حيدر حيدر: أنا مُشعل الحرائق في الغابات الهرمة والمنخورة والمتداعية

الأحد 04 تشرين الثاني 2018

( تنشر حبر، بالتعاون مع جريدة أخبار الأدب المصرية، مجموعة من المقابلات التي أجراها القاص هشام البستاني مع عدد من كتّاب القصة القصيرة في العالم العربي. الحوار الأول، الحوار الثاني، الحوار الثالث).

لا شيء يعادل الأثر الذي تتركه الأجواء الكابوسيّة لكتابات هذا القاصّ والروائيّ «المُغاير»، ولا كتابة تشبه الصّدمة التي يُخلّفها إذ تحفر عباراته ورؤاه بعمق في طمأنينتنا المُتوهّمة التي غالبًا ما نخدع بها أنفسنا لنستطيع الاستمرار بحياتنا دون منغّصات، مع أن الموت والدّمار والظّلم يحيطون بنا من كلّ جانب. حيدر حيدر، كما يعرّف نفسه، هو «كاتب اليأس والقسوة، والنّهار المهزوم بالظّلمة»، مُعلنًا بلا مواربة أن «الحياد في زمن الصّراع تواطؤ»، لينقلنا في ضربة قلم من راحة التّعويض والاستبدال، إلى عبء المواجهة.

رغم تحوّل الأزمان، ظلّ حيدر مُخلصًا حتى اليوم لهذه المحدّدات، فلم تهزمه رقابة داخليّة ولا خارجيّة، وظلّ محافظًا على مسافة نقديّة شرسة من كلّ الأطراف: من ديكتاتوريّة النظام الحاكم في بلده سوريا، كما من ديكتاتوريّة الفهم العامّ و«المُتعارف عليه»، من قمعيّة الأيدولوجيا الدوغمائيّة والحزب الحاكم كما من طغيان السّلطة المُشتقّة من الدّين.

كانت كتابات حيدر حيدر أوّل نصوص أدبيّة جادّة أقرأها في حياتي، وشكّلت لي معبرًا أوليًّا باتجاهين حدّدا مساري اللّاحق: مشاهدة الواقع دون فلاتر ومجمّلات ومجاملات، وتحويل فظاعاته، بأدوات الكتابة، إلى مادة فنيّة رفيعة على صعيد الشّكل. هذه باختصار هي ملامح «مدرسة حيدر حيدر» الكتابيّة التي أعتبر نفسي واحدًا من تلاميذها: ليست مدرسة ديستوبيّة على الإطلاق، بل مدرسة تنطلق من فكرة مركزيّة مفادها أن واقعنا هو أشدّ بؤسًا من أي ديستوبيا، أما الفنّ فيتحقّق من خلال قلب هذا الواقع من الدّاخل إلى الخارج، من خلال مواجهة الخراب وجهًا لوجه، بأشكال كتابيّة مبتكرة وطليعيّة تخدم فكرة القلب والمواجهة نفسها.

ولد حيدر حيدر في قرية حصين البحر على الساحل السوري عام 1936، أكمل دراسته في مدارس طرطوس عام 1951 ليلتحق بعدها بمعهد المعلّمين في حلب، الذي تخرّج منه عام 1954، ليبقى بعدها في حلب مدرّسًا لعقد من الزمن، انتقل بعدها إلى دمشق، ومنها إلى عنّابة في الجزائر عام 1970 حيث درّس اللّغة العربيّة، ومنها إلى بيروت حيث عمل في بعض دور النشر هناك مُصحّحًا ومُدقّقًا لغويًّا. التحق حيدر حيدر في بدايات الحرب اللبنانيّة بالمقاومة الفلسطينيّة في إطار الإعلام الفلسطينيّ الموحّد، أمّا بعد خروج المقاومة من بيروت عام 1982، فانتقل إلى قبرص ليعمل مسؤولًا عن القسم الثقافي في مجلتي «الموقف العربي» و«صوت البلاد» اللّتين كانتا تصدران من هناك.

