الجماهير عربًا عاوية: عن رهاب الحشود وتعريبها في الخيال الغربي

الثلاثاء 31 تموز 2018
لوحة للفنان البريطاني هابلوت براون، 1894

(ملاحظة: في هذا المقال حرق لبعض أحداث فيلم الأم لدارين أرونوفسكي ورواية قصة مدينتين لتشارلز ديكنز)

أرونوفسكي وديكنز ورهاب الجماهير

في العام الماضي قدم المخرج دارين أرونوفسكي تحفة فيلمية من التداعي الشعوري السريالي أسماها الأم، تتعدد في هذا الفيلم المشاهد الكابوسية وتتوالد من بعضها البعض ويجمع بينها رهاب الجموع؛ فالأم تحبس نفسها في نطاق البيت وتخشى اعتداء الجموع المحتشدة عليها وعلى بيتها وطفلها؛ وتُصَدِّق السردية الكابوسية للفيلم مخاوف الأم (فالفيلم يسير بمنطق الكابوس) فتتوالى مشاهد اقتحام الجماهير للبيت مما يؤدي لتدميره مرتين (في الثانية بيد الأم التي ضاقت من عدوان الجماهير على بيتها).

يدّعي المخرج أن فيلمه إنما كان عن الاحتباس الحراري، ولكن المنطق الكابوسي والأسلوب السريالي للفيلم يفضحان العديد من المخاوف والتحيزات التي تتجاوز نية المخرج ووعيه وتسمح لنا بالاستعارة من التحليل النفسي الذي يقول بأن لغة الكابوس والسريالية إنما هي لغة اللاوعي (1). وفي كابوس أرونوفسكي السينمائي نجد الخوف من أن تنتهك الجموع الفرد، فالمحتشدون في البيت وخارجه ينتهكون الأم بانتهاك بيتها ومساحتها الفردية الخاصة كما ينتهكون رضيعها بقتله وتمزيقه إربًا ثم التهامه.

يعبر الفيلم إذن، وعلى رغم الإرادة الواعية لصاحبه، عن خوف مبطن في عقل الإنسان المعاصر والغربي خصوصًا لا حصرًا، من الحشود؛ من الجموع والجماهير التي يذوب فيها الفرد فتصبح جماعة مبهمة لا فرق فيها بين فرد وآخر، والني تتحرك من دون منطق ولا وازع، مهددة الشخص، الفرد الواقف خارجها، بتهديد غير مفهوم لكنه دائمًا يتضمن عدوانًا على الفردية وعلى خصوصية المكان وخصوصية الجسد. وفي هذا الفيلم يتم تصوير ذلك الانتهاك حرفيًا عن طريق تفتيت جسد الرضيع بعد أن يتم تصويره مجازًا من خلال انتهاك الجموع للبيت المرادف لجسد الأم.

نرى إذن التضاد بين البيت وبين الجماهير، وبين الأم/ربة البيت (التي يتضح في آخر الفيلم أنها هي البيت أو روحه) وبين الجموع التي تهدد هذا البيت وتهدمه. ليس هذا التضاد بين البيت وربّته من ناحية والجموع العنيفة والمخربة من ناحية أخرى بجديد على ثقافة الغرب وخياله، فقد رأيناه جليًا في النص الغربي الأشهر عن الجموع، أعني رواية تشارلز ديكنز قصة مدينتنين، حيث التضاد بين الجموع التي تجوب شوارع المدينتين، لندن وباريس، وبين ربّة البيت لوسي مانيت، التي تمثّل الهوس الفيكتوري بالمرأة أمًّا وربة بيت وإنكار أي دور لها خارج هذين، وهو هوس كرره أرونوفسكي دون أن يدري حيث بطلة الفيلم لا اسم لها سوى الأم ولا هم لها سوى الإنجاب وحماية البيت من الجموع والغرباء. وتمامًا مثل الأم في فيلم أرونوفسكي ترتعد لوسي مانيت خوفًا من وقع أقدام الجموع التي تجوب الطريق حول بيتها، وكما في الفيلم تصدّق الرواية كوابيسها حين تقتحم الجموع الفرنسية الثائرة حياتها الخاصة ليخربوا بيتها (حين يعتقلون زوجها الفرنسي ذا الأصل الأرستقراطي). الفيلم إذن تكرار لنمط سائد في الثقافة الغربية يصور الجموع نقيضًا للبيت والأسرة وخطرًا على الفرد المتمترس فيهما. ما يكشفه هذا الفيلم جليًا وما سنستكشفه في هذا المقال هو عروبة هذا الخطر.

