المستشرقون الألمان: حلقة مفقودة في نقد الاستشراق؟

الأربعاء 28 كانون الأول 2016
لوحة للمستشرق النمساوي أنتون هوبنر، يصور فيها القاهرة كما رآها قرابة عام ١٨٧٠.

يبدأ الباحث، وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية، رضوان السيّد كتابه «المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصائر»1 باقتباس من كتاب الإسلام شريكًا للمستشرق الألماني فرتز شتبات يقول:

«إن الاستشراق شكّل نافذة جيدةً على الشرق، تم التعريف من خلالها، وطوال قرنٍ ونصف القرن، بالعرب والإسلام، وحضارتهما، بطرائق موضوعية وودودة في أكثر الأحيان».

من هنا، قد يلمح القارئ بداية الخلاف ما بين السيّد وإدوارد سعيد حول تعريف الاستشراق ونطاقاته. سأحاول في هذا العرض لكتاب السيد أن أركّز على نقاط الخلاف والالتقاء بين الكتابين (مع أن المقارنة بينهما قد تكون غير منصفة، حيث أن بحث السيّد مختصر وغير تفصيلي)، ثم سأعرّج على أهم ما جاء في الكتاب بخصوص الاستشراق والمستشرقين الألمان.

نقد الاستشراق

يتابع الاقتباس: «وأيًّا يكن الرأي الآن، بعد تغيّر الظروف والمناهج، في تلك الدراسات؛ فإنه يكونُ علينا النظر إليها من جانبين: جانب2 الجهود المبذولة في نشر النصوص العربية القديمة نشرات علمية، شكّلتْ منهجًا سار عليه في ما بعد المحقّقون والدارسون العرب. وجانب العروض الشاملة والمتخصصة للتاريخ السياسي والثقافي العربي والإسلامي».

يستطيع القارئ هنا أن يلاحظ، نوعًا ما، مفهوم رضوان السيّد عن الاستشراق الذي لخّصه بقوله إنه «التخصص الذي يتخذ من الفيلولوجيا3 والتاريخ أساسَيْن للعمل الأكاديمي في تصوير الحياة والثقافة في حضارة المشرق القديم، واستطرادًا حتى مشارف العصور الحديثة»4. ويختلف هذا المفهوم مع، أو على الأقل يختزل، مفهوم إدوارد سعيد عن الاستشراق لأن له العديد من التعريفات والوجوه، منها الأكاديميّ، دون إهمال أنه «أسلوب تفكير» يقوم على التمييز الوجودي والمعرفي بين ما يسمى الشرق والغرب. وأسلوب التفكير هذا يتملّك عقل الروائيين والشعراء والفلاسفة ومنظري السياسة والاقتصاد. بالإضافة إلى أنه أسلوب غربي للهيمنة على الشرق، وإعادة بنائه، والتسلّط عليه5.

يبدو أن دافع السيّد نحو كتابة هذا البحث هو استبعاد إدوارد سعيد للأكاديميا الألمانية من حساباته أثناء كتابة كتابه «الاستشراق»، ولأن التعرّف والتقرّب إلى أكاديميا تختلف قليلًا عن عقلية الاستشراق البريطاني والفرنسي -بحسب السيّد- ستكون مفيدة للقرّاء والباحثين، بالإضافة للاطلاع على إرثٍ هائل من المخطوطات والمراجع العربية والإسلامية الأصيلة التي حققها وترجمها وأعاد نشرها المستشرقون الألمان. لقد كان مبرّر سعيد لذلك الاستبعاد -غير المنصف برأيه نفسه- اعتقاده بأن الخطوات الأهم في مبحث الاستشراق تم اتخاذها في فرنسا وبريطانيا، ومن ثم فصَّلَ فيها الألمان6. وحاجج سعيد بأن ألمانيا لم يكن لها حضورٌ فعليّ في الشرق يماثل الحضور الأنجلو-فرنسي في الثلثين الأولين من القرن التاسع عشر7. بينما يحاجج السيّد بأن هذه التبريرات غير منطقية، حيث أن للألمان رغبات استعمارية شرهة، لكنها ما صارتْ فاعلة إلا بعد الوحدة الألمانية عام 18708.

يرى السيّد أن استبعاد سعيد للاستشراق الألماني ليس منبعه أن هذا الاستشراق خارج «المؤسسة» الاستعمارية، فالألمان اتجهوا نحو آسيا العثمانية لإقامة علاقة استراتيجية معها في مواجهة الروس والبريطانيين والفرنسيين متسلّحين بالمستشرقين وعلماء الدراسات الإسلامية9. وإنما هذا الاستبعاد قائم على اختلاف الاستشراق الألماني مع أهم ركائز بحث سعيد: أولًا، جدلية السلطة (الاستعمارية هنا) والمعرفة. وثانيًا، نقض الموروث (العلمي) الاستعماري. لأن منطق البحث الاستشراقي الألماني لم تنطبق عليه تلك الصفات. أي أن منبع هذا الاستبعاد -في نظر السيّد- ليس لارتباط ذلك الاستشراق بالمؤسسة أو عدمه، ولكن لطبيعة تلك المعرفة الاستشراقية وكيفية توظيفها.