لم يكن حيدر حيدر خلال كلّ هذه الأحداث كاتبًا «مُراقبًا» أو «شاهدًا» فقط، بل كان كاتبًا مُشتبكًا، مُشاركًا، وشريكًا، والأهمّ: ناقدًا بلا مواربة. عام 1985، وبعد حياة حافلة على كلّ الصعد، عاد حيدر حيدر إلى مسقط رأسه، في محاولة لـ«ترميم خرابه الداخليّ»، كما يقول هو، وإن استمر موغلًا في «تخريب الخراب»، كما أقول أنا، في أعماله الأدبيّة المتعدّدة، والمتنوّعة، بين القصّة، والرّواية، والمقالة، والشّهادات، والسير. كتابات بدأت محاولاتها الأولى مبكّرًا، عام 1952، من خلال مجلّة محليّة في حلب، واستمرّت بعدها في عدّة دوريّات أبرزها مجلّة الآداب اللبنانيّة، لتتكرّس تلك الكتابة في مجموعته القصصية الأولى المنشورة عام 1968 بعنوان: «حكايا النورس المهاجر»، وتتوالى إصداراته بعدها حتى بلغت اليوم سبعة عشر كتابًا.

هشام البستاني: سأبدأ بسؤال صار لازمةً متكرّرة في سلسلة الحوارات هذه، وهي مدخل لقارئ قد لا يعرف حيدر حيدر من جهة، ولقارئ يعرفه فقط من خلال نصوصه، وإن كانت النصوص تشكّل نافذة ما على الكاتب وعوالمه. بعد كلّ هذه التجارب، وكل هذا الانخراط في عالم لم يكن ورديًّا على الإطلاق، وبعد هذا المنجز الكتابيّ الضّخم، من هو حيدر حيدر اليوم، وكيف يعرّف نفسه؟

حيدر حيدر: على جدار مكتبتي لوحة صغيرة كُتب عليها:
«متواضعٌ كالرّمل
صاخبٌ كالبحر
عالٍ كالسّماء
حرٌّ كالرّيح»
هذا هو حيدر حيدر باختصار. وقد أوصيتُ أن تكون هذه اللوحة شاهدة على قبري .

أوّل ما يخطر ببالي حين أفكّر بأعمالك الأدبيّة، هي فرادتها في تقديم واستشراف الرؤى الكابوسيّة، والرّعب، والموت (بكلّ أشكاله الماديّة والمعنويّة). صحّحني إن كنتُ مُخطئًا: ربّما تكون أنت أوّل من قدّم مثل هذه المقاربات في الكتابة الأدبيّة العربيّة التي لطالما غرقت في التفاؤل (السّاذج) والأمل (الكاذب)، وحاولت أن تشكّل حالة هروبيّة من، أو تعويضيّة عن، الواقع البشع. كيف وصلت إلى هذه الرؤى في ستينيّات القرن الماضي، تلك المرحلة المبكّرة من كابوس لم يلحظه أغلبيّة من الكتّاب، وما زلنا نعيش فيه اليوم بأشكال أكثر فظاعة؟

لأقُل بدءًا أنّني كاتب غير متفائل، لا أرى في الأفق العربيّ أي أمل في نهوض الإنسان من كبوته التاريخية. تأسّس هذا الإحساس لديّ جرّاء مراقبة عميقة وتأمل للواقع وانخراط عضوي فيه، وفي الوقت ذاته، قراءتي له معرفيًّا وتاريخيًّا في مراحل باكرة. كتابتي ومواقفي العمليّة في الحياة كانتا سلاحي في المواجهة.

ما فعلته المؤسّسة السياسيّة المتواطئة مع المؤسسّة الدينيّة كافٍ لإغلاق الأفق التنويريّ حتى ألف عام قادم.

مسألة الحرية والتنوير والعدالة ملغاة من قاموس السلطة؛ القمع، والرّعب، والموت، والذلّ، والمهانة، والتّجويع، هي الأبجديّات والأولويّات في قاموسها المتوحّش، وحين تكون صادقًا مع نفسك والعالم، وتكون حرًّا وجريئًا، عليك أن تصطدم وتشتبك مع القمع، والجهل، والتخلّف، والسّلطة الممثّلة لهذه الفيروسات. أنت في النّهاية تخوض معركة على أرض وعرة وقاتلة، ووعي طبيعة الأرض مبكّرًا هو ما أوصلني إلى المعركة مبكّرًا.

ثمّة عبارة لا أملّ من اقتباسها عنك في كتاباتي، وتتعلّق بانعدام إمكانيّة بروز البرعم الأخضر إلّا بعد الحريق، وهي ترد بشكلها البالغ التأثير في كتابك «مرايا النّار» (1992)، وبصياغة أخرى أقلّ وقعًا في «أوراق المنفى» (1993)، وثمة إشارات إليها في قصص سابقة مثل «رقصة البراري الوحشيّة» (في «الوعول»، 1978). هذه عبارة بالغة العمق في عالم تسوده اللامساواة المطلقة، وحيث على المظلوم أن يبدأ من حالة موغلة في الضعف ليواجه خصمًا كليّ القوّة، يملك الوسائل والأدوات والإمكانيّات والأموال والإعلام والقوانين والشرعيّة، فيصبح «الـ»حريق هو الآليّة الوحيدة الكفيلة بمساواة الجميع لينطلقوا من ذات المستوى المنبسط، فيصبح الأمل بمستقبل آخر ممكنًا. كيف وصلت إلى فكرة الحريق؟ وإن اتفقت معي أن الأدب -عمومًا- ليس فاعلًا سياسيًّا آنيًّا، فما هو دور الأدب في إشعال الحريق؟

أنت على صواب في «انعدام امكانية بروز البرعم الأخضر إلّا بعد الحريق» كما تقول، والكاتب العميق والجذريّ هو مشعل الحرائق في غابة منخورة ومسوّسة الجذور. تحتاج بلاد العرب إلى ألف حرب أهلية لتتطهّر من أمراضها وجراثيمها وتاريخها الدمويّ الأسود، وما فعلته المؤسّسة السياسيّة المتواطئة مع المؤسسّة الدينيّة كافٍ لإغلاق الأفق التنويريّ حتى ألف عام قادم.

هناك كلمات وعبارات وصور وروائح كأنّها التّمائم، تتكرّر دومًا في نصوصك وتلتصق بذهن القارئ: الصديد، الدم المجرثم، الطلقة الخائنة، الأمونيا، الغبار، الغرين، المستنقعات، الهيولى، البكتيريا؛ وتكتسب وقعًا سحريًّا نفسيًّا يجعل من نصوصك حالة لاشعوريّة مستمرّة، وتخلق مُناخًا خاصًا يبقى ولا يزول بزوال المؤثّر الأوّل: النصّ. هل كنت واعيًا لهذه الحالة الطوطميّة لمثل هذه الكلمات والصور؟ هل تقصّدت هذه التقنيّة التي تستمرّ في الفعل في عقل المتلقّي ما بعد القراءة؟

هذه التمائم -كما تقول- رموزٌ مجازيّة تشير إلى حالة الفساد، والخراب البنيويّ والوجوديّ والتاريخيّ داخل الفرد والمجتمع.

أحاول دمج الشعوريّ مع اللّاشعوريّ، والمرئيّ مع الرّمز اللّامرئيّ المستوطن في الأعماق، كإشاراتٍ تشبه الوميض في اللّيل الحالك، كمحاولة يائسة للاقتراب من الطوطميّة والإنسان البدائيّ الأول.

في قصصك إحالات كثيرة للتّراث، وبعض لحظات إشكاليّة فيه (أحداث سقيفة بني ساعدة مثلًا)، وثمّة استحضار متكرّر لشخصيّات من الهامش المعارض المتمرّد: الجعد بن درهم، غيلان الدمشقيّ، أبو ذر الغفاريّ. من جانب آخر، ثمّة نصوص لديك مكتوبة بنفس اشتباكيّ مع التراث، شيء يشبه النص التراثيّ المعاصر، أو نقل التراث أو الأسطورة إلى حيّز المعاصرة كما في قصّة «الميراث» من مجموعة «الوعول» (1978) أو كتاب «مراثي الأيّام: ثلاث حكايات عن الموت» (2001)، أو فصل «ظهور اللوياثان» في «وليمة لأعشاب البحر: نشيد الموت» (1983)، كأنّك تقول أنّنا لسنا أسرى التّراث فحسب، بل إنّنا لم نقرأه ونهضمه بكل أبعاده، وأنّنا بحاجة إلى إعادة إنتاجه عبر هضمه بكليّته وصناعة شيء جديد منه: الأدب مثلًا. هكذا يفقد التراث قداسته المُقيِّدة، ويدخل بسلام إلى مرجعيّاتنا الثقافيّة والإبداعيّة، والاجتماعيّة عمومًا. كيف تنظر إلى التراث وتوظيفاته في الأدب؟

