في نقد صراع العروش

الثلاثاء 02 حزيران 2015
game of thrones

(تحذير: يحتوي هذا المقال ما قد يكون «حرقًا» لبعض أحداث المسلسل)

كنت قد اتخذت قرارًا منذ سنوات ألّا أشاهد سلسلة أفلام «سيد الخواتم» (The Lord of the Rings) على اعتبار أن هذا النوع من الخيال لا يروق لي، وكذلك الأمر بالنسبة لسلسة أفلام «هاري بوتر»، هي أفلام طفولية، والقصص التي يتحدث عنها الكتاب لا تستهويني، الواقعية أفضل، وما حولنا من دراما يكفيني عن البحث في حكايات جادت بها مخيلات خصبة. ولم تشفع لهذه الأفلام المأخوذة عن روايات كونها تقع في قائمة الكتب العشرة الأكثر مبيعًا عبر التاريخ بحسب ما تذكره الموسوعة الشعبية، ويكيبيديا.

لكن هذا الأمر تغيّر أخيرًا مع المسلسل ذائع الصيت «صراع العروش» (Game of Thrones) الذي بات وبحسب صحيفة الجارديان البريطانية أكثر المسلسلات تحميلًا ومشاهدة على الإطلاق، بمعدل مشاهدين بلغ 13 مليون مشاهد للحلقة، الأمر الذي لم يحصل له مثيل من قبل في تاريخ التلفاز الذي عرفه جيلنا على الاقل. ومع مضي المسلسل قدمًا، بات اليوم يشكل ظاهرة تستحق الدراسة، فعدد المقالات التي كتبت عنه كبير جدًا، وهوس العامّة به واقتباسهم له بات أمرًا يلاحظ بسهولة، حتى أن الجارديان تقول في ذات المقال أنه المسلسل الأكثر إثارة للنقاش والحديث والنقد أبدًا. وتكفي متابعة وسم #GameOfThrones عبر تويتر لنعرف حجم مشاهدة المسلسل.

يمكن إرجاع أسباب هذا النجاح الباهر إلى عوامل كثيرة من بينها حجم الإنفاق الذي جعل من المسلسل يخرج بهذه الجودة، و براعة الكاتب الذي خلق عوالم رائعة ومريعة في ذات الوقت، القصص العديدة التي يضمها المسلسل، القدرة على خلق التشويق، لكنني أظن أن الأمر أكثر تعقيدًا من هذا، وأن سبب القبول المختلف الذي لقيه هذا المسلسل يعود إلى طبيعته المختلفة، وإلى «الرسائل» التي يحويها، والتي سأتحدث عن بعضها أدناه.

الواقعية المفرطة

ربما تكون مغامرة غير محمودة العواقب أن نصف مسلسلًا يروي قصة عائلات خيالية وعالم مختلق، وتنانين، وأموات أحياء يخشاهم العالم، وغراب بثلاثة أعين، أن نصف هذا كله بالواقعية المفرطة، لكن لفظة الواقعية هي اللفظة الوحيدة التي أعرف والتي أظن أنها قادرة على التعبير عمّا شاهدته في هذا المسلسل. يمكن أن نرى هذه الواقعية في تناول المسلسل لعدة قضايا:

أولًا: ما هو الخير؟
من الأمور البائسة في هذا العالم أن المرء عليه في كثير من الأحوال أن يعيش حياته وهو يحاول الإجابة على أسئلة تبدو للوهلة الأولى بديهيّة، أسئلة من قبيل من أنا؟ لماذا أفعل ما أفعله؟ وتعتبر هذه الأسئلة أسئلة عسيرة على الحل لأن الجواب الذي يهرب منه معظمنا جواب صعب وقلق؛ جواب يدفعنا اعتقادنا بأننا الكائنات المختارة إلى رفضه، أعني جواب أن الإنسان كائن سيء بطبيعته، شرير، فيه من الخبث والمكر والرغبة في الإيذاء ما يجعله شيطانًا يسير على قدمين، كما أن فيه من الطيبة والرقة والحب ما يجعله ملاكًا لا ينقصه سوى الجناحان. ورغم أن هذين الجانبين يتصارعان دومًا، في كل يوم، ومع كل قرار نتخذه، فإننا كبشر يحلو لنا في معظم الاوقات أن ننكر وجود الجانب الشيطاني، وأن ننسب أنفسنا إلى الملائكة، والملائكة فقط.