إذن، يبدو أننا أمام مفهومين  للاستشراق، وللاستشراق الألماني بالتحديد يبتعدان -قليلًا- عن بعضهما. وقد يكون مفيدًا أن نتطرق إلى مثال على هذا الافتراق من الكتاب؛ حيث يتطرّق إدوارد سعيد في كتابه لحوار مع الكاتب فاتيكيوتس ينتقد فيه الأخير اليسارَ وأفكارَه الثورية، ويجيء على ذكر المستشرق الشهير برنارد لويس ومقالته عن «الثورة» وأن المفردة تستدعي بالعربية الهياج والثوران، وإثارة الفتنة. ويدينه سعيد على ذلك. فيقول السيّد بأن برنارد لويس ليست مشكلته كراهية العرب والمسلمين، بل أنه يميني صهيوني، يحمل على العرب عندما كانت القومية العربية في أوجها أداة للصراع مع إسرائيل. ويستنتج السيّد بأن سعيد يدين لويس على انحيازه السياسي وليس على «استشراقه»، لأن موقف لويس نابع من تحيّز سياسي وليس معرفي. يظهر هنا هذا الاختلاف الذي تحدثت عنه سابقًا، حيث ينظر السيّد للاستشراق على أنه مبحث أكاديمي بالدرجة الأولى، ويقوده ذلك لاعتبار موقف لويس هنا خارج نطاق الاستشراق.

يستمر السيّد في نقده ويتساءل10 عن دور الاستشراق في العلاقة التي يصفها بالسرطانية بين الشرق والغرب، وهل يمكننا الافتراض بأن الاستشراق هو الذي صنع رؤية الغرب الاستعماري للشرق. وهذا تساؤل مشروع، حسب اعتقادي، رغم أن السيد لم يحاول الإجابة عليه بشكل مباشر، بقدر ما حاول طرح سردية أخرى. كما أننا -حسب السيّد- لا نستطيع متابعة تحديدات سعيد لمن هم داخل «المؤسسة» ومن هم خارجها لأنه لم يعرّف تلك «المؤسسة» تعريفًا مستفيضًا.

يمكنني الخلاص إلى أن نقد السيّد للاستشراق أخذ طابعًا عمليًّا وليس منهجيًّا بالمجمل، أي أنه وجّه نقدًا لتكملة بعض النواقص في طرح سعيد وليس نقضًا له (مع أن محتوى الكتاب غلب عليه السرد التاريخي أكثر من النقد التاريخي كما فعل سعيد في كتابه).

عن الاستشراق الألماني

قد يبدو من الكلام السابق أن الكتاب يتمحور حول نقد السيّد لسعيد، لكن في الحقيقة أن ذلك لا يشكّل إلا جزءًا بسيطًا من الكتاب. حيث يتمحور بشكل رئيسي حول سرد تاريخي للاستشراق الألماني وسيرورة تطوّره، مع المرور على أهم أعلامه وتمرير بعض النقد له. ويمكن اعتبار هذا الجزء من الكتاب محاولة  لتفسير رؤية السيّد للاستشراق الألماني على أنه مختلف عن الاستشراق البريطاني والفرنسي والأمريكي.

بحسب السيد فقد تشكّل الاستشراق الألماني مع التوجّه الأكاديمي نحو الفيلولوجيا، بعد أن أخرجت الرومانطيقية النظرة إلى الشرق من حيّز الدراسة اللاهوتية، قامتْ الفيلولوجيا بإدخاله نطاق اللغة. ومن ثم تبلور هذا التخصص مع الوقت. وركّز السيّد على اهتمام المستشرقين بتنقيح المخطوطات العربية والإسلامية وترجمتها وإعادة نشرها، وأشاد بذلك (مع أن هذا لا ينفي صفة الاستشراق، بمعناها لدى إدوارد سعيد، عن أي باحث، فالنزاهة العلمية قد تتوفّر في باحث يحمل فكرًا استشراقيًّا).

كانت علاقة الدولة الألمانية بالاستشراق متذبذبة؛ ما قبل الوحدة الألمانية والقيصرية كان الاهتمام شبه معدوم. ومن ثم من خلال العلاقة الاستراتيجية بين الدولة القيصرية والدولة العثمانية عشية الحرب العالمية الأولى، ازدهر الاستشراق في الأكاديميا الألمانية. وأثناء حكم الدولة النازية، عاد مبحث الاستشراق للظل. ويعيد السيّد ذلك على افتقار النازية للاهتمام بآسيا لأن لديها شعوبًا «أقل قيمة»، ولاهتمام النازية بالمجال الحيوي الأوروبي أكثر من أي شيء آخر.