في مكتبتي قسم له صلة بالفلسفة، وقسم له علاقة بعلم النّفس والتّاريخ والسّياسة والأدب، وهناك قسم للتراث، أنا مسكون بالتّراث والتّاريخ، أرى من خلالهما الماضي والحاضر، وينيران لي الفجائع والمآسي والخراب.

نحن فعلًا لم نقرأ التّراث ونهضمه، بل -أكثر من ذلك- نحن بحاجة إلى إعادة إنتاجه، وتفسير نصوصه، ونقده بصراحة، وبمبضع جرّاح لا يرحم، بعيدًا عن التأويلات المذهبيّة والطائفيّة المتعصّبة، كما نحن بحاجة إلى الاقتراب من التراث بعيدًا عن ثنائيّة المقدّس والمدنّس، وبعيداً عن المقاربات اللاعقلانيّة والسحريّة. هذا ما يضع التّراث على الطريق الصائب والعقلاني، وهو شيء حاوله محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وأدونيس، وحسين مروّة (على سبيل المثال لا الحصر)، وأقاربه أنا في كتاباتي من زاوية أخرى: زاوية الأدب.

على سيرة الهزائم، قد يسهل عليّ العودة إلى هزيمة عام 1967، ما رافقها من انهيار للـ«الأحلام الكبرى» بالحريّة والتحرير والوحدة والتقدّم، لأجد سببًا لهذا العنف الأدبيّ والغضب الذي يموج في نصوصك القصصيّة، وهو عنف ممتدّ في الزمن، يمرّ على تجربة الحركة الوطنيّة في لبنان، وهزيمة المقاومة الفلسطينيّة وخروجها من بيروت 1982 (وهي كلّها أمور تناولتها في أدبك)، وصولًا إلى اللحظة الرّاهنة. هل لتلك الهزيمة الأولى وقع أو أهميّة محوريّة لديك، خصوصًا وأن أولى مجموعات القصصية، وأول كتبك «حكايا النّورس المهاجر» منشورة عام 1968؟  

الهزائم العربيّة واضحة المعالم في معظم ما كتبت، وتحديدًا في رواية الزّمن الموحش، وكما في كتابتي التي تميل إلى التّكثيف، والاختصار، والاقتصار على ما هو جوهريّ، وما يُفهم بالمجاز والتّورية، «خير الكلام ما قلّ ودلّ»، تقول العرب، ستجد أن الهزيمة حاضرةٌ ومُدركةٌ جوهريًّا، موجودةٌ جوهريًّا، بعيدًا عن العرضيّ والثانويّ الذي لا ألقي له بالًا في العادة.

من حصين البحر إلى طرطوس فحلب فدمشق، ومن دمشق إلى عنّابة في الجزائر حيث عملت مدرّسًا للغة العربيّة، ومن الجزائر إلى لبنان حيث التحقت بالمقاومة الفلسطينيّة وإعلامها، ومن لبنان إلى قبرص حيث عملت محرّرًا ثقافيًّا، وبعدها إلى حصين البحر حيث تكتمل الدائرة. يتحقّق فيك وصف «المثقّف المشتبك»، ذاك المنخرط ليس فقط في الحوار حول قضايا زمنه، لكن في الفعل فيها أيضًا. هل أضافت هذه التجربة الاشتباكيّة والترحاليّة إلى كتابتك؟ هل سحبت منها؟

الهجرات التي حملتني عبر فيافيها وصحاراها ومدنها وبحارها زوّدتني بتجربةٍ لولاها لكنت نصف كاتب. لولا الجزائر ما كانت «وليمة لأعشاب البحر» ولا «الفيضان»، ولولا دمشق لما كانت «الزمن الموحش»، ولولا لبنان لما كانت «الوعول» و«التموّجات» و«حقل أرجوان».

لعلّ عبارة «المثقّف المشتبك» التي صغتها أنت، توازي صيغة «مشعل الحرائق» في الغابات الهرمة والمنخورة والمتداعية التي أقدّمها في كتاباتي؛ دونهما لا قيمة حقيقيّة للمثقّف والكاتب.

اكتملت الدائرة كما أشرتُ في سؤالي السابق: من حصين البحر على شاطئ المتوسّط كانت البداية، وإليها العودة حيث أنت اليوم، عبر سلسلة من «التموّجات» (كما هو عنوان إحدى مجموعاتك القصصيّة). عدت إلى نقطتك الصغيرة الخاصّة المنعزلة في شبه اعتكاف طويل أغبطك عليه، وأتمنّاه لنفسي يومًا ما. كيف ومتى حصل هذا التحوّل (إن كان يمكن اعتباره تحوّلًا)؟ وهل صرنا أمام حيدر حيدر جديد، متأمّل، مُلاحظ، متمهّل، حلّ مكان سلفه المُشتبك، المُنفعل، المُتفاعل؟

حين تكبر في العمر تعود إلى الطّفولة، والطفولة تعود إلى مهدها الأول. الآن أنا في «بحرون»، وهو الاسم الرمزيّ لسهل حصين البحر. أحيا مع زوجتي أسمهان (التي أُناديها «أسمى»)، وهي صديقتي منذ ربع قرن، ومساعدتي، ويدي اليُسرى في الأدب والحاسوب (لأن يدي اليمنى لكتابتي)، نهتمّ معًا بالمنزل، وبالحديقة الصّغيرة المزروعة بالأشجار المثمرة، وسويًّا نزرع المزروعات ونعتني بها ونقطف منها حاجتنا من الخضار والفواكه. أقرأ يوميًّا حوالي السّاعتين، ليلًا، وأدوّن يوميّات عن الماضي والهجرة والحرب الطائفيّة القذرة.

وليمة لأعشاب البحر مُنِعت في سوريا لمدة اثني عشر عامًا كاملة، كما كنتُ أنا نفسي ممنوعًا من دخول بلادي لمدة عشر سنوات، من عام 1975 وحتى 1985، لأسباب سياسيّة.

إحدى أبرز سمات نصوصك، وربّما تكون الأسبق في الكتابة العربيّة في هذا المجال، هي عدم رضوخها لأي نوع من أنواع الرقابة، تتناول مواضيع كانت (وما زال بعضها) من المحرّمات: الدين والتراث، الجنس والجسد، السياسة والسّلطة، استخدام الشتائم والصور والمشاهد البذيئة، وكلّها موظّفة بفنيّة عالية بحيث يبقى أثرها طويلًا وتأثيرها فاعلًا. كيف تغلّبت على الرّقابتين الداخليّة والخارجيّة؟ كيف انتصرت ككاتب عليهما، خصوصًا في زمن قد نظنّه أقلّ انفتاحًا من زمننا اليوم؟

عدا كتب«حكايا النورس المهاجر»، و«الفهد»، و«الومض»، كانت جميع كتبي ممنوعة من التداول من قبل الرّقابة السّورية. مثلًا: «وليمة لأعشاب البحر» مُنِعت في سوريا لمدة اثني عشر عامًا كاملة، كما كنتُ أنا نفسي ممنوعًا من دخول بلادي لمدة عشر سنوات، من عام 1975 وحتى 1985، لأسباب سياسيّة. أنا كاتب ملعون، خارجيّ، ومعادٍ ومُعارض للنّظام، وفي الوقت نفسه: أنا كاتب حرّ داخليًّا، رقابتي الوحيدة تنبع من ضميري الداخليّ، وبالتالي تنتفي عن كونها رقابة إذ تعبّر كتاباتي دون مواربة عن قناعاتي الضميريّة. أمّا الرّقابة الخارجيّة فملغاة كليّة من حياتي الأدبيّة. الجرأة ثمّ الجرأة، كما يقول دانتون، ولتأتِ بعدها المقصلة.

تكتب القصّة، والرواية، والسرد الفنيّ، وأحيانًا نجد مقاطع شعريّة لك منثورة داخل النصوص السرديّة، أو أخرى سرديّة مكتوبة بروح الشّعر. رواياتك غير تقليديّة بالمعنى التقنيّ، وكذلك قصصك، تختلط فيها الهلاوس بالوقائع بالأحلام بالكوابيس بمقتطفات من الذاكرة بالأساطير، وكل هذا في زمن سادت فيه الواقعيّة والشكل الكلاسيكيّ، ولا أريد الحديث عن كمّ الرداءة الفنيّة التجاريّة التي تسود اليوم. بهذا المعنى: كنت (وما زلت بنظري) مستقبليًّا ليس فقط في الموضوع (كما أشرتُ في سؤالي الثاني) ولكن في الشكل أيضًا. كيف اشتققت هذا النوع من الكتابة؟ وما هي المرجعيّات الأدبيّة والفنيّة التي ساهمت في وصولك إليها؟ كيف صرت مستقبليًّا في زمن ماضويّ؟ وكيف تنظر إلى ما يسمّى «الأجناس الأدبيّة» والفوارق بينها؟

الانتقال، أو التحّول، من الواقعيّة الاجتماعيّة التصويريّة الوصفيّة، إلى التعبيريّة أو الحداثة، يعني رؤية البعد النفسيّ والوجوديّ والسرياليّ والبنيويّ، إلى جانب البعد الاجتماعيّ، في الوقائع والشخصيّات والعلاقات. حين تمزج كيميائيًّا بين المجاز والاستعارة والكناية والتّورية، وهي من خصائص الشّعر، وبين السّرد النثريّ المرئيّ بالحواسّ، تحدث حالة توليديّة جديدة نسمّيها: اللّغة أو الأسلوب الجديدين، وهو ما يطلق عليه -خطأً- وصف الشعريّة. أنا أسمّيها التعبيريّة الدّاخليّة المُحدّثة.

أخيرًا: أجدك مُنعزلًا بينما يركض الآخرون لاستجداء الأضواء؛ مُعتكفًا بينما يحفى الآخرون ليصيروا «نجومًا»؛ مُكتفيًا بينما يلهث الآخرون خلف الجوائز والاعتراف؛ مُصرًّا على رؤيتك الفنيّة بينما يكتب الآخرون ما يطلبه الجمهور وترضى عنه المبيعات والجوائز. من ذلك البعد المتأمّل، كيف تنظر إلى تحوّلات مشهد «الكتابة» و«الكتّاب» اليوم؟ هل كان ثمّة «زمن ذهبيّ» نتخيّله أو نخترعه عن الأمس على وقع ما نراه اليوم، أم أن الحاضر هو مجرّد امتدادٍ لماضٍ شبيه غابت عنّا تفاصيله وذاكرته؟

الجوائز لا تصنع أديبًا ولا نجمًا. بالنّسبة لي، فقدتُ أيّ فرصة بالحصول على جوائز بسبب حملة الإسلاميّين الظالمة على رواية «وليمة لأعشاب البحر» عام 2000 بعد أن طُبعت في مصر، ثم أُحرقت من قبل المتعصّبين الذين قادوا المظاهرات ضد الرّواية، وكفّروا كاتبها، وربما تكون هذه الروّاية من الأعمال الأدبيّة النادرة في عالمنا العربيّ التي تتمكّن من إخراج المظاهرات، ولو لمصادرتها!

لست آسفًا على عدم نيل جوائز (لم أتقدم لها أصلًا)، وهؤلاء المتهافتون على الجوائز يثيرون اشمئزازي، فهم ليسوا أكثر من متسوّلين وضيعين على موائد اللّئام. في النّهاية: ما هو مهم وجوهريّ هو أن تكتب عملًا أدبيًّا جيّدًا، ولتذهب الجوائز إلى الجحيم.