يقول المفكر الإيطالي ميكافيلي: «وقد يقال عن الناس بصورة عامة، أنهم ناكرون للجميل، متقلبون، مراؤون، ميالون إلى تجنب الأخطار، وشديدو الطمع وهم إلى جنبك طالما أنك تفيدهم، فيبذلون لك دماءهم وحياتهم وأطفالهم».

والعالم بعكس ما تخبرنا به الأيديولوجيات الكبرى، مكان غاية في التعقيد، والخير والشر فيه نسبي جدًا، خاصة في عصر كالعصر الذي يتحدث عنه المسلسل، عصر ممالك قائمة على حكم أسر، عصر لم تكن مصطلحات مثل الشعب والمواطنة قد خلقت فيه بعد، والعقد الاجتماعي الذي كان قائمًا وقتها -إن جاز لنا أن نستخدم هذ المصلطح- كان عماده أن يدفع «المواطن» الضرائب التي عليه، أن يعبد ذات الإله الذي يعبده الملك، أن يدفع بأبنائه إلى الجندية بمجرد أن يطلب الملك ذلك، أن «يعمر الأرض»، في مقابل أن يحترم الملك العادات والتقاليد والآله، على الأقل في المساحة العامة، وأن يحافظ ما استطاع على القانون، وإن حقق شيئًا من العدالة فستتغنى به الأغنيات أبد الدهر.

في عصر مثل هذا من العسير جدًا الحديث حول الخير والشر، إذ أن الخير لم يكن مجد الأمة، ولكن المجد الشخصي، مجد العائلة، وثروتها، والحفاظ على الذات، ولو عنى ذلك ارتكاب أبشع الجرائم وأقذرها. وفي عالم هذه أخلاقه يصبح سؤال الخير والشر سؤالًا فاقدًا للأهمية والمعنى.

ثانيًا: الخير لا ينتصر
ربما تكون فكرة انتصار الحق دومًا هي الفكرة الأكثر مدعاة للسخرية وللتنفير في معظم ما نشاهده من أفلام ومسلسلات، وفي ما نقرأ من قصص وروايات، إذ تكفي نظرة إلى توزيع الثروات في هذا العالم، أو إلى تاريخ الاستعمار والمستعمرات، أو إلى واقع العالم العربي اليوم وغدًا، لجعل فكرة انتصار الخير على الشر فكرة سخيفة وطفولية.

وعلى الرغم من أن المسلسل قد تمكن إضفاء البطولة المثالية على بعض الشخصيات، وهو الأمر الذي قادها لأن تنال حب المشاهدين حول العالم، سواء مثلّها «نيد ستارك» أو غيره، ولكن المسلسل تمكن من المحافظة على ذات الخط من الواقعية التي أسميتها واقعية مفرطة، فيرينا أن هذا الخير لا ينتصر، وأن هذه الشخصيات التي اختارت لذاتها البطولة المطلقة ستعرف الموت بطرق لم تكن تتخيلها يومًا، ولو لأعدائها. وكأن مؤلف المسلسل قد قرأ قصيدة أمل دنقل التي يقول فيها: «لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر قيصر جديد، وخلف كل ثائر يموت أحزان بلا جدوى، ودمعة سدى».

ثالثًا: كائنات معقدة

على خلاف ما نراه في هوليوود، فالشخصيات في المسلسل غاية في التعقيد، ومن العصي محاولة معرفة الأسباب الكامنة وراء تصرفاتها أو تحليلها نفسيًا. فإضافة إلى فكرة المجد الشخصي ومجد العائلة والحفاظ على الذات التي أشرنا إليها سابقًا، تظهر قضية غاية في الأهمية، كانت عاملًا حاسمًا في انحياز الشخصيات، وفي مواقفها من الأحداث وفي تصرفاتها عمومًا، وهي العلاقة مع الأب.

