السينمائي في فيلم اشتباك. يعيد دياب بناء الصراع الخارجي في حيز داخلي ضيق بشكل تدريجي ومتصاعد. في «اشتباك»، يبتدع المخرج حيزين جغرافيين لفهم الصراع المحوري بين الأطراف؛ الصراع في الداخل بين المعتقلين أنفسهم داخل سيّارات ترحيل عساكر الشرطة المصرية، والصراع الخارجي بين العسكر وبقية المتظاهرين، وذلك إبّان الانقلاب على حكم الإخوان عام 2013.

ما حدث داخل سيّارة الترحيل يمكن تشبيهه بما يحدث في طنجرة الضغط. يزداد الضغط في الأحداث بشكل خطي تصاعدي حتى يبلغ الذروة، ويضيف المخرج عناصره على فترات متباعدة ليعمل مع المشاهد على ترتيب الصورة، فلا يزج كافة المعتقلين مرة واحدة في السيّارة إنما على مراحل مختلفة، في بناء درامي متسلسل ومرتّب.

الداخل «أداة» لتأطير المشهد

يتحول هذا الحيز المكاني «الداخل» إلى مجهرٍ كبيرٍ يحاول المخرج من خلاله استنساخ وضعية الصراع الخارجي بشكل متروٍ يساعد على فهم المشهد، رافعًا الستار عن التضليل الذي يسيطرعلى مشاهد التظاهر في الخارج.

كيف إذًا يتشكل هذا الداخل؟ يبدأ المخرج بالصحفي، أول مُعتَقَل يُزَجْ به في السيّارة. يدخل الصحفي هذا الجسم المادي لكنه يريد أن يشارك في ما يحدث خارجًا، فنراه وهو يريد أن يُوقِف قوات الداخلية عن اعتقال بعض المتظاهرين، لكن سرعان ما يدرك أن قضبان السيّارة تقف حائلًا أمامه تمنعه من أي رد فعل. هنا يحدث الانفصال، وتبدأ المسافة بين الخارج والداخل بالتشكل حيث يخلق المخرج إطارًا للصورة السينمائية لعين المشاهد وهو «الداخل».

بالتالي، هذه المسافة بين الداخل والخارج هي التي تسمح بنشوء المسافة بين الداخل والمشاهد، أي أن المخرج عمل على استخدام الداخل كأداة لتكوين علاقة وعي وإدراك بينه وبين المشاهد، حتى لو أن الفاعلين في الداخل -الذين وقع عليهم الفعل- أي المعتقلين غير مدركين لهذا الفصل، بمعنى أنهم لا زالوا يتصرّفون وكأنهم في الخارج، حيث تتفاعل الشخصيات بين بعضها تمامًا مثلما يحدث في الخارج؛ يتهم البلطجية الصحفي الذي يعمل في القنصلية الأمريكية بالخيانة، وينهمك أحد كبار الإخوان في البحث عن المنتمين لحزبه لإعادة تنظيم أنفسهم داخل السيّارة، وتتهم الأم زوجها بعدم تحمل المسوؤلية وحماية ابنهم، ويقمع العسكر كل محاولة معارضة من المعتقلين بالماء الوسخ.

تحت المجهر

مع تبلور أحداث الفيلم تتضح الأمور من بين غبار الفوضى بحيث يتبيّن لنا أن معظم المحتجزين اعتقلوا عن طريق «الخطأ». استوقفتهم الداخلية بين المتظاهرين وكان من سوء حظهم أن يُقبض عليهم: الصحفي كان يصوّر كما يعمل الصحفيون غالبًا واعتقل، الولد وأبوه -والذين رموا الحجارة تجاه الصحفي في السيّارة- اعتقلوا أيضًا، الأم الخائفة على ابنها فلحقت به وانتهى بها الأمر في السيّارة، المتظاهرون من الإخوان، والبلطجية اعتقلوا في فوضى الشغب. الشارع كلّه في جيبة الداخلية الصغيرة، في مشهد يفكك لنا فوضى تظاهر الشارع وكأنه يرجع شريط التظاهر للوراء ببطء.