الجماهير صوتها عربي

في فيلم أرونوفسكي وفي خضم تداعي الجموع على البيت فجأة نجد الجماهير التي اقتحمت البيت تهتف بالعربية وباللهجة المصرية «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»؛ فجأة هكذا صارت الجموع عربًا وصار التهديد الجاثم خارج البيت تهديدًا عربيًا. وكأن الأم (النرجسية المنغلقة على ذاتها وبيتها وإن لم يقصد أرونوفسكي ذلك) تريد أن تعزل بيتها وأسرتها عن العالم الخارجي فيأبى العالم الخارجي إلا أن يقتحم عليها بيتها (عن طريق نشرة الأخبار مثلا؟)؛ قد يعكس ذلك المشهد خوف الأم من أن تقتحم الجموع التي تسمع عنها في نشرات الأخبار حياتها الخاصة في وقت من الأوقات، تمامًا كما خافت لوسي مانيت من وقع الأقدام في لندن فاقتحمت جماهير الثورة الفرنسية حياتها. في الحالتين لا ترى المرأة النرجسية الجموع إلا من عدسة بيتها ولا ترى فيهم إلا تهديدًا لها حتى وهم يمضون لحال سبيلهم أو يثورون طلبًا لحقوقهم. إلا أن ذروة الكابوس الجماهيري تظهر قرب نهاية الفيلم حين ترفع تلك الجماهير رضيع الأم إلى المذبح، حيث ستقتله وتلتهمه بعد لحظات، وهي تصيح «الله أكبر». الخوف كل الخوف عند أم أرونوفسكي (وعند الغرب بشكل أوسع وعند العنصريين الذين يحسبون كل صيحة «الله أكبر» عليهم) هو من الجماهير المبهمة التي تصيح صيحة مبهمة، وهذا الخوف يمر من باب تعريب تلك الحشود أو أسلمتها. ولعل تعريب تلك الجموع مبالغة منهم في تغريبها؛ فالغريب عن بيت الأم غريب عن وطنها ولغتها.

وعدا عن العنصرية ورهاب الإسلام الواضحَيْن في المشهد، فإن صيحة الله أكبر مثلها مثل الجماهير التي تصيح بها، شيء مبهم لا يفهم الغربيون محتواه ولكن يفهمونه على أنه تهديد، وقبل فيلم أرونوفسكي بحوالي 135 عامًا وصف القنصل الإنجليزي في الإسكندرية الجموع الغاضبة التي أحاطت به وبغيره من سكان الإسكندرية الأجانب احتجاجًا على حصار الأسطول الإنجليزي لمدينتهم بأنهم «عرب عاوية» (howling Arabs) بينما تفننت تقارير الإنجليز في وصف تكبيراتهم وزغاريدهم كما اختلقت ألفاظًا لا دخل لها بالعربية ووضعتها على ألسنتهم وترجمتها على أنها تهديد بقتل الأجانب أو «النصارى»(2). رأى الإنجليز إذن في عرب الإسكندرية تهديدًا مبهمًا لا بيان له ولا لغة، فهو يزغرد ويكبّر ويتحدث بعبارات مختلقة ولكنه لا يتحدث بيانًا وذلك مشهد متكرر في الأفلام العنصرية التي تعوي فيها جموع العرب بلغة مختلقة أو تهتف الله أكبر قبل أن تعتدي على الأفراد أو تفجر نفسها. ولكن الإنجليز يخشون أولئك العرب وكلامهم/عواءهم على الرغم من، أو بسبب، عدم فهمهم له. في فيلم أرونوفسكي نرى أن تلك العرب العاوية هي ذروة صورة الجماهير وأن الخوف من العرب العاوية لا يقتصر على الأجانب المحاصرين بالعرب في المدن العربية بل كذلك على الأم المذعورة التي تخاف من الجماهير عمومًا وتراهم في كوابيسها عربًا عاوية. وفي ذلك لا يختلف أرونوفسكي عن ديكنز الذي جعل من الجماهير المحيطة بمأمور سجن الباستيل «كونًا عاويًا» (howling universe) بينما هم فرنسيون مثل المأمور الذي يحاصرونه فلا سبب لأن يرى صوتهم عواءً، إلا إن تشكيلهم لجموع ثورية يخرجهم من اللغة والبيان ويجعلهم في طور البهيمية العاوية بالنسبة لديكنز ولمأمور الباستيل، يؤيدنا في استنتاجنا هذا تشبيه ديكنز للثوار الفرنسيين في موضع آخر بالـ«همج» من سكان أمريكا الأصليين، كأن الجموع تخرج من حضارة الغرب وتشبه في خطرها أعداءه في مختلف أصقاع الأرض. الفارق أن ديكنز حين يذكر العواء يطلق تعميمًا قد ينطبق على قوى الطبيعة (وموقعها من الأوروبي العقلاني كموقع العرب والهمج والنساء منه في فكر القرن التاسع عشر فكلها ظواهر ينقصها العقل الذي يحتكره الرجل الأبيض) وقد ينطبق على غير الأوروبيين عمومًا من الذين يحسب الأوروبيون كلامهم عواءً، أما أرونوفسكي فيجعل خطر الجماهير خطرًا عربيًا وإسلاميًا بالتحديد.

قبل كوابيس أرونوفسكي وأمه بحوالي عامين قامت حشود بعمليات تحرش وانتهاك جماعيين للنساء في مدينة كولونيا الألمانية، ولما رأى البوليس وشهود العيان الجموع تغتصب النساء قالوا بأنهم عرب وقال شهود العيان أن بشرتهم سمراء مثل العرب وأنهم يبدون عربًا وأنهم سمعوهم يتحدثون بالعربية (3)، وتلقف تلك التقارير هواة جلد الذات من عرب لأسباب شعوبية أو نسوية ليبرالية-استعمارية تريد أن تبرّئ الرجل الأبيض، على حساب الرجل العربي، من ذكوريته وعدوانه على النساء (وعلى غيره من الرجال). ولم يتوقف أحد ليسأل: إن كانت هذه الجموع عربًا لسمرة بشرتها فكيف تفرق سمرة بشرة العربي عن سمرة الأمريكي اللاتيني أو شعوب المتوسط الأوروبية أو حتى الأبيض حين يكتسب سمرة؟ وهل درجة اللون واحدة في شمال أفريقيا والسودان ودول الخليج وبلاد الشام لتشي درجة لون ما بالعروبة (وإن من العرب من يختلط على الغربيين نسبه نظرًا لبياض بشرته، وإن من الغرب من يحسبونه عربيًا لسحنته وسمرته)؟ وإن كانت الجموع عربًا للغتها، فهل رجال الشرطة وشهود العيان من الناطقين بالعربية أو من خبراء اللغات ليعرفوا الفارق بين العربية والعبرية والفارسية والأمازيغية؟ (هذا إن افترضنا قدرتهم على تمييز اللغات الشرقية من الأساس!) والأرجح أن أولئك وهؤلاء حين رأوا جموعًا مبهمة تنتهك الفرد وتنتهك الجسد الفردي عرّبها لاوعيهم أو أسلمها فاكتسبت في عيونهم سمرةً يربطها لا وعيهم بالعروبة، وسمعوها بأذن اللاوعي تزمجر بكلام عربي ظاهره الوعيد (وباطنه مبهم) فكانوا عرًبا عاوية مثل غيرهم من الجموع في خيال الغربيين. ولن أعجب لو قال بعض شهود العيان أو ادعت محاضر الشرطة أن الجموع هتفت «الله أكبر» وهي تشرع في الاغتصاب.

الجماهير همجًا وعربًا ونساءً

يرتبط هذا النسق بعقدة في الخيال الغربي ترى الرجل الأبيض وحده هو الفرد أمّا ما عداه (من نساء وجماعات عرقية مختلفة) فجماعات عجزت أن تنجز الفردية كما أنجزها الرجل الأبيض. فكأن الناس إذا ما انخرطوا في جموع نكصوا عن مسيرة الرجل الأبيض وإنجازه فتأنثوا أو استحالوا شعوبًا غير أوروبية (4). وفي خواتم القرن التاسع عشر، وردًا على الموجات الثورية التي اجتاحت فرنسا منذ نهاية القرن الثامن عشر، قدم المفكر، أو بالأحرى المدعي، الفرنسي (صاحب الباع في الاستشراق) جوستاف لوبون كتابًا ادعى أنه «دراسة في العقل الجماعي» وجعل الجموع فيه نقيض الحضارة ووصفها بأنها تنخر في الحضارات الآيلة للسقوط فتسرّع من انحدارها وشبّه في أول كتابه تلك الظاهرة بخروج القبائل العربية من الصحراء لتهدم الحضارة البيزنطية، ثم في موضع آخر من كتابه قال بأن خصائص الجموع تشبه خصائص النساء والأطفال والشعوب الهمجية (5).