مع الوقت، وبشكل تدريجيّ، استقلّ الاستشراق الألماني كمبحث أكاديمي عن الفيلولوجيا واللاهوت (مع أنه ظل يستخدم الفيلولوجيا كأداة تحليلية، لكن هذا الاستقلال أخذ طابعًا وظيفيًّا فقط. أي استقل كحقل دراسي، وليس بالضرورة معرفيًّا). ثم تطوّر بعد الحرب العالمية الثانية، من هذه التاريخانية نحو سوسيولوجيا الإسلام والأنثروبولوجيا الثقافية تحت تأثير ماكس فيبر، والتي اهتمّتْ بكتابة تاريخ ثقافي للإسلام، أي أنها عرّجتْ على مسائل معرفية. طبعًا ظل العديد من المستشرقين يحملون التقليد القديم ويكتبون بالأسلوب التاريخانيّ. في هذه الفترة استطاع الاستشراق الألماني الخروج من أسطورة أن الدين الإسلامي ليس إلا تحويرًا على الدين المسيحي واليهودي، لكنه دخل في دوامة أن الحضارة الإسلامية (وليس الدين) مدينة للتراث الهيلليني، وأن الإبداع العلمي الإسلامي هو صناعة إغريقية استوردها المسلمون دون إضافة.

في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الثمانينيات من القرن العشرين، ساد أسلوب «التاريخ الثقافي» الذي تحدثنا عنه. ومشكلة هذا الأسلوب أنه انسحب تمامًا من التاريخ، وفقد اهتمامه بالحاضر (العلاقات الإسلامية الألمانية المعاصرة كمثال). وفقدان الاهتمام هذا ينسحب على أهم المدارس الاستشراقية في أوروبا (ألمانيا، إنكلترا، فرنسا، إسبانيا). بينما انصرف الأمريكيون إلى ذلك في تلك الفترة، تزامنًا مع طموحاتهم بأن يكونوا الدولة العظمى في فترة الحرب الباردة. طبعًا، هذا التراجع بالاهتمام رافق ظهور أصوات ناقدة لعلاقة السلطة بالمعرفة والأكاديميا (خصوصًا التجربة القومية وعلاقتها مع المؤسسة الأكاديمية).

بعد ذلك، ينتقل السيّد للحديث عن مرحلة استتباب «الدراسات الإسلامية» كمبحث مستقل في ألمانيا، وإصدار مجلات متخصصة عن الإسلام والمسلمين، والشرق بشكل عام. ومن ثم عرّج على تأثير الاستشراق الألماني في الباحثين العرب، والذي هو -على شحّه- موجود، في الدراسات المبكرة من القرن العشرين، وتأثير العرب على المستشرقين الألمان في العصر الحديث أيضًا (مثل ترجمة الجزء الثاني من كتاب جرجي زيدان تاريخ التمدّن الإسلامي (1913)).

في الفصل الأخير من الكتاب، يراجع رضوان السيّد مصير الاستشراق الآن ومآله، كمبحث أكاديمي، في الغرب. ويرى أن هذا المبحث لفظ أنفاسه الأخيرة (على يد نقّاد أفذاذ من مثل إدوارد سعيد)، مع أنه لم يكن بالسوء الذي قد صُوّر على أنه عليه مقارنةً بما هو موجود الآن في الدراسات الثقافية العنصرية تجاه الإسلام. وفي الملحق، أدرج عدة مقالات كُتبت في مناسبات مختلفة وفي مواضيع مختلفة عن الاستشراق بشكل عام، والألماني بشكل خاص. ربما أهمّها تلك التي يُعلّق فيها على ترجمة كتاب «تاريخ القرآن» للمستشرق الألماني نولدكه، وعدم جدواها لاندثار المنهجية الفيلولوجية في دراسة التاريخ. بالإضافة إلى الإشارة إلى أهمية الاستشراق الألماني من حيث حفظ المخطوطات العربية واستخدم مثال ترجمة كتاب «المسائل في الخلاف» لأبي رشيد النيسابوري.

خاتمة      

في النهاية، يبدو أنه من الممكن اعتبار كتاب السيّد هذا نقدًا وبناءً على الاستشراق. ومن الممكن أن نعيب عليه عدم استخدام أية مرجع في معرض كلامه في الجزء الأكبر من الكتاب الذي تحدث فيه عن تاريخ الاستشراق الألماني، وإنما سرده كما الحكاية.

أَمِل إدوارد سعيد دراسة الاستشراق11 الألماني من بعده لأنه اعتبر عمله هذا حلقة ضمن حلقات كثيرة لدراسة الاستشراق، ويبدو أن السيّد ساهم في ذلك.


1. عن دار المدار الإسلامي، الطبعة الثانية، 2016.
2. أي تشديد يرد في المقالة هو من المؤلف نفسه الذي أقتبس منه، ما عدا عناوين الفقرات.

3. علم اللغة المقارَن (فقه اللغة).
4. المستشرقون الألمان، ص153.
5. انظر الاستشراق، إدوارد سعيد، دار رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ترجمة محمد العناني، ص 44-46.
6. المرجع السابق، ص 65.
7. المرجع السابق، ص 67.
8. المستشرقون الألمان، ص11.
9. المرجع والصفحة السابقة.
10. المرجع السابق، ص152.
11. الاستشراق، ص 74.