في محاولة الفيلم لتجريد المشهد من السياسي والتركيز على الإنساني، يصبح السؤال ماذا يحدث إذًا عندما تضع مجموعة كبيرة من الناس في مكان ضيق؟ الاصطدام أو التقارب. هذا ما حدث في بداية احتجاز المعتقلين فقد اصطُدموا فيما بينهم، وحاول كل طرف إيجاد زاوية تفصله عن غيره، ولكن مع تقدّم الوقت داخل السيّارة تتطور العلاقة بينهم لتجبرهم على إيجاد نوع من التفاهم بينهم. تُكثِفُ عوامل الضغط هذا التوجه؛ فالحرارة المتزايدة داخل السيّارة، ورشق الداخلية للمعتقلين بالمياه الوسخة، وحرمانهم من الاحتياجات الإنسانية الأساسية مثل الأكل والشرب والتبول أجبرهم على التقارب. ولذا نرى الممرضة تساعد أحد أفراد الإخوان في تطبيب جراحه بعد أن كان الفيلم قد أظهر لنا أن علاقة سيئة تجمع الإخواني وهذه الممرضة، ويتقاسم المعتقلون رشفة الماء من الزجاجة الواحدة، كما يروي أحد أفراد الإخوان النُكَت للمعتقلين ويخلق نوعًا من الصداقة بينهم. الجميع تحت ظرف واحد وكأن المخرج يريد أن يقول «كلنا في الهوا سوا»، فلنبحث عن الإنساني بيننا.

المشهد الأخير: «هل نحن في داخل لكي نخرج؟»

كانت لتكون نهاية مخيبة لو انتهى الفيلم دون المشهد الأخير، فبعد الوصول إلى الإنساني وفهم عمق المشهد العام يعود المخرج إلى الواقع، إلى التضليل ولكن مع رؤية أعمق هذه المرة. يبلغ المعتقلون الذروة في درجة احتمالهم جسمانيًا ونفسيًا، ويصبح الهدف الوحيد الذين يريدونه هو فتح السيّارة والذهاب إلى الخلاص: الخارج. وفي مفارقة ممتعة، عندما يتحقق ذلك ويُفتح باب السيّارة في نهاية الفيلم، تتهافت أفواج المتظاهرين الذين يقفون في الخارج إلى داخل السيّارة وكأنهم وجدوا خلاصهم في الداخل. ترتمي أجسادهم على أجساد المعتقلين ويمدّون أذرعهم لهم وكأنهم سيخلصّونهم من «جهنم الخارج»، في مشهد يذكّر باللوحات الفنية في حقبة العصور الوسطى: عراة يستميتون في طلب النجدة من بعضهم البعض ويمدون أذرعهم للخلاص من إثم «الخطيئة» ومن الخوف من نار جهنم، المفهوم الذي طغى على فكر الإنسان في ذلك العصر.

يتساوى الداخل والخارج إذًا في وحدة المشهد مما يجعلنا نطرح السؤال «هل نحن في الأساس (أي المعتقلون إذا ما أردنا وضع أنفسنا مكانهم) في داخل لكي نخرج؟»، نفس السؤال الذي طرحه الشاعر الفلسطيني طه محمد علي في سرده لأحداث النكبة وتذكره أمر جنود الاحتلال «الإسرائيلي» لسكان قريته صفورية مغادرة القرية والرحيل إلى الخارج. ماذا يختلف الداخل عن الخارج؟ هل الداخل أفضل من الخارج؟ هل الذين في الخارج أفضل من الذين في الداخل؟ هذه أسئلة قد يطرحها المشهد الأخير على المُشاهد أيضًا لتفكيك أفضلية طرف على طرف آخر في مشاهد تظاهر الشارع.

«كيف يتمكن السجانون من حشر كل تلك العيون في مكان صغير كهذا؟»

عملَ المخرج من خلال الفيلم على التركيز على رمزية العيون وارتباطها بالصورة وإدراكها. فمنذ بداية الفيلم، ينهمك الصحفي طوال الوقت في رصد «صورة» التظاهر عبر كاميرته الصغيرة ومن ثم نرى أن أحد الأولاد في السيّارة يمتلك ضوء الليزر الأخضر والذي يقول لنا لاحقًا بأنه إذا سُلّطَ على عيون أحدهم فقد يعميه ويُفقِده بصره. كما ينتهي الفيلم في مشهد سريع ومؤرّق بصريًا: أول ما تُفتَح السيّارة وترتمي أفواج الخارج إلى الداخل، يُسلّط متظاهرو الخارج ضوء الليزرعلى عيون الجميع داخل السيّارة. أنت ترى الكثير من الضوء الأخضر تجاه الكثير من العيون بشكل أسرع من أن يستوعبه إدراكك البصري.

يذكرني هذا المشهد بقصة ذُكِرت في رواية «من عايدة إلى كازفيه» للكاتب جون بيرجر: «ياكوف، ابن السبع، يسأل صديقه: كيف يتمكن البشر من رؤية كل شيء، بأعينهم هذه؟ كيف يمكنهم أن يشاهدوا مدينة بأكملها وضاحية واسعة. كيف لكل هذا أن يجد حيزًا في عين صغيرة؟ حسنًا أقول لياكوف، تخيل جميع المساجين في هذا السجن، الآلآف منهم. تخيل عيونهم وقد اتسعت وتضخمت من فرط شوقها إلى العالم خارج السجن. كيف يمكن يا ياكوف أن يتمكن السجانون من حشر كل تلك العيون في مكان صغير كهذا؟»

عودةً إلى الفيلم، كيف يمكن أيضًا أن تُحشَر كل عيون المعتقلين في مكان ضيق لا يتجاوزغرفة صغيرة؟ كيف يمكن استيعاب هذه الرؤية المكثفة في مكان ضيق؟ أعتقد أن قوة الفيلم تكمن في هذه اللوحة النهائية، فهي تعكس نضج الصورة التي حاول المخرج أن يطوّرها طوال مدة الفيلم وصولًا إلى رؤية هذه الصورة وإدراكها.

هذا المشهد النهائي إذًا هو تكثيف العيون والصور الكثيرة التي حدثت في السيّارة، مرورًا بتشابك المعتقلين وتصادمهم، ثم توافقهم لاحقًا، وصولًا إلى استهلاك طاقتهم ومطالبتهم بالذهاب إلى الخارج وانتهاء بالتصادم مع الخارج والعودة بالغرق في «الفوضى»، فوضى تعود بنا من الإنساني إلى السياسي مجددًا ولكن هذه المرة مع فهم وإدراك الأحداث برويّة.

مما لا شك فيه أن الفوضى في تظاهرات الشارع منطقية إن لم تكن حتمية. وأن طرفًا معينًا هو المسؤول عن الخراب الحاصل أكثر من طرف آخر -حتى لو حاول الفيلم «أنسنة» كافة الأطراف ونزع السياسي عنها-، وأن فعل الانقلاب ضد حكم الإخوان هو حدث سياسي ومفصليّ لست بصدد اختصاره وتحليل مالآته وتفسيراته المختلفة والمعقدة والمتشابكة، إلّا أن وصف الغوغائية بمشهدية مكثّفة في مكان لا تتعدى مساحته ثمانية أمتار وفي أقل من ساعتين من المشاهدة، أنتج صورة سينمائية خالصة تستطيع أن تخرج بعد الانتهاء من مشاهدتها وتقول: «نعم لقد حضرت «سينما» اليوم، كان ما شاهدته سينما جيدة!».