في مجتمعات عائلية أو شبه قبلية كالتي يتحدث عنها المسلسل، للأب أو لكبير العائلة مكانة كبرى، وله دور حاسم في ما سيحدث لأبنائه لاحقًا، ومحاولات إرضائه أو قتله (مجازيًا) تأخذ حيّزا هائلًا من تفكير شخصيات المسلسل، ومن الأمثلة الصارخة على هذه العلاقة المضطربة علاقة تيرون لانستير بوالده، وجون سنو بوالده، وكذلك رامزي بولتون بأبيه، وهي العلاقات التي دفعت أحدهم إلى قتل أبيه حرفيًا، والآخر إلى السعي نحو البطولة المثالية اقتداء بوالده، والأخير نحو التحول إلى ساديّ مريض، مواصلًا إرث عائلته المفزع.

كما أن من المسائل الجديرة بالملاحظة عند التطرق إلى الشخصيات أنها غير ثابتة، وأن الكثير من شخصيات المسلسل تطورت مع الوقت، وقد حدث لها هذا بفعل الزمن والتجارب، وتتجلى هذه المسالة عند النظر إلى الشخصيات النسائية في المسلسل، وخصوصًا سانسا ستارك، ودينيرس تارغيريان، واللتين تحولتا من طفلتين تلعب بهما الأقدار إلى امرأتين قادرتين على الصمود والمقارعة في عالم شرس يفتك بمن لا مخالب له.

هذا التعقيد في الشخصيات، والصراعات الكبرى التي تخوضها عقولها، يجعل من المتقبل للغاية أن نرى منها سلوكًا غير متوقع، أو ربما غير مقبول، إذ أن لا أحد منّا يمكن له التنبؤ بالجانب الذي سينتصر في صراع الشيطان والملاك داخل العقل.

الكاتب البطل

إضافة إلى الواقعية المفرطة، كان دور الكاتب من العوامل التي تجعل من المسلسل (والرواية قبله) عملًا استثنائيّا يحظى بقبول هائل. فعلى الرغم من أن السينما الأميركية تنتج سنويًا عشرات أو مئات المسلسلات، وعلى الرغم من النجاح الذي يكتب لبعضها إلّا أنني لا أذكر أن كاتبًا حصل على شهرة كتلك التي نالها جورج مارتن، مؤلف «صراع العروش»، لكتابته المميزة، ووجه التميز الأبرز لا يكمن فقط في قدرته الغريبة على خلق عوالم من اللاشيء، ولا في تعدد القصص التي يرويها في ذات الوقت، وإنما لأنه وعلى خلاف الكثير من الأعمال الأدبية الأخرى كان هو البطل الحقيقي للنص.

من يتابعون المسلسل قد صدموا عدة مرّات بموت أبطالهم المفضلين، أو بتعرضهم لكوارث تقضي عليهم أو تكاد، وقد تبدى هذا الشيء بوضوح في حلقة الزفاف الأحمر من الموسم الثالث، وكذلك في الحلقة الثامنة من الموسم الرابع، على سبيل المثال لا الحصر، وهذا الأمر، أعني قتل الأبطال بطريقة مريعة، يعتبر إلحادًا في عالم الروايات الفانتازية، وفي عالم الخيال العلمي، إذ أن هذ النوع من الأدب، أو على الأقل ما اشتهر منه قائم على أساس البطولة الفردية أو شبه الفردية، والبطل فيه لا يقهر، ولا يموت، وينجو من إطلاق النار عليه، ومن محاولات شنقه، ومن وقوعه في جهنم مصادفة!

وهذا الأمر، أعني قتل الشخصيات المفضلة، إضافة إلى الحملات الدعائية الكبيرة التي حظي بها المسلسل، جعلت الكاتب قريبًا من جمهوره، بحيث باتوا يوجهون له مناشدات، حقيقية في كثير من الوقت، ألّا يقتل أبطالهم. وربما يتناسب سلوك «الأبطال» في النص مع فكرة أن الحق لا ينتصر دومًا، أو بالاحرى أن الحق في الغالب لا ينتصر.

ومع هذه الميزات فإن المسلسل عرف عددًا من «العيوب» الكبيرة التي جعلت منه منتقدًا بشدة، ومثيرًا للانقسام بين مؤيد ومعارض، بين مهاجم ومدافع، ومن هذه العيوب:

الموقف من المرأة

يتهم المنتقدون والعديد من النسويين والنسويات المسلسل بأنه قد أظهر المرأة بشكل سيء، وساهم بقصد أو عن غير قصد بتكريس صورة نمطية تحصر حضور المرأة في الدور الجنسي، أو تظهرها كائنًا ضعيفًا لا حول له ولا قوة، إضافة إلى اتهامات من قبيل الحضور الثانوي للمرأة في المسلسل.

