رأي

ما مدى علميّة العلوم الحديثة؟

الإثنين 19 تشرين الثاني 2018
«كولبير يقدم أعضاء الأكاديمية الملكية للعلوم إلى لويس الرابع عشر عام 1667». لوحة للرسام الفرنسي هنري تستلان.

عام 1962، قدم الفيزيائي والمؤرخ الأمريكي توماس كُون تصورًا جديدًا للعملية العلمية في كتابه المعنون «بنية الثورات العلمية» الذي بات محوريًا في دراسة تاريخ العلوم وفلسفتها. كان الرأي السائد وقتها هو ما ذهب إليه الفيلسوف النمساوي-البريطاني كارل بوبر الذي اعتبر أن النقد كامنٌ في قلب المشروع العلمي، وأن العلماء مدفوعون بقدراتهم النقدية لفحص النظريات الموجودة بشكل مستمر، وهذا مما يميز العلم من حيث ترحيبه وتشجيعه المستمر للنقد مما يفتح المجال نحو استمرار التقدم الدائم. لكن كُون رأى أن بوبر مخطئ في ما ذهب إليه، وأن العلماء ينزعون نحو التشبث بآرائهم وتجاهل الحالات الشاذة (Anomalies) التي تحيط بالنظرية السائدة، باعتبارهم لها ألغازًا يمُكن حلّها بفرضيات مساعدة أخرى يمكن أن تتوفر مستقبلًا، بدلًا من اعتبارها دلائل تشكك بالنظرية السائدة.

بحسب كون، للعلم حالتان: الأولى هي العلم العادي، وهو فترة تعُم فيها حالة من التوافق العام حول النظرية الشائعة في المجال العلمي، وهي الفترة الغالبة في الوضعية العلمية، ويحاول العلماء خلالها توسيع التطبيقات النظرية وحل المعضلات التي تحيط بها، حيث يتم التعامل مع النظرية على أنها مسلّمة في هذه الفترة. أما الثانية، فهي العلم الثوري، وفي فترات هذا العلم، يحدث أن تكون النظرية قد فشلت في التنبؤ ببعض الأمور أو لم يتحقق ما تنبأت به. ولأسباب قد تكون غير علمية بحتة وقد تحمل جوانب اجتماعية، تصبح هذه الجزئية ملحة ولازمة وتتكاثر الأسئلة حولها، مما يجعل البعض يقترح نظرية أخرى لتفسير القضية التي فشلت النظرية الشائعة في معالجتها. في هذه الأثناء، يبدأ مؤيدو كل من النظريتين في التنافس والصراع، الذي سرعان ما يختفي ويتلاشى، حيث من طبيعة العملية العلمية أن تحاول الخروج من هذه الفترات الثورية لتؤسس لفترة طبيعية جديدة (فترة العلم العادي) يعم فيها ما أطلق عليه كون براديمًا (أو نموذجًا فكريًا) جديدًا. أشار كون إلى أن العلماء الذين يتبنون النظرية السائدة لا يغيرون آراءهم في فترة الثورة العلمية، ولكن العلماء الجدد الذي يصغرونهم سنًا يستمرون في طرح رؤاهم الجديدة، ومن ثم تتبدل مراكز السلطة العلمية لصالح العلماء الأصغر سنًا مما يسمح لهم بتعميم نظرياتهم من خلال إمساكهم بزمام المختبرات والمعامل والكتب المرجعية التي تدرس في الأروقة العلمية والأكاديمية. ومن هنا تُظهِر طبيعة الصراع الجانب السياسي في التحولات العلمية، وبذلك يمكن اعتبار هذا التغير تغيرًا اجتماعيًا.

العملية العلمية لا تعتمد في ترجيحها على البيانات المستخرجة والمستنتجة من التجارب فحسب، وهي بذلك عملية غير عقلانية.

