من أجل رضا مسلم ينفق على شهواته وزنها ذهبًا: عن متلازمة الجموع والإسلام والجسم المؤنث

من سلسلة قصص مصورة لجاك تاردي بعنوان صرخة الشعب. عن كومونة باريس.

من أجل رضا مسلم ينفق على شهواته وزنها ذهبًا: عن متلازمة الجموع والإسلام والجسم المؤنث

الأربعاء 03 تشرين الأول 2018

الثورة مؤنثةً ومتشنجةً

بعد هزيمة ثورة باريس سنة 1871، أو ما عرف بكومونة باريس، انبرى قلم الكاتب الرجعي والمستشرق ماكسيم دو كامب ليهاجم الثورة وكل من شارك فيها أو أيدها فأنشأ أربع مجلدات من التجريح والتشهير أسماها (Les Convulsions de Paris) أي تشنجات باريس أو تقلصاتها. ومن بين التشنجات التي أدانها قلم دو كامب تشنج جسد مؤنث في رسمٍ عارٍ بعنوان «أصل العالم» (Origine du Monde)،يصور الرسم حجر امرأة «يتقلب ويتشنج» بحسب وصف دو كامب، رسمه جوستاف كوربيه. كان كوربيه رسامًا اشتراكيًا من الذين مالوا إلى الثورة في بدايتها وقيل إنه شارك في قرار الكومونة أن تهدم عمود فندوم الذي كان قد أقيم تخليدًا لفتوحات نابليون فنال بذلك سخط دو كامب وغيره من أقطاب الثورة المضادة.

وقد توقف المحللون أمام ذلك الاستطراد في نص دو كامب[1]، فالرسم سابق على الثورة ولا يمت لها بصلة مباشرة، ورأوا موازاة بين الجسد الأنثوي المتشنج في رسم كوربيه وبين رؤية الرجعيين للثورة وللجموع التي تجعل منهما جسدًا أنثويًا لا عقل له ولا يتحرك إلّا تشنجًا[2]: فقد ارتبط مصطلح «تقلّصات» (convulsions) في اللغتين الفرنسية والإنجليزية في هذا الزمان بحالات من تخطي العقل والمنطق ربطوها بالجسد المؤنث واعتبروا أن عقل النساء أوهن من عقل الرجال ولذا لا سيطرة عاقلة على أجسادهن التي قد تتشنج وتتقلص بعيدًا عن سيطرة العقل. فكأن باريس الثورية كانت جسدًا (مؤنثًا؟) يتشنج ويتقلص من دون عقل يحكمه، وكأن العقل في سلطة الدولة التي عدوها شيئًا مذكرًا. أشار بعض المفكرين كذلك إلى المقابلة بين عمود فندوم القضيبي الواقف شاهدًا على النظام والعسكرة، وبين الفرج المؤنث في رسم كوربيه، والذي كان يمثل لرجعيي أوروبا نقيضَ النظام، وبالتالي الموازاة بين هدم عمود فندوم وبين رسم كوربيه كأعمال إخصاء تهدم النظام المذكر وتحل محله الفوضى والتشنج الأنثويين.[3]

من أجل رضا مسلم

إلا أن الجسد الأنثوي في تعريه وتقلبه وتشنجه لم يكن وحده ما أثار حفيظة ماكسيم دو كامب. فقد هاله أول ما هاله أن كوربيه رسم ذلك الرسم «من أجل رضا مسلم ينفق على شهواته وزنها ذهبا.» ثم يضيف «ففي غرفة هذه الشخصية الأجنبية، نرى لوحة صغيرة خلف حجاب أخضر، فإذا رفعنا الحجاب هالنا أن نرى …»، ثم يمضي في وصف الرسم العاري. لا يخفى علينا هنا رهاب الأجنبي عمومًا فكأن وطنية كوربيه،ومن ورائه وطنية الثورة، محل شك لأنه قدّم الجسد الفرنسي عاريًا لإرضاء أجنبي، وربما كان الوضع أهون على دو كامب وأنصار الثورة المضادة لو كان الرسم الفاضح معلقًا في بيت شخصية وطنية لا أجنبية، وكأن الغريب خطر جنسي على أجساد نساء الوطن. اعتمد الخطاب العنصري الغربي منذ ميلاده على هذا التخيل.