في فيلم أرونوفسكي وفي خضم تداعي الجموع على البيت فجأة نجد الجماهير التي اقتحمت البيت تهتف بالعربية وباللهجة المصرية «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»

وبينما وصف لوبون الجموع بأنها حتى وإن انخرط فيها رجال أوروبيون فهي تتصرف كما لو كانت نساء أو عربًا (أو غيرهم من الهمج غير الأوروبيين)، فقد باعدت كوابيس أرونوفسكي واختلاقات العنصريين الألمان ما بين النساء والعرب/الهمج/الجموع وجعلتهما نقيضًا. إلّا إن تلك المباعدة ليست تفريقًا كاملًا فالمرأة (الهيستيرية أمام خطر الجموع والمنتهكة على أيديهم) تظل مهمة لاكتمال صورة الجماهير وإن وقفت على النقيض منهم، وكأنها تمارس عملية إحلال وإسقاط لتصبح المرأة ضحية الجماهير بدلًا من أن تصبح رديفها، وتظل في الحالتين صورتها؛ فصورة الجماهير لا تكتمل في مثالي أرونوفسكي وكولونيا من دون صورة المرأة المرتعبة.

ذلك الإحلال والإسقاط مهم لإنتاج المرأة البرجوازية الغربية المحترمة، مطهرةً بمعزل عن الجماهير ومدنسةً في منالهم: أُمًّا في فيلم أرونوفسكي وضحية للاغتصاب في حادثة كولونيا. تقف المرأة الغربية المحترمة إذن مقابل الجماهير (المبهمة والعربية/المُعرَّبة) محل العهر (الذي تبدّى من خلال احتفاليات ذات طابع جنسي آذت مشاعر الأم المرهفة في فيلم أرونوفسكي، عدا عن العهر الواضح في ذكر حادثة كولونيا)، وقد دأب الخطاب المحافظ على ربط الجموع في تأنيثها بالمرأة العاهرة فكان الرأي عند الثورة المضادة في ثوار فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أن قوامهم من النساء العواهر(6) (على عكس نساء البيوت المحترمات اللائي يقمن بواجبهن ربات بيوت وأمهات ولا ينزلن إلى الشوارع أو ينجررن إلى الأفعال الثورية) وورث أقطاب الثورة المضادة العرب ذلك منهم. أما الغرب الحديث فكأنما أراد أن يحصّن نساءه من عهر الجماهير فجعلهن جسدًا مهددًا، محصنًا، أو مستباحا من الجماهير وجعل تلك الجماهير الغاشمة العاهرة عربية وجعل لحظة الاستباحة أو العدوان لحظة فيها شيء من العروبة أو الإسلام. وكأن الخطاب الغربي بذلك يصنع من الجسد المؤنث المستباح أو المدنس والجموع والعروبة (أو الإسلام، أو آخر الغرب بشكل أعم: عربيًا كان أو إفريقيًا، أو تركيًا، أو أمريكيًا أصليًا، …) ثلاثة أضلاع لنفس المثلث. وقد كتب كثيرون عن ربط أوروبا القرن التاسع عشر بين الجموع – أو الثورات- والعهر ولكن قليل انتبهوا إلى أن ذلك العهر كان في نظر أوروبيي ذلك الزمن عربيًا أو تركيًا أو مسلمًا.

  • المراجع والهوامش

    1- لمقاربة أخرى تدخل للفيلم من باب اللا وعي وترفض تفسير المخرج لفيلمه (ولكنها تذهب إلى غير ما أذهب إليه) ينظر

    Richard Brody, «Darren Aronofsky Says ‘Mother!’ is about Climate Change, but He’s Wrong,» The New Yorker.

    2- «Correspondences Respecting the Riots at Alexandria On the 11th June 1882,» The National

    Archives, UK. FO 881/4741. [وثيقة من الأرشيف الوطني البريطاني]

    3- من التقارير التي وضعت تلك الشائعات في سياقها وكشفت ما فيها من اختلاق أو تجن وساءلت توظيفها السياسي، نخص بالذكر
    Nabila Ramadan, «Cologne Sex Assaults: Muslim Rape Myths Fit a neo-Nazi Agenda,» Independent 

    و Sara Farris, «Racializing Sexism.«

    4- Celia Brickman, Aboriginal Populations in the Mind: Race and Subjectivity in Psychoanalysis

    5- Gustav LeBon, The Crowd: A Study of the Popular Mind.

    6- ينظر على سبيل المثال:

    Gay Gullickson, Unruly Women of Paris: Images of the Commune

    و Neil Hertz, «Medusa’s Head: Male Hysteria Under Political Pressure,» Representations