وأعتقد أن هذه التهم لا صحة لها، ومرد هذه التهم إلى سوء فهم لدور الأدب والفن، أو على الأقل ناتج عن محاولة ورغبة لتحويل الأدب إلى كائن يتناقض مع طبيعته، وهذه الطبيعة يمكن أن يطلق عليها اسم الأدب الملتزم، أي الأدب الخاضع للأيديولوجيا، والمحكوم بها، وهو أدب يدافع عن مبادئ كبرى، وينتصر للحق على الظلام وللخير على الشر.

بوجهة نظر شخصية، أظن أن الأيديولوجيا هي أكثر ما يسيء للأدب، ومن أراد الوعظ فعليه أن يجلب صندوقًا ويصعد فوقه ويبدأ بتوجيه المواعظ والنصح، أما الأدب فهذه ليست مهمته، ناهيك عن أن دخول الأيدلوجيا على الأدب كثيرًا ما أفقدت الأدب جماله، وقوته، والأهم إنسانيته، لذا ليس من المستغرب أن يخرج العديد من الأدباء الكبار على الأيديولوجيا ويكفروا بها، ولنا في دوستويفسكي وكافكا ومحمد شكري ومحمد طمليه أدلة تدعم هذه النظرية. وإذا رفضنا نظرية الإلتزام الأدبي بهذا المعنى، فإننا نرى أن الكاتب والمسلسل نجحا في وصف وضع المرأة والإنسان عمومًا في تلكم الفترة التاريخية التي يتحدث عنها المسلسل، والتي هي فترة موازية لفترة العصور الوسطى في أوروبا، وأن يطالب المؤلف بأن يضع المرأة في مكانة غير تلك التي كانت تتبوؤها في تلك الأيام فيه من المغالطات الشيء الكثير، ناهيك عن تناقضه مع الحقيقة، ومع مبدأ الواقعية المفرطة الذي كنا قد أشرنا له من قبل.

من جهة أخرى، فقد حظيت المرأة في المسلسل بحضور طاغٍ، ولست أتحدث عن الحضور بصفتها فاعلًا جنسيًا، وإنما بوصفها قائدة ومخلصة كما يظهر معنا في سيرة دينيريس، أو كفارسة كما يظهر في سيرة بريان، أو حتى طفلة تتجاوز المصاعب وتتغلب عليها وتنجو في سيرة كل من آريا ستارك وأختها سانسا.

والحقيقة أن الاعتقاد الراسخ لديّ هو أن المسلسل حاول قدر الإمكان الوفاء للزمان الذي يتحدث عنه، وأظهر التزامًا هائلًا وشجاعة -ربما تكون غير محمودة- في التعبير عن ذلك، الأمر الذي قاده إلى الوقوع في محظورات حتى بالنسبة لمشاهدي شبكات الكيبل والتي تتمتع عادة بحرية أكبر من تلك التي يتمتع بها مشاهدو التلفاز العادي. لذا رأينا مشاهد الاعتداء على الأطفال وقتلهم أو تعذيبهم، ومشاهد الاغتصاب، واستعمال الجنس بشكل «مفرط» من وجهة نظر العديدين، وفوق هذا الإسراف في المشاهد العنيفة التي أجزم أنها حرمت العديد من المشاهدين من النوم لليال. لكنني هنا أعود وأرد هذا الأمر إلى الواقعية المفرطة، والرغبة بالوفاء للتاريخ.

الاستشراق في المسلسل

كانت صديقة لي قد أشارت قبل مدة وخلال حديث لنا حول المسلسل إلى انزعاجها من فكرة المحرر أو المنقذ الأبيض والتي بدت لها في المسلسل، عبر سرد قصة دينيرس تارغيريان، والتي كانت في البداية تحاول استرجاع عرش والدها، لكنها في محاولتها لتكوين جيش يساندها في استرجاع العرش، تمر بمدن عدة فيما يسمى منطقة البحر الضيّق، وهو منطقة مختلفة عن تلك القارّة التي تحصل فيها معظم أحداث المسلسل، وعبر مرورها بتلك المناطق تقوم البطلة خالصة البياض بتحرير العبيد، الذين يمكن القول أنهم لم يكونوا ليفكروا لولاها في الحصول على حريتهم، وقد دفعتني هذه الملاحظة إلى البحث عن جذور «الاستشراق» في المسلسل، وخصوصًا في قصة هذه الفتاة، لأصل بعد شيء من القراءة وبعد إعادة مشاهدة المسلسل إلى نتيجة مفادها أن المسلسل قد ساهم في التنميط أو ربما عبّر عن روح استشراقية، روح تحمل الكثير من الصور النمطية حول الشرق.

