إمبراطورية الذات في «هاوس أوف كاردز» و«بريكنغ باد»

الثلاثاء 23 شباط 2016
house-of-cards-breaking-bad

(نشر هذا المقال على مدونة الكاتب في ٢٢ شباط).

يقول الفيلسوف والناقد السلوفيني «سلافوي جيجك» أن السلطة الحقيقية لا تحتاج إلى غطرسة ولحية كبيرة وصوت عالٍ، بل أن السلطة الحقيقية تخنقك تدريجيًا بأربطة من حرير، بسحر وبذكاء.

بعد ثلاثة مواسم من مسلسل «هاوس أوف كاردز»، بتنا ندرك أنه لا يعكس حقيقة الصورة التي تُصنع فيها السياسة داخل البيت الأبيض أو خارجه، بل إن الخدع السياسية فيه ليست أكثر أهمية من التمحور الدائم حول السلطة، والتي يستنزفها بطل المسلسل «فرانك أندروود» حتى آخر قطرة فيها.

هذه السلطة التي يتم التعبير عنها باستمرار بطرق ملتوية. مثلًا، يفلت «فرانك» من العقاب في جريمة قتل نفذها بيديه. أو نراه يتحكم بعقول الآخرين رغم اعتقادهم بأنهم هم الذين يتحكمون فيه. يغضب وينفعل ويستعد لتهشيم رأس عدوه لكنه لا يفعل بل يفضّل الجلوس والتخطيط الجيد لتعزيز مكانته بالطريقة الصحيحة. «فرانك» شخص مراوغ لا يعرف طريقًا مستقيمًا، ولكنه ساحر. لا يطلب من أعضاء الكونغرس التصويت لخدمة مصالحه، لكنه يؤثر عليهم ليعملوا من أجله دون طلب ذلك بشكل صريح. باعتماده الملحوظ على فردانيته في معظم الأحيان، فإن المفهوم الأساسي للسلطة لدى فرانك يتمحور حول «الفرد» و«القوة»، بما في ذلك القوة البدنية. وهي فكرة أكثر تعقيدًا وتأثيرًا من السلطة التي تنشأ نتيجة العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين الشخصيات.

إن ما يميّز أندروود هو أننا الوحيدون الذين نعرفه على حقيقته، ومع ذلك فإننا مستعدون للوقوف إلى جانبه. يمتلك كل صفات الخسة والنذالة لكنه قوي، ويعزز سئمنا من الشخصيات الضعيفة المتمسكة بالأخلاقيات على حساب أي شيء آخر في زمن لم يعد فيه أدنى اهتمام لكل هذا، في عالم لا يرى إلا أمثال «فرانك أندروود». يقف فرانك أمام قبر والده في افتتاحية الموسم الثالث من المسلسل، وقد بات رئيسًا للبلاد، يكسر الجدار الرابع كعادته مخاطبًا الجمهور ليبرر سبب وقفته تلك «هذا يجعلني أبدو أكثر إنسانية، وعليك أن تكون إنسانيًا بعض الشيء عندما تصبح رئيسًا»، ليقوم بعدها بالتبوّل على قبر والده، معبرًا بذلك عن رفضه لحياة الفقر والذل التي عاشها أبوه، فيعدنا بأن قبره لن يكون في الباحة الخلفية لمنزله، بل سيقف الناس في طوابير لتأدية واجب العزاء له. في مشهد مذهل آخر في الحلقة الرابعة من الموسم الثالث، يقف فرانك اندروود أمام تمثال المسيح في إحدى الكنائس، ينظر إليه، يخاطبه «الحب؟ هذا ما تبيعنا إياه؟ حسنًا، أنا غير مقتنع» ليبصق في وجه المسيح، في لقطة صادمة وغير متوقعة.

يتعرض المسلسل للإله المعبود في التلفزيون الأمريكي وهو «العائلة الأمريكية«، لكنه لا يهدمها. «فرانك» وزوجته «كلير» لا يسعيان لإنجاب الأطفال، ونفهم ذلك بأنه حب خالص وأناني للسلطة التي لا يعيق طريقها أي عواطف. بل إنهما يسعيان بشكل ملفت إلى تدمير عائلات الآخرين وتخريبها حتى آخر نفس فيها، فالسلطة هنا تعني عدم الشفقة وعدم الرحمة، بل القسوة وعدم حمل مشاعر رقيقة تجاه أيّ كان.

تلعب دور «كلير» الفاتنة «روبن رايت»، وليس جمالها أو طولها ما يفتننا، بل لأنها «ملكة» باردة المشاعر مستعدة لوضع «شراكتها» مع فرانك فوق كل شيء خصوصًا الحب. يؤشر عدم رغبتها بالإنجاب المرفق بطموحها العالي وثقتها الكبيرة بنفسها على أنانية عظيمة وشر أعظم. ولربما كانت هذه الصفات تجمع بين أغلب المؤثرين تاريخيًا، هل يمكن أن تكون قائدًا دون أن تكون أنانيًا؟ كلير التي حظيت بأربع اجهاضات من أجل أن تحصل على «مهنة» تقوم مؤخرًا بطرد موظفة حامل من مؤسستها بكل برود أعصاب. كلير مستعدة، تمامًا مثل زوجها، للقتل من أجل السلطة. البطء الذي يبدو عليه المسلسل دومًا في بدايته سرعان ما يتحول إلى عاصفة تقصي كل صلة بالعقلانية مفجرة لأحداث من المتعة الخالصة. السلطة بدرجة أولى، والجنس والمال بدرجة أقل، هم المحرك الأساسي لكل ما يدور من أحداث في المسلسل.

