كيف غيّر الربيع العربي عالم القراءة

أمام مكتبة خزانة الجاحظ في وسط البلد، عمّان. تصوير خالد بشير.

كيف غيّر الربيع العربي عالم القراءة

الأحد 23 نيسان 2017

يحتفل العالم في الثالث والعشرين من نيسان باليوم العالمي للكتاب. وقد تكون هذه المناسبة فرصة أخرى حتى نسمع من جديد مقولة إن العربي لا يقرأ، أو إن معدل ما يقرأه لا يتعدى ست دقائق في العام. هذه الإحصائية التي صدرت في تقرير لمؤسسة الفكر العربي عام 2011، أتت لتعزز المقولة الشهيرة بأن  «أمة اقرأ لا تقرأ».

لكن هذه الإحصائية، ومثلها القولة الشهيرة، التي كانت تؤخذ كمسلمة لا جدال فيها تُنشر ويُستشهد بها بكثرة للتدليل على «عقل عربي» خاص ومطلق وغير قابل للتطور، صارت الآن موضع تشكيك العديد من المهتمين، وعلى رأسهم العاملين في مجال صناعة ونشر الكتاب.

الصورة تتبدل

المتابع لسوق الكتب في الأردن بشكل خاص، وللنشاط الثقافي بشكل عام، قد يلحظ أن الصورة «النمطية» السابقة، إن لم تكن غير صحيحة من الأساس، وهو ما جادل فيه الكثيرون، فهي قد بدأت بالتبدل خلال الأعوام الست الأخيرة، أي منذ بداية الربيع العربي. فصناعة الكتاب في الأردن في تطور، والإقبال على شراء الكتب وقراءتها، كما تدل الشواهد، حقق قفزة تكاد تكون نوعية.

حسين الشيخ، صاحب معرض أزبكية عمان، بدأ قبل الربيع العربي بداية متواضعة جدًا، افتتح له «مكتبة» بسيطة في بيت درج قريب من سينما فلسطين، وسط البلد، قبل أن ينتقل إلى مقهى «بلدنا» الثقافي على حواف جبل اللويبدة.

الشيخ يمتلك اليوم واحدة من أهم وأكبر مكتبات البلد، فهي عبارة عن معرض كتاب دائم يحوي قرابة 30 ألف كتاب باللغتين العربية والإنجليزية، كما قال لنا.

يقول الشيخ إن مبيعات مكتبته تزايدت بشدة خلال السنوات الخمس الأخيرة، كما أنها أقامت معارض عديدة في مناطق عدة من الأردن، ويرد هذا التزايد إلى الفضول الذي خلقه الربيع العربي. «إننا أمام جيل جديد من القراء يبحثون عن إجابات لهذه الظاهرة وما نتج عنها».

«دار البيروني» للنشر في وسط البلد، هي واحدة من عدة دور نشر جديدة ظهرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة. يقول صاحب الدار، أكرم سلامة، مثل حسين الشيخ، إن الربيع العربي خلق تساؤلات كبرى أمام أهل المنطقة، فكان أن اتجه الكثير منهم إلى البحث في الكتب عن أجوبتها، وهو ما خلق الحاجة والفرصة للمزيد من دور النشر.

الأمر نفسه، أي الأثر الإيجابي للربيع العربي على زيادة القراءة أكده عبد الرحمن المعايطة العامل في كشك «خزانة الجاحظ». هذه الخزانة قد تكون الأقدم بين مكتبات بيع الكتب في عمان، حيث تأسست قبل أكثر من خمسين عامًا، وكان لها موقع على سور سبيل الحوريات قبل أن تنتقل للكشك الحالي بداية شارع بسمان. يقول المعايطة: «نستطيع أن نقول إن هناك طفرة في القراءة».

«دار اليازوري للنشر»، كانت الدار تحتل مخزنًا في وسط البلد، ومن ثم توسعت خلال الأعوام الأخيرة وانتقلت إلى مكان أكبر في العبدلي، مقابل مجلس الأمة. تقيم الدار منذ فترة معارض مستمرة، منها معرض دائم أمام مقرها تقدم فيه كتبًا بالمجان.

«إننا أمام جيل جديد من القراء يبحثون عن إجابات لهذه الظاهرة وما نتج عنها».

تزايد الإقبال على القراءة في السنوات الأخيرة دفعت بمؤسس الدار ومديرها، أحمد يونس، إلى إطلاق صفحة «رصيف الثقافة» على الفيسبوك، لتشجيع مبادرات القراءة. ومن خلال هذه الصفحة، حشدت الدار عدد كبير من المتطوعين للعمل على المعرض المجاني.

يقول يونس: «عندما أعلنّا عن المعرض المجاني للكتب، وطلبنا متطوعين، تقدم العشرات، اخترنا منهم 18 متطوعًا، 16 فتاة وشابين، يشرفون على تنظيم المعرض خاصة أيام الجمع ويعملون أكثر من 12 ساعة مجانًا».