لا أعرف إن كان جورج ر. ر. مارتن يمتلك صورة نمطية عن الشرق لكنني أظن أنه احتاج في مكان ما في الرواية إلى خلق عالم آخر غير العالم الذي ينتمي إليه أبطال الرواية، فقرر من دون وعي خلق مكان يقبل به قرّاءه، ولذا نزع على هذا المكان ما للغربي حول الشرق من آراء. ويتبدى للمشاهد في النقاط التالية أوجه الاستشراق الذي عرّفه إدوارد سعيد قائلًا: أسلوب تفكير يقوم على التمييز الوجودي بين ما يسمى «الشرق» وبين ما يسمى (في معظم الأحيان) «الغرب». ولهذا، فإن عددًا هائلًا من الكتاب -بينهم شعراء وروائيون وفلاسفة وأصحاب نظريات سياسية واقتصاديون ومديرون إمبرياليون- قد قبلوا التمييز الأساسي بين الشرق والغرب باعتباره نقطة انطلاق لوضع نظريات مفصلة، وإنشاء ملاحم، وكتابة روايات، وأوصاف اجتماعية، ودراسات سياسة عن الشرق، وعن أهله وعاداته، وعن «عقله»، ومصيره وهلم جرّا».

أولًا: الشرق المتخلف
عند النظر إلى القبائل والمدن المشيّدة في خليج العبيد نجدها تتناسب إلى حد كبير مع النظرة «الاستشراقية» لهذا الجزء من العالم، مكان متخلف، لا حقوق للإنسان فيه، سكانه وثنيون أو من دون دين، لا يعرفون الحكومة ولا الطاعة، وحشيّون للغاية، القوي يأكل الضعيف، ماديّون للغاية. ولا يعرفون الحياء أبدًا. ويمكن مشاهدة هذا جليّا في الحلقة التي أظهرت زفاف دروغو ودينيريس.

1GOT

وعلى الرغم من أن المسلسل مليء بالتصرفات غير التقليدية للإنسان المعاصر، إلّا أن الفئة الوحيدة التي استحقت من معديه أن يقوموا بشرح خلفياتها وبالتعرف إلى أصول العيش والحياة فيها هي ذات المنطقة التي نتحدث عنها، الأمر الذي يعكس نظرة المستشرق إلى هذا الشرق على أنه متحف عجائب يستحق الدراسة، وأن الكائنات التي يحويها وإن كانت شبيهة بالإنسان إلّا انها تختلف عنه جذريا ولذا فهي تتصرف بطريقة غير مفهومة، وتستحق بناء عليه الدراسة، والصفات التي أظهر بها المسلسل  «الدوثراكيين» على سبيل المثال شبيهة إلى حد كبير بما سجله الغزاة الأوائل لأميركا اللاتينية من ملاحظات، أو بما كان يكتبه المستشرقون حول مصر وغيرها من بلدان الشرق.

ومواصلةً للاقتباس من كتاب الاستشراق ننقل اقتباس المؤلف لإدوارد وليم لين في كتاب «وصف أخلاق المصريين المحدثين وعاداتهم«: «عندما قام السيد عمر نقيب الأشرف (..) بتزويج ابنة له منذ خمسة وأربعين عامًا تقريبًا، سار أمام الموكب الزفاف رجل كان قد شق بطنه وأخرج قسما كبيرًا من أمعائه إلى ووضعها امامه على صينية فضية، وبعض انفضاض الموكب أعاد المعي إلى مكانها ومكث في منزله أيامًا كثيرة قبل أن يشفى من عواقب تلك الفعلة الحمقاء المقززة».

كما يمكن ملاحظة الشبه الكبير بين هذه المنطقة التي اخترعها الكاتب وبين شرقنا عن طريق الاستماع إلى اللغة التي اخترعها، والتي هي بحسب مخترعها مزيج من الإسبانية والعربية.

ثانيًا: المنقذ الأبيض

من الأمور التي تعزز نظرية الرؤية الاستشراقية في المسلسل سلوك وشخصية إحدى بطلاته وهي دينيرس تارغاريان، والتي هي فتاة غاية في البياض على الرغم من إقامتها في أراض صحراوية لمدة طويلة جدًا، والتي ستلعب دور المنقذ المحرر لأهل هذا الشرق التعس، الذين لا يعون أهمية الحرية. لذا فهي وعوضًا عن إكمال مهمتها التاريخية في العودة إلى بلدها وتخليصه من الحكم غير الشرعي، نراها تعمل جاهدة على تحرير عبيد هذا الجزء من العالم من القهر الذي يعانون منه، وتعمل على جلب الحضارة أو خلقها بين أولئك الجهلة المتخلفين -كما تم تصويرهم مرارًا في المسلسل- وربما يمكن لنا اعتبار امتلاكها للتنانين أمرًا مضحكًا، «لكن يمكن قراءة وجود هذه الحيوانات على أنها بديل عصري ومناسب لطائرات الإف ستة عشر»، وبذا تكون هذه الفتاة قد لعبت وبجدارة الدور الأمريكي في العالم، دور جلب الحرية للشعوب رغمًا عن أنفهم، وربما يجوز لنا القول أنها نسخة أكثر وسامة من جورج بوش (الابن او الأب).

وإن طُرح سؤال هل كانت هذه الفتاة غازية أم محررة، يأتينا الجواب من أهل تلك المدن التي كانت تدخلها، وعبر هذا المشهد الذي به يختتم الموسم الثالث من المسلسل.

GOT2

يقول ممدوح عدوان في تقديمه لكتاب الاستشراق جنسيًا: «نورد كمثال التعليق التالي الوارد في كتاب من أوائل القرن العشرين، تحت صورة فوتوغرافية تصور داخل بيت تركي برجوازي، غربي المظهر، نموذجيًا تمامًا، يقول التعليق: هذه الصورة التلقطت على نحو معبّر لصحيفة لندنية» وقد أعيدت إلى مصورها مع هذا الكلام «الجمهور البريطاني لن يقبل هذه الصورة لحريم تركي» (..) من الواضح أن وجود بركة في داخل البيت مع عدد كبير من النساء العاريات المتكئات على الوسائد وهن يدخنّ النارجيلات كان أكثر انسجاما مع آمال (الجمهور البريطاني) من بعض قطع الأثاث الأوروبي الممل».

ربما لا تكون هذه الصورة هي ما يعتقده جورج آر آر مارتن عن الشرق، لكن ولأن جمهوره من القراء، والجمهور المستهدف للمسلسل يمتلك هذه التصورات حول الشرق ألزم المسلسل نفسه بتكريس هذه الصورة النمطية، وخلق منقذة بيضاء اللون، لشعوب همجية متخلفة.*

خاتمة

يقول جورج أورويل: «أفضل الكتب هي تلك التي تخبرك ما تعرفه أصلًا». من هذا الباب، فإن «صراع العروش» لن يخبرنا إلّا بما يعرفه معظمنا أصلًا وهو أن العالم مكان غير عادل أبدًا، وهو لهذه الصفة بالتحديد، واحد من أهم الأعمال التي عرضت على الشاشة الصغيرة منذ سنوات، بالعيوب التي احتواها، ومن المؤسف ألّا تكون الروايات التي أخذ عنها قد ترجمت إلى الآن، رغم كون الكتاب بأجزائه المختلفة قد تربع على عرش الكتب الأكثر مبيعًا في قائمة النيويورك تايمز لأسابيع طويلة، كما أنه من المزعج للغاية ألّا يكون قد حظي بنقد عربي حقيقي، شبيه لذلك الذي ناله من قبل مشاهديه باللغات الأخرى.


* يمكن الاستزادة في القراءات حول الاستشراق في المسلسل عبر قراءة المقالات التالية، والتي استعنت بها كثيرًا في مقالي أعلاه:
Daenerys’ Whole Storyline on Game of Thrones Is Messed Up
Game of Thrones IS Racist – And You Haven’t Noticed
كما يمكن القراءة حول الاستشراق بعامة في كتب عديدة من أهمها: «الاسشتراق»، لإدوارد سعيد، و«الاستشراق جنسيًّا»، لإرفن جميل شك.