وذلك يظهر بأشكال كثيرة في الأدب الأوروبي القديم، ولكنه يظهر أكثر ما يظهر في مسرحية العاصفة لوليام شكسبير حيث يبرر بروسبيرو اضطهاده لكاليبان (ابن الجزائرية والساكن الأصلي للجزيرة التي استوطنها بروسبيرو وابنته ميراندا) بأن كاليبان قد حاول اغتصاب ميراندا، ولا يرتدع كاليبان فيصر على إنه لو ترك له العنان ولو واتته ميراندا لملأ الجزيرة بصغار كاليبان. وفيما بعد ستذهب آن ستولر إلى أن القيم البرجوازية المحافظة كانت تحمل في طياتها ذعر المجتمع الأوروبي من «الخطر الهمجي الجنسي» القادم من المستعمرات. وحتى خارج خطاب الاستعمار التقليدي تعمد العنصرية إلى تصوير خصمها خطرًا جنسيًا على نسائها فكان من ضمن الذرائع النازية أن رجال اليهود ينشرون داء الزهري بين الآريات.

ولكن دو كامب لم يحل فقط إلى الغريب وإنما الغريب المسلم/التركي تحديدًا. فالإسلام حاضر في العبارات المقتبسة أعلاه ليس فقط من خلال شخص مالك اللوحة، وقد كان دبلوماسيًا عثمانيًا من رعاة الفن في باريس، ولكن أيضًا من خلال «الحجاب» الذي يتخفى الرسم الفاضح وراءه، ولون الحجاب الأخضر وهو اللون الذي اربتط في ذهنهم بالإسلام. في هذا الخطاب يختلط الخوف الجنسي من الغريب-الآخر، بتراث ثقافي أوروبي يربط ما بين الإسلام وغياب الوازع، والانسياق للشهوات الحسية (فالمسلم في عرفهم «ينفق على شهواته وزنها ذهبا»)[4]، ولَكَم راعتهم، مثلًا، سهولة الزواج والطلاق وتعددهما عند المسلمين.[5] ولا يخفى هنا كذلك تشابه المسلم الفاقد للعقل والوازع في هذا التخيل والتنميط بالجسد المتشنج (والمؤنث غالبًا) الخارج على العقل في الخطاب ذاته وبالتالي بالجماهير الثائرة/المتشنجة من دون عقل أو وازع.

وما زال هذا الخطاب سائدًا إلى الآن، فقبل المسلم الإرهابي وبعده كانت هناك صورة المسلم المزواج والشهواني الذي لا وازع له (لا ننسى ولع الإعلام الغربي بنساء القذافي). وهذا الانسياق للشهوات تتحمل تبعته أوروبا ونساؤها، فالمرأة الأوروبية هي شبيهة الانحراف المشرقي وضحيته في آن. وما أشبه الجسد المرسوم والمستباح في بيت «شخصية أجنبية» وبتواطؤ فرنسي اشتراكي مع «مسلم ينفق على شهواته وزنها ذهبا» بالنساء الأوروبيات المستباحات بسيل المهاجرين المسلمين، بتواطؤ اشتراكي كذلك، بحسب الخطاب اليميني العنصري الغربي. وفي فيلم المختطفة (Taken) نرى العالم كله، بما فيه أوروبا، خطرًا على بنات أمريكا البريئات، ولكن منتهى الخطر في نهاية الفيلم هو العربي الذي يشتري النساء وتمول شهواته (التي ينفق وزنها ذهبا) شبكة خطف الفتيات في أوروبا.