تحقيق الذات على طريقة والتر وايت

في المقابل، فإن رجلًا عاديّا يدعى «والتر وايت» أصبح لديه طموح كبير بعد أن تم تشخيص إصابته بمرض السرطان. كانت هذه المرحلة التي تحول فيها إلى رجل ليس لديه ما يخسره، حينها دخل إلى العوالم السفلية لتجارة المخدرات، لكن التبرير الأخلاقي كان حاضرًا معه دومًا، فهو يفعل ذلك من أجل عائلته، ولن يقوم إلا بما يضمن له استقرار الأسرة بعد موته، او هكذا كان يعتقد.

لو أردنا ترتيب الأولويات المحرّكة لشخصيات مسلسل «بريكنغ باد» فإن العائلة تأتي مقدمًا، لكنها مستترة خلف ستار المال، فيكون «المال» فعليًا هو أهم ما يتناوله هذا العمل، ومع ذلك فإن «العائلة» بمفهومها الأمريكي هنا لن تصمد كثيرًا، فالمسلسل بمواسمه الخمسة يسعى إلى خلق أفضل تمثيل واقعي للأسرة الأمريكية من خلال هدمها تدريجيًا حلقة بحلقة. ولربما كان التساؤل الأكبر هو سبب شعبية هذا المسلسل، رغم أنه قد لا يستهوي الكثيرين خارج حدود الولايات المتحدة، فإن الإجابة تكمن في تركيزه على «العائلة والمال والسلطة» بشكل يجعل الانتقال على سلّم الترتيب بينهم واقعيًا للغاية.

تمثّل جملة «جيسي»، الشريك الشاب لوالتر وايت في صناعة وترويج «الميث»، في الحلقة قبل الأخيرة من المسلسل تعبيرًا نهائيًا عن ذلك الانتقال في سلم الأولويات لدى والتر وايت، فالعائلة في نهاية المسلسل لم تعد هي الأولى في ذلك التسلسل بل المال: «أنا أعلم كيف يمكن أن أضربك في المكان (الحقيقي) الذي تعيش فيه» موجهًا كلماته إلى والتر، مهدداً ليس بقتل زوجته ولا بخطف ابنه، بل بحرق أمواله. يظهر والتر في بداية المسلسل وهو يسعى للوصول إلى رقم مالي معين، ونراه يسرع في إتمام صفقته الأولى عندما تكون زوجته قد دخلت مرحلة الولادة، لكننا نراه في موسم لاحق وقد انتقل من أولوية المال/الأسرة إلى أولوية السلطة عندما خاطب زوجته بكلماته الشهيرة «أنا من يطرق الباب». رغم ذلك، فإن واحدة من أكثر المفارقات جمالًا كانت التسليم بحقيقة أن المال الكثير لن يمكنك بالضرورة من شراء أي شيء. فهو يعيش «الكابوس الأمريكي» بكونه يمتلك مالًا وفيرًا لكنه لن يتمكن من صرف بنس واحد منه. فيلجأ إلى غسيل الاموال وتخزينه في مخبأ واثنين وأكثر.

بنى والتر إمبراطوريته بنفسه، وسار عبر طريق موحل مليء بالدماء والرصاصات والمتفجرات، باع المخدرات للشباب وحصل على أموال أكثر من أن يصرفها هو وزوجته ولو عاشوا ضعف عمرهم 10 مرات. لكنه في النهاية رفض العودة إلى المربع الأول، فهو الآن تجاوز حاجته للمال، وتجاوز حتى أي مصلحة كان يسعى إليها لضمان حياة كريمة لعائلته، فهو في نهاية المطاف لم يعد يبحث عن السلطة، أو حتى الحفاظ عليها، بقدر ما أراد الحفاظ على المجد الذي حققه عبر الزمن، هذا المجد الذي جعل من وجوده وحياته معنى أخيرًا. لذا، قرر إكمال الطريق بكل مشاكلها ولا أخلاقيتها ليس لأنه مجرم، لكن لأنه يبرع في ذلك، فلو فَقَد هذا «العمل» لفقد نفسه وأي تبرير جواني لأسباب معيشته ومعانيها، أي بعبارة أخرى، لقد وجد والتر وايت «السبب الرئيسي» كما يسميه حسين برغوثي في كتابه سقوط الجدار السابع. أكمل والتر وايت مسيرته لأنه يمكنه ذلك، ولإنه وجد سعادته الأخيرة.