فيما بعد، حاول الفيلسوف المجري إمري لاكاتوش استنطاق بوبر في الرد على توماس كون، بمعنى أنه وضع ورقته «التكذيب ومنهجية برامج البحث العلمي» باعتبارها الإجابة الممكنة الأفضل التي يمكن أن يقدمها بوبر على كون. وضّح كون أن العلماء في أبحاثهم العلمية، ومن خلال مفاضلتهم بين البراديمين المتنافسين في فترات الثورات العملية، يعتمدون على ما يرونه الأفضل والأهم للمستقبل، ومن هنا يمكن ملاحظة الطبيعة التقديرية الاجتهادية في هذا الفعل. كما أشار إلى معيار آخر بجانب معيار الأهمية، وهو معيار البساطة، وهو معيار جمالي بطبيعته. بالتالي، فإن كون يرى أن العملية العلمية لا تعتمد في ترجيحها على البيانات المستخرجة والمستنتجة من التجارب فحسب، وهي بذلك عملية غير عقلانية.

لم يُعجِب لاكاتوش إزاحة البعد العقلاني في العملية العلمية، فقدم رؤية وسطية من خلال مقترحه بما يُسمى بالبرنامج البحثي كبديل عن فكرة كون عن البراديم. يرى لاكاتوش أن البرامج البحثية تحتوي على خصائص متشابهة في ثبوتيتها -من حيث مقاومتها الأدلة المعارضة- مع البراديم، إلّا أن البرنامج البحثي لديه مرونة وقابلية للتغير بشكل أكبر. ويُعَرّف البرنامج البحثي بأنه المنهجية التي تنجز وفقًا لها الأبحاث على امتداد مدة زمنية، بحيث يكون اختيار برنامج دون غيره مبنيًا على مدى نجاحه وعوائده الممكنة على المدى البعيد. ويتكون البرنامج البحثي من جزأين، أحدهما أساسي ويسمى بـ«الجزء الصلب»، وهو يمثل النواة الرئيسية التي ينبني عليها البرنامج ككل، حيث تحتوي على كود التوجيهات التي لا يمكن التخلي عنها بأي حال لتحصيل المعرفة، والآخر مساعد (auxiliary)، وهو يتكون من مجموعة من النظريات والتقريرات والافتراضات التي يكون تمسك الباحث بها على نحو أقل شدة، وتُشَكّل في مجموعها حزامًا حاميًا يقبل التبدل والتغير في سبيل الحفاظ على الجزء الصلب.

«إن صعوبة العلم المزعومة ترجع إلى الحملة الأيدولوجية المنظمة التي يشنها العديد من العلماء لإدخال الرعب في نفوسنا من العلم».

تعتبر أطروحة لاكاتوش بمثابة أطروحة توليفية لما قدمه كلٌ من كارل بوبر وتوماس كون، حيث حافظ بشكل شبه كُلّي على البراديم عند كون من خلال الجزء الصلب، بحيث يكون بمثابة موجه لدفة البحث العلمي ومحددًا لأُطرها وأسئلتها المشروعة. أما طبيعة العلم المتغيرة التي قدمها كارل بوبر من خلال ما يُعرف بالتكذيب (falsification)، والتي رد بها على الوضعيين، فقد حافظ عليها لاكاتوش من خلال الجزء المساعد من برنامج البحث العلمي. وهو يشدد على الطبيعة الاجتماعية للعلم، فمجتمع العلماء هو المرجعية النهائية في تحديد الانتقال من برنامج بحثي لأخر، ويرى أن هذا المجتمع يعتمد في تحديده للبرامج على قياس التراجع او التقدم الذي تحرزه من خلال ما يقدمه كل برنامح من تنبؤات يمكن فحصها تجريبيًا. وهو بهذا يشدد على الطبيعة العقلانية للعملية العلمية، ولكنه أيضًا يشير إلى دور الطبيعة الاجتماعية للعلم، محاولًا الموازنة بينهما.

مما تقدم، يمكن لنا رؤية توجه شائع في النظر لطبيعة العلم يؤكد على بعده الاجتماعي بشدة. يقول البيولوجي الأمريكي بول سيرز: «إذا لم يكن العلم ظاهرةً اجتماعية، فهو لا شيء».1 أما عالم المستحاثات التطوري الأمريكي ستيفن جاي جولد، فيقول واصفًا طبيعة العلم والعلماء: «لم تصل السذاجة بأكثرنا إلى حد الإيمان بالخرافة القديمة التي تدّعي أن علماء العلم الطبيعي نماذج مثالية للموضوعية المتحيزة، وأنهم منفتحون بدرجات متساوية على كافة الاحتمالات، ويصلون إلى استنتاجاتهم استنادًا فقط لثقل الدليل ومنطق الحجة. نحن ندرك أن التحيزات والتفضيلات، والقيم الاجتماعية، والمواقف النفسية، كل ذلك يلعب دورًا قويًا في علمية الاكتشاف».2

وقد تكون حكاية رسالة سيغموند فرويد الخاصة التي بعثها إلى آينشتاين يسأله فيها عما إذا كان يمكن للنظريات العلمية أن تصبح أساطير من حيث لا نشعر، ذات دلالة واضحة على طبيعة العلم المثقلة بالخصائص الإنسانية. يعلق الفيلسوف الفرنسي إدغار موران على هذه الحادثة بقوله: «صحيح أن النظريات العلمية لديها سمات مفتوحة ودنيوية تتصف بكونها في الطرف النقيض للأسطورة، ولكن في نواتها منطقة معتمة تستطيع تحويل الفكرة السائدة إلى إسطورة: وهكذا تحولت الفكرة الفيثاغورية المتعلقة بملكوت العدد إلى أسطورة».3

لذلك، يمكن لنا القول بأن العلم أسير المرحلة الاجتماعية واللحظة الثقافية التي تهيمن على سياقه التاريخي، وهو بذلك ليس مجرد معرفة منعزلة يتيمة تتحرك بدون أن تتأثر بالمحيط والبيئة التي تنبثق منها. يقول موران: «إن في نواة كل نظرية تكمن مسلمات ميتافزيقية أو أيديولوجية، وفي مستوى أكثر عمقًا توجد براديمات تربطها بالثقافة الناجمة عنها عبر الحبل السري والتاريخ الذي نشأت فيه وصارت متسقة».4

يشير الفيلسوف النمساوي بول فيرابند إلى قدرة أي شخص معني بالعلم على نقده إذا ما أدرك النظام العقلي الذي يُشكله، فالأيدولوجيا المنظمة القابعة في قلب العلم وحدها ما يمنع من التجرؤ على نقده وتجريده من هالة العظمة التي تحيط به. يقول فيرابند: «إن صعوبة العلم المزعومة ترجع إلى الحملة الأيدولوجية المنظمة التي يشنها العديد من العلماء لإدخال الرعب في نفوسنا من العلم». ولذلك، تجده في مقولة أخرى يلمح إلى قابلية العلم للتطويع والاستخدام كما الدين: «العلم إنما هو أيديولوجيا ضمن أيديولوجيات متعددة، وينبغي فصله تمامًا عن الدولة مثلما يعتبر الدين الآن منفصلًا عن الدولة». ويمكننا مراجعة النظر في الكيفية التي يقدم لنا العلم الحديث نفسه، كبديل للدين، ونقيض له أحيانًا، من خلال فهم عالم الاجتماع الفرنسي-الألماني إيميل دوركايم لأهمية الدين للفرد والمجتمع، حيث اعتبره طوقًا يجمع نسيج المجتمع، ويحمي الفرد من الضياع والاغتراب.

يُدرس العلم للطلبة في المدارس وكأنه حقيقة مطلقة، وهو الأُسلوب التعليمي نفسه الذي يتبعه رجال الدين. لكن لربما كان من الأولى في الحالتين أن يتعلم الناس النقد وأدواته بدلًا من تقديم الواقع/العالم في صورة جامدة وصلبة غير قابلة للتغيير.

  • المراجع والهوامش

    1- Sears, Pual, The Biologist, 21, 1940, 3.

    2- Gould, S. J., Wonderful Life: The Burgess Shale and the Nature of History, Vintage Books, 2000, 244.

    3- الشهري، سعيد عبدالله، ثلاث رسائل في العلم والإيمان والإلحاد، مركز نماء للبحوث والدراسات، 2014، 261.

    4- تيبس، يوسف، التصورات العلمية للعالم: قضايا واتجاهات في فلسفة العلم المعاصرة، ابن النديم للنشر والتوزيع، 2014، 111.