ما يميز خطاب دو كامب ليس فقط إسقاطه للخلاعة والمجون على المشرق التركي/الإسلامي، ولكن أيضًا ربط هذا المجون المشرقي/الإسلامي بثورة باريس

ما يميز خطاب دو كامب ليس فقط إسقاطه للخلاعة والمجون على المشرق التركي/الإسلامي، ولكن أيضًا ربط هذا المجون المشرقي/الإسلامي بثورة باريس. هنا تكتمل أضلاع المثلث الثلاثة: الحشود (أو الثورة الشعبية، وكذلك عقيدتها الاشتراكية ممثلة في الرسام جوستاف كوربيه)، المجون (والمجون المؤنث تحديدًا، أو الجسد المؤنث الذي يمثل ساحة المجون)، والمسلم (ومن ورائه غير الأوروبي عامة فهو في موضع آخر يشبه نساء الثورة بـ«ملوك الزنج»).

وذلك من الأساسيات الفكرية للثورة المضادة، فقد دأب جوستاف لوبون الذي ألف كتابه عن الجموع في أعقاب كومونة باريس على تشبيه الجموع في تشنجها وتقلبها بل وعهرها- بالنساء والهمج، ومنهم العرب، وشبّه ظاهرة الجماهير بخروج العرب من صحرائهم لنشر الإسلام على حساب الحضارة الغربية.

ذلك الربط، وإن كان قد ظهر جليًا في أعقاب ثورات القرن التاسع عشر التي تزامنت مع عصر الاستعمار والاستشراق بشكلهما الحديث، يضرب بجذوره في تاريخ الفكر الغربي، وقد أحسن شكسبير التعبير عن ذلك الربط في مخيلة قومه حين جعل عطيلًا (أوثيلو) يقول لجنوده البنادقة إذ رآهم يتمردون ويتشاجرون سكارى في المعسكر: «أصرنا تُركًا حتى فعلنا بأنفسنا ما حرمته السماء على العثمانيين».

أن تكون تركيا[6] (وهي كلمة كانوا يطلقونها على كل المسلمين من رعايا الدولة العثمانية) يعني لهم (سواء في القرن السادس عاشر زمن شكسبير، أو في القرن التاسع عشر زمن ماكسيم دو كامب) أن تكون مزواجًا، منحرفًا متبعًا لشهواتك، بلا وازع أو قدرة على التحكم في النفس، ومثيرًا للشغب والفوضى الناتجين عن غياب الوازع، أو، لنقتبس من دو كامب، «أن تنفق على شهواتك وزنها ذهبا»، وهذه الشهوانية الغريبة على«الحضارة الغربية» هي خير ما يمثل ثورة الجماهير في خطاب الثورة المضادة، ولكن تظل الحاجة إلى جسم مؤنث لاكتمال صورة الانتهاك التي تمثلها متلازمة الجموع-المسلم؛ وفي مسرحية شكسبير تطغى صورة الانتهاك هذه على تصورات البنادقة عن علاقة عطيل (الإفريقي) وديدمونة (ديسدمونة) التي لا بد في نظرهم أن تكون اغتصابًا وتكتمل عندما يقتلها عطيل كأنما يصدّق نبوءتهم (وإن كان يحسب لشكسبير أن أرانا أن هذه المتلازمة هي من نسج الخيال العنصري، فالشغب كان مصدره الجنود البنادقة لا الترك وهمجية عطيل في نهاية المسرحية مصدرها حيل إياجو البندقي لا أصل عطيل الإفريقي). وما زالت هذه المتلازمة حاكمة لتيار سائد في الثقافة الغربية، حتى وهي تتشدق بالحريات وبالحق في الاحتجاج وتدعي تخطيها لعنصرية القرون السابقة وتمييزها ضد النساء.

كابوس جوثام

في ثلاثية فارس الظلام للأخوين نولان، تتهدد الفوضى مدينة جوثام في كل جزء. ولكن لما أرادا أن يجعلا«عاليها سافلها»، بتعبير المخرج كريستوفر نولان، قدما صورة للفوضى الجماعية الثورية وللحشود التي تخرج مطالبة بإعادة توزيع الثروة ومقيمةً للمحاكم الثورية، وتصادف أن ذلك جاء في أعقاب الثورات العربية وبالتزامن مع الاحتجاجات في وول ستريت. واستلهما الصورة الأدبية الأشهر في الوجدان الغربي للإرهاب الجماهيري الثوري أي قصة مدينتين، من خلال اقتباسات مطولة من رواية ديكنز، ولكن أيضًا من خلال مشاهد الرعب الجماهيري في الرواية، إذ رأيا في «الإرهاب في باريس في هذه الفترة» (بحسب تعبير كريستوفر نولان) «واحدة من أكثر الصور ترويعًا للحضارة وهي تنهار». 

ولم تغب صورة الإسلام والآخر العربي-المشرقي عن كوابيس جوثام الجماهيرية، حتى وإن صدقنا ادعاء الأخوين نولان بأن لا إشارة في الفيلم إلى أحداث العام الذي سبقه، فكريستوفر نولان حين عدد الأفلام التي استلهم منها مشاهد الإرهاب الجماهيري ذكر من بينها فيلم معركة الجزائر (فيلم المبدع الإيطالي جيلو بنتيكروفو الذي لا يعتذر عن العمل المقاوم والذي لم يفهمه الأمريكيون فظنوه يعطيهم وصفة في مكافحةالإرهاب). والإرهاب الجماهيري في الجزء الأخير من ثلاثية باتمان ليس سوى امتداد للإرهاب المشرقي/الإسلامي الذي يرعاه في الجزء الأول التنظيم المشرقي «حلف الظلال»، المستوحى من جماعة الحشاشين الإسماعيلية، والذي يقيم معسكراته في الصين ويرأسه عربي ولد قبل 500 عام في الجزيرة العربية يسمى رأس الغول (Ra’s al-Ghul). ولم تكن صدفة أن تتشابه مشاهد الخراب الذي يسببه حلف الظلال القادم من الشرق حين يقتحم قصر بروس واين في الفيلم الأول بمشاهد الإرهاب الجماهيري في الفيلم الأخير؛ ألم يشبه لو بون ظاهرة الحراك الجماهيري بخروج القبائل من جزيرة العرب لتغزو العالم؟

كذلك تتشابه مهمة حلف الظلال، الذي خرج من الجزيرة العربية لينشر الخراب في العالم، مع دور الجموع بحسب فكر الثورة المضادة. هذه المهمة (التي يتباهى بها رأس الغول مرارًا في الجزء الأول) تتلخص في تدمير الحضارات حين تصل إلى مرحلة من الانحطاط والتهتك يصعب معهما إصلاحها (ويشدد رأس الغول على أن تنظيمه لعب هذا الدور أثناء سقوط القسطنطينية كأن تنظيمه كان جيشا سريًا للدولة العثمانية)، وهو نفس الدور الذي عزاه لوبون للجموع فقال إنها تعمل في الحضارات الآيلة للانحلال فعل الجراثيم في الجثث فتسارع بانحلالها. وبنفس المنطق تجعل القصص المصورة من رأس الغول مقاتلًا في صفوف الثورة الفرنسية كأنه لا فرق بين الإرهاب المشرقي/الإسلامي الذي يمثله رأس الغول وما بين الإرهاب الجماهيري الذي تمثله الثورة الفرنسية.

 

في هذا الفيلم تجتمع مخاوف الغرب الثلاثة: الثورة الشعبية (بعقيدتها الاشتراكية)، والإسلام والمرأة لتنتج أسوأ كابوس عاشته مدينة جوثام

هذا الخيط الذي يصل بين الإرهاب الإسلامي والإرهاب الثوري يظهر بوضوح حين يعلن باين، المقنع الذي يقود الانتفاضة الشعبية/التخريبية في الفيلم الأخير، انتماءه إلى حلف الظلال ونيته تنفيذ آمال رأس الغول ثم يسعى إلى الدعاية الاشتراكية وإلى التحريض على الثورة الشعبية لتحقيق مخطط تحطيم الحضارة. ويبدو أن نولان يتفق مع رجعيي القرن التاسع عشر في أن الاشتراكية ليست سوى ذريعة للخراب تضع أصحابها في مصاف الهمج. فقد قالت صحيفة الستاندرد البريطانية، احتفالا بهزيمة كومونة باريس، وبعد أن شبهت الثورة وكل من تعاطف معها أو طالب بالعفو عن مرتكبيها بـ«الأمم الوثنية»«لم يكن في هذه الانتفاضة، من أولها إلى آخرها، أي فكر سياسي، بل كانت محض حركة اشتراكية».[7] وفي مطلع القرن العشرين اختلق اليمينيون الروس بروتوكولات حكماء صهيون ليدعوا أن الاشتراكية محض غطاء لمخطط يهودي لتدمير الحضارة. نفس الشيء تقول به ثلاثية فارس الظلام، وإن كانت أحلت المسلمين محل اليهود.

ولكي تكتمل صورة الجموع الثائرة بلا عقل، والتي تشبه المسلمين والهمج فاقدي الوازع كما تشبه النساء فاقدي العقل، جاء صناع الفيلم بابنة رأس الغول تاليا (والتي لا تلعب دورًا يذكر في أحداث الفيلم إلا إن دورها الرمزي ضروري لاكتمال الصورة). جاءت سليلة حلف الظلام في الجزء الأخير من الثلاثية لا لتمثل العرب الذين ينحدر منهم أبوها فحسب، وإنما لتمثل أيضا الفتنة والغواية الأنثويتين، فلا تلعب دورها في نشر الفتنة والغواية الاشتراكية في جوثام إلا أن بعد أن تكون قد أغوت باتمان، وهو دور متكرر لها في قصص باتمان المصورة عمومًا. في هذا الفيلم تجتمع مخاوف الغرب الثلاثة: الثورة الشعبية (بعقيدتها الاشتراكية)، والإسلام والمرأة (كما اجتمعت في خطاب دو كامب المعادي للكومونة وخطاب لو بون المعادي للجماهير) لتنتج أسوأ كابوس عاشته مدينة جوثام.

الممثلة الإباحية ووسط بغداد

تجتمع هذه العناصر الثلاثة بشكل أكثر فجاجة في مثال أكثر هامشية وهو مسلسل كاليفورنيكايشن Californication الذي أذاعته شبكة شوتايم ما بين 2007 و 2014. ففي حلقة أذيعت في عام 2009 تقول ممثلة أفلام إباحية معلنة إصابتها بأمراض جنسية «إن هَني الآن أشبه بوسط بغداد» ولكن ما الذي يجمع الأعضاء الأنثوية للمثلة الإباحية بوسط بغداد؟ نرى طبعا التداعي غير الواعي ربما- ما بين الخيال الاستشراقي الذي يصور بغداد مرتعًا للشهوات (وللمسلمين الذين ينفقون على شهواتهم وزنها ذهبا؟) وبين ممثلة الأفلام الإباحية التي ربما ذكّرت صناع المسلسل بالحريم في الخيال الاستشراقي؛ خاصة وأنها تفعل ما تفعل لا ممارسة للتحرر الفردي كما نصت عليه الأجندة الليبرالية (وكما يليق بكاليفورنيا التي يربط عنوان المسلسل بينها وبين المسافحة) وإنما لإرضاء مشاهدين- بعضهم مسلمون- ينفقون على شهواتهم وزنها ذهبا في بعض الأحيان.

هذا المثال على هامشيته تجتمع فيه كل عناصر المتلازمة من دون مواربة وبأشكال مختلفة. نرى تأنيث المشرق لا فقط من خلال ربطه بالعضو المؤنث ولكن أيضًا من خلال جعله عرضة للعدوان الجنسي الغربي، فلا ننسى أن ذلك يأتي أثناء احتلال العراق وبعد برهنة أمريكا على ألا فرق عندها بين العدوان العسكري والعدوان الجنسي سواء في أبو غريب أو في حوادث الاغتصاب المتكررة التي ارتكبها جنودها. فإن كان ما أصاب الفتاة في المسلسل بالأمراض الجنسية عضو مذكر يمارس العدوان الجنسي على جسدها المستباح، فآلة الحرب الأمريكية تصور نفسها على إنها قمة الذكورة وتنشر الخراب عن طريق عدوان عسكري تتخذ له أشكالا جنسية (يتحول إلى نكتة سخيفة وقذرة في مسلسل أمريكي).

ونرى كذلك كيف يصبح العضو المؤنث مرتعًا للفوضى والخراب وممثلًا لهما، تماما كما ربط دو كامب ما بين فوضى الكومونة وما بين العضو المؤنث، فالذي ذكّر صناع المسلسل بوسط بغداد هو إصابة فرج الممثلة بالأمراض الجنسية (التي وصفتها بـ«القاذورات الشنيعة/ الشرسة» (pernicious)).

إلا إن هذه القاذورات الشنيعة/ الشرسة لا تمثل فقط حالة الخراب والفوضى ولكنها تمثل أيضًا التنظيمات المسلحة «االشنيعة/ الشرسة» (والتي لن نستغرب إن كانت أمريكا العنصرية تعدها قاذورات) التي ظهرت في العراق في أعقاب الغزو وردًا عليه. يرمز العضو المؤنث وقاذوراته الشنيعة الشرسة في هذه النكتة الذكورية- العنصرية إذن إلى حالة مقاومة عنيفة وشرسة عصية على العلاج والفهم والتنظيم.[8]وإن كان هذا المثال قد استبدل «الجماعات» بـ«الجموع» فقد سار على نفس نسق ربط العمل السياسي الثوري- التخريبي (الجماعي بشكل أو بآخر) بالجسم المؤنث وشبه حاضنته بعضو مؤنث مصاب بالأمراض (لا يختلف كثيرًا عن العضو المؤنث المتشنج والمتقلب في خطاب دو كامب)، وربطته بالمشرق وبالإسلام (تمامًا كما ربط دو كامب ما بين العضو المتشنج والمتقلب وبين المسلم الذي ينفق على شهواته وزنها ذهبًا).

في باريس الثائرة، وفي بغداد المحتلة، وفي جوثام المتخيلة، تجتمع متلازمة الثورة «الجماعية» -الإسلام- الجسم المؤنث لتقدم صورة متكاملة للفوضى، ولتختزل نسقًا غربيًا مزمنًا، مضادًا للثورات، معاديًا للنساء، وكارهًا للإسلام ولعموم الغرباء.

  • المراجع والهوامش

    1-ينظر في ذلك على سبيل المثال تحليل نيل هيرتز لهذه الفقرة في Hertz, Neil. «Medusa’s Head : Male Hysteria under Political Pressure» Representations 4 (Autumn 1983). 

    2- Beizer, Janet. Ventriloquized Bodies: Narratives of Hysteria in Nineteenth Century France

    3- ينظر المرجعان السابقان.

    4- ينظر في ذلك تفكيك إدوارد سعيد لصورة «المشرق الحسي» في الخيال الغربي الاستشراقي في كتابه الاستشراق. ينظر أيضًا مقدمة كتاب اشتهاء العرب لجوزيف مسعد.

    5- عبر اللورد كرومر، مهندس الاستعمار الإنجليزي لمصر، عن هذا الروع، في كتابه (Modern Egypt). ينظر أيضًا (Hanan Kholousy, For Better, For Worse و Kenneth Cuno, Modernizing Marriage).

    6-  من أجل تحليل مفصل لهذه العبارة وما بها من تلميحات إلى غياب الوازع لدى الترك لا تخلو من مضمون جنسي ينظر Daniel Vitkus, «Turning Turk in Othello: The Conversion and Damnation of the Moor,» Shakespeare Quarterly 48, no.2 (Summer, 1997)

    7- جريدة الستاندرد البريطانية في 29/5/1871

    8- ينظر في ذلك كتاب جازبير بوار قصاصات إرهابية: الوطنية المثلية في أزمنة شاذة