تقارب دور النشر من قرّائها في السنوات الأخيرة أمر تشهد عليه «الدار الأهلية للنشر»، وهي واحدة من أهم دور النشر في الأردن، تأسست منذ عقود وتطورت مع الوقت لتصبح من الدور الأكثر شهرة بين المثقفين، ومن الأكثر نشاطًا في النشر لكتاب أردنيين وعرب. ولها معرضان في وسط البلد.

محمود أبو طوق، المعروف بين روّاد الدار الدائمين بأبو رامز، مدير معرض الدار، شكّل مجموعة على تطبيق «واتس آب»، تضم عددًا كبيرًا من القرّاء من الأردن وخارجها، يستخدمها أبو رامز للإعلان عن الكتب الجديدة أو المتوفرة في المعرض. وبذلك، صار من السهل عليه معرفة طلبات الزبائن وتحضيرها لهم، أو جلب الكتب التي لم تصل بعد للبلد، أو الاحتفاظ بنسخ من الكتب الأكثر طلبًا لأعضاء المجموعة.

مؤشر آخر على إقبال الأردنيين وغيرهم من المقيمين على شراء الكتب هو تطور متاجر كتب الإلكترونية، التي بدأت محليًا مع موقع «جملون»، الذي تأسس عام 2010، أي مع بدايات الربيع العربي. كان الموقع صاحب الريادة في عملية توزيع الكتاب وتوصيله إلى مكان سكن أو عمل القارئ في الأردن، قبل أن يصبح توصيل الكتب مصدرًا لدخل عدد كبير من الشباب، مستفيدين من انتشار الإنترنت وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي.

«دار صفحات» واحدة من دور النشر الجديدة التي رأت النور قبل عامين. كنا نتحدث مع مؤسس الدار ومديرها، هاني دنديس، في معرض الدار في وسط البلد، حين صادفنا شابين يحملون قوائم طويلة بعناوين كتب مختلفة، ليتبين أنهما يديران صفحات على الفيسبوك لبيع الكتب وتوصيلها. محمد غازي وزميله أنس مصطفى، أكدا ظاهرة الإقبال على الكتاب ما دفعهما إلى إنشاء مواقع التوصيل هاته.

دور النشر المحلية تنبهت كذلك لهذا الأمر، وأصبح بعضها يقدم خدمة التوصيل، مثل مكتبة الطليعة، ولا يكتفي بإنشاء صفحات أو حسابات على مواقع التواصل.

ما يعزز فرضية أثر الربيع العربي على القراءة هو أن الغالبية الساحقة من الناشرين وأصحاب المكتبات الذين تحدثنا معهم أفادوا بأن هذا الإقبال آخذ بالتراجع الآن، أو بدأ بالتراجع في العامين الأخيرين، مع تراجع زخم الثورات العربية الذي خلق حالة من الإحباط لدى الشباب، كما يقول جهاد أبو حشيش، مؤسس ومدير «دار فضاءات للنشر والتوزيع»، في وسط البلد.

كما يعزو بعض الناشرين حالة التراجع هذه إلى ركود اقتصاديات المنطقة مؤخرًا، إذ يقول أحمد يونس إنه لاحظ تراجع الإقبال على معارض الكتب في بعض دول الخليج العربي، وخاصة معرض الرياض الذي كان من أنشط المعارض وأكثرها مبيعًا، ويرى أن سبب التراجع يعود إلى «الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها دول الخليج وخاصة السعودية بفعل تراجع أسعار النفط وسياسات التقشف»، والحال لا يختلف كثيرًا عنه في الأردن.

على أي حال، فإن أقوال أصحاب صناعة وبيع الكتاب وانطباعاتهم تؤكدها أيضًا شواهد عديدة في الأعوام الأخيرة. نتذكر مثلًا معرض «نون» للكتاب المستعمل، وهو أول معرض من نوعه في الأردن. تصف ناشطة مشهد افتتاح المعرض عام 2010 الأول بأنه كان «مشهدًا قياميًا»، إذ قُدر عدد حضور المعرض يومذاك بأكثر من 10 آلاف شخص اشتروا آلاف العناوين في يوم واحد، على ما تقول الناشطة التي كانت من بين عشرات المتطوعين الذين أشرفوا على جمع الكتب وتوضيبها وبيعها.

يضاف إلى كل ذلك، مبادرات القراءة الجماعية، التي نشطت خلال سنوات الربيع الأولى، قبل أن تعود للتراجع في العامين الأخيرين، مبادرات مثل «كتابي كتابك» و«انكتاب» و«شرفات»، وغيرها الكثير من صالونات القراءة الجماعية التي يصعب حصرها.

على أي حال، لا ينبغي أن يُفهم من هذه المؤشرات أن صعود الربيع العربي وهبوطه هو المحدد للإقبال على القراءة. فبحسب عدد من أصحاب دور النشر والمكتبات، والشباب العاملين في التوزيع والتوصيل، فقد تطورت صناعة الكتاب في الأردن بفعل التكنولوجيات الحديثة في الطباعة والنشر. وساهم انتشار الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في تسهيل رواج الكتب.

كما ساهم في رفع الإقبال توفر كتب زهيدة الثمن، بفعل الاستيراد من دول مثل مصر التي تطبع وتعيد طباعة الكثير من العناوين دون أخذ حقوق المؤلف بالاعتبار أحيانًا، والجوائز التي صارت تمنح في العالم العربي للرواية والكتاب والترجمة، وزيادة معارض الكتب ودعم بعض الحكومات العربية لها، وبرامج دعم الكتاب والثقافة بشكل عام في بعض الدول العربية.

من يقرأ

كل من قابلناهم من أصحاب دور النشر والعاملين فيها أكدوا على أن الشباب هم الكتلة الأكبر بين رواد مكتباتهم. يقول أحمد يونس إن أغلب المقبلين على شراء الكتب أو التطوع في المعارض هم من الشباب من جيل العشرينات. «هذا الجيل لم يعد يفكر بعواطفه، إنهم يفكرون بعقولهم ويبحثون عن إجابات للأسئلة التي طرحتها التطورات السياسية الجارية»، يقول يونس.

الشابات يشكلن النسبة الأكبر بين المقبلين على الكتب، بإجماع كل من التقيناهم من عالم النشر.

هذا الحال أكده جميع من قابلناهم من أصحاب مكتبات ومواقع لتوصيل الكتب، باستثناء مدير معرض «الأهلية»، الذي أكد أن معظم زبائن الدار تزيد أعمارهم على الثلاثين سنة، وقد يعود ذلك إلى كون الدار ذات العمر الطويل معروفة أكثر لدى جيل من القراء والمثقفين الأردنيين الأكبر عمرًا.

من اللافت كذلك، أن الشابات يشكلن النسبة الأكبر بين المقبلين على الكتب، بإجماع كل من التقيناهم من عالم النشر.

يقول أحمد يونس: «حوالي 65% من الزبائن هنّ من النساء، وهنّ أيضًا الأكثر إقبالًا على التطوع عندما نطلب متطوعين للمعرض المجاني». كما أشار القائمون على الأزبكية ودار صفحات، وأصحاب مواقع توصيل الكتب على فيسبوك الذين صادفناهم في معرض الدار، إلى نسب شبيهة.

لا يقتصر هذا الفرق على الشراء فحسب، وفقًا لجهاد أبو حشيش، الذي يقول: «زاد بشكل ملحوظ جدًا إقبال النساء على الكتابة والنشر، خاصة من دول مثل تونس والجزائر والمغرب وأخيرًا فلسطين التي بدأت تشهد تزايدًا في عدد الكاتبات».

بالطبع قدم جميع هؤلاء تفسيراتهم لأسباب تزايد إقبال النساء على القراءة، لكنها قد لا تعدو كونها انطباعات شخصية يصعب الركون إليها، وقد يحتاج الأمر لدراسات اجتماعية لتفسيرها.

ماذا يُقرأ

الإقبال على الكتاب خلال السنوات الأخيرة رافقه أيضًا تغير في موضوعات الكتب الأكثر شعبية لدى القراء. إذ تقدمت الكتب الفكرية والفلسفية في قائمة الموضوعات الأكثر إقبالًا، ربما بعد الرواية التي لا تزال تتربع على عرش الكتاب الأكثر مقروئية، بحسب كل من التقيناهم.

يذكر حسين الشيخ أن كتب كل من إدوارد سعيد، وجورج طرابيشي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد شحرور علت قائمة الكتب الفكرية الأكثر مبيعًا لدى الأزبكية. بينما يضيف أبو طوق أسماء نعوم تشومسكي وهنري كيسنجر وغوستاف لوبون وهيغل ونيتشه.

ويكرر سامي أبو حسين صاحب مكتبة الطليعة طرابيشي وشحرور كذلك بين الأسماء الأكثر شعبية، إضافة إلى هشام جعيط وعبد الرزاق الجبران ونيتشه وهوسرل وفوكو، مؤكدًا أن كتب الفكر الديني وكلاسيكيات الماركسية بالذات تشهد طلبًا متزايدًا.

تقدمت الكتب الفكرية والفلسفية في قائمة الموضوعات الأكثر إقبالًا، ربما بعد الرواية التي لا تزال تتربع على عرش الكتاب الأكثر مقروئية.

أما عبد الرحمن المعايطة فيقول إن الأكثر رواجًا في «خزانة الجاحظ» الكتب الدينية التي تحمل سمات الخطاب النقدي، والكتب السياسية، خاصة السير الذاتية لشخصيات سياسية بارزة، لكن الرواية وخاصة العاطفية تبقى في الصدارة.

كما قال كل من أبو حسين والشيخ وأبو طوق ودنديس أن مكتباتهم شهدت زيادة كبيرة في الطلب على كلاسيكيات الأدب العالمي، وخاصة الروسي، الأمر الذي دفع عدة دور نشر إلى إعادة طباعة كتب ديستوفسكي وتولستوي، إضافة إلى أعمