تدوينة

ثلاثون عامًا من دارة الفنون

الثلاثاء 20 شباط 2018
تصوير: معاوية باجس

لطالما شدني البحث عمّا حصل في سياق المحيط العام أو الخاص لعام مولدي. سقوط جدار برلين، إصدار أغنية جلجلي لحميد الشاعري، وهبّة نيسان في الأردن، وشراء أول جهاز فيديو في منزلنا. كان السؤال الدائم سؤالًا وجوديًا، وهو سؤال ما الذي تبقى معي من كل هذه الأحداث والتواريخ؟ ربما لم أكن واعيًا كفاية لألمّ بكافة تفاصيلها، ولكن ما أعرفه هو ما قرأته أو سمعته، لأن ما تبقى لي من تلك التواريخ هي أحداث وُثّقت وأُرشفت ونقلت لي بطرق مختلفة.

ومع ممارستي للبحث في ما كل ما يندرج ضمن الإرث الإنساني كانت فكرة فهم وتحليل الممارسات اليومية في المدن هي الأساس لفهم المنتجات الثقافية الشعبية والنخبوية بأشكالها وماهيّاتها المتعددة.

في العام 2007 انتقلت للعيش في عمّان. لم أكن أعرف ما التوقعات التي يجب أن أحملها لمدينة كعمان. وكانت رحلة اكتشاف عمان رحلة لاكتشاف عوالم أخرى تتخطى بحدودها جغرافية المدينة وهويتها البصرية، فالمدينة تحّولت إلى مجموعة من الأحداث والتجارب والذكريات، وأصبح ماضيّ المُعاش في هذه المدينة هو ما شكّل علاقتي مع عناصرها وأفكارها وتفاصيلها.

كانت وسط البلد هي الوجهة الأولى لكسر صورة عمان ذات المجمّعات التجارية الثلاثة حينها. أذكر أنه في اللحظات الأولى لاكتشافي وسط البلد وصعودي إلى جبل اللويبدة مستخدمًا السرفيس، شدتني لغة ذلك السور الرمادي اللون الذي يكسر لون حجر عمان غير المألوف بعد لدي. لم تكن لي حينها أي علاقة بالفن، وكل ما أعرفه هو ما أراه من رسومات زيتيةٍ غير معروفة المعنى بالنسبة لي أنا طالب الهندسة المعمارية في فصلي الأول من السنة الجامعيّة الأولى.

أذكر تمامًا شعوريَ عندما رأيت بوابة ذلك السور الرمادي الغريب مفتوحة على درج ضيق ينتهي بثلاثة رؤوس حجرية منحوتة في آخره. كان السور يلتقي بزوائد حجرية طبيعية من الجبل نفسه. قررتُ أن أنزل لأكتشف ما هذا المكان، وعندما وصلت إلى نهاية الدرج وجدت عمّان!

كانت هذه بداية عمّاني التي قررتُ أن أشكّلها بتجاربي وبممارساتيَ اليومية، بيتان مرممّان، وأرض خارجية مبلّطة، وقاعدة كونكريتية في الأفق تنتصب عليها منحوته على شكل إنسان، وفي خلفيّة المشهد مدينةٌ حيةٌ مجهولةٌ بالنسبة لي حينها، مدينة تمتدّ على الجبال على هيئة مكعبات إسمنتية متطابقة.

إذًا، هذه هي دارة الفنون التي كانت تضم حينها ثلاثة مبانٍ مرممة تعود إلى حقبة العشرينيات بطراز عمراني عماني بامتياز، عرفت لاحقًا من خلال دراستي أنها امتداد لعمارة بلاد الشام. كان توزيع المباني والعلاقة الفراغية بين المباني والحركة وحدائق الدارة التي تربط المباني ببعضها هو أول ما شدّني. صوت نافورة المياه في حديقة البيت الازرق، والأشجار الكثيفة والعلاقة البصرية مع المدينة التي لم تعد فقط صورة تشكيلية في خلفية المشهد بل أعطت حينها الأصوات المنبعثة من وسط البلد طبيعة حيوية وديناميكية لتلك التلال الإسمنتية.

مع الوقت، بدأت فعاليات الدارة تثير اهتمامي، خصوصًا الفعاليات الخارجية في ليالي صيف عمّان الممتد تقريبًا لستة أشهر في السنة، حين يشهد موقع آثار الكنيسة البيزنطيّة التي يعود تاريخها إلى القرن السادس الميلادي والتي شُيّدت فوق معبد روماني فعاليات مختلفة من عروض أفلام وحفلات موسيقية تختلط أصواتها بصوت منبهات السيارات، أو صوت الفتية الذين يلعبون في شارع نديم الملاح، أو أصوات الطائرات التي تهبط تدريجيا في مطار ماركا شرق عمّان.

بعدها، بدأتُ بالتعرف على فنانين قرأت أسمائهم بجانب أعمالهم في معارضهم الشخصية أو المشتركة في الدارة أو في منشورات عن تلك المعارض المختلفة. بدأتِ الأسماء تصبح أشخاص، بعضهم أصبح أصدقاء، وبعضهم ألهمني خلال مراحل دراستي للهندسة المعمارية طرقًا جديدة للتعامل مع المدينة والبيئة المبنية وإمكانية تحليل الخطابات المختلفة للمدن وإعادة تشكيلها بأعمال فنية جدلية المحتوى، كان منها مشروع «شفافية» من معرض الفنان هراير سركسيان عام 2013 ومعرض الفنانة صبا عنّاب «أرض بلا خراف» عام 2011.

لم يقتصر دور الدارة فقط على عرض أعمال فنية، بل وفرت لي، ولغيري بطبيعة الحال، منصة للتواصل مع فنانين وعاملين ثقافيين شباب. وكنتيجة لوسائل التواصل الاجتماعي تعرّفتُ على فنانين من المنطقة وفرت لهم الدارة المساحة التي قاموا فيها بتجارب فنية متنوعة شخصية، منها معرض الفنان إبي إبراهيم «مغادرة/ ووصول» 2017، وورشة عمل الفنانة إملي جاسر «محليّ/ local – mahalee/لوكل» مع سبعة من طلابها من الأكاديميّة الدوليّة للفن – فلسطين في رام الله عام 2014، في المختبر ذي الواجهة الزجاجية التي تحوّل محيط مساحة العمل تلك إلى فضاء عام تختلط فيه محاولات تجريبية من فنانيين شباب مع المارة في الشارع وزبائن صالون الحلاقة في الجهة المقابلة من الشارع.

شكّل محيط الدارة أيضًا جزءًا من هويتها الفريدة، فالمباني والبيوت في شوارع جبل اللويبدة مليئة بالمحترفات الفنية والمساحات والثقافة التشاركية التي تثري التجربة الثقافية الفنية في الحي والمدينة أيضًا، وذلك يدعم أيضًا خطاب الدارة بوصفها مساحة للتواصل والفن متناغمة مع المحيط التي أثرت وتأثرت بخصائصه وتفاصيله الحيوية.

تحتفل الدارة هذا العام بعامها الثلاثين بمعرض يحمل عنوان «الحقيقة سوداء، فاكتب عليها بضوء السراب» يضم ثلاثة معارض على مدار العام، في حين أقترب أنا أيضًا من عمر الثلاثين في مدينة عمرها كتجمع حضري معاصر اقترب من الـ120 عامًا، وُثّق فيها ما وُثّق، ونُسي فيها تفاصيل أخرى لم يكترث لها أحد، إلا من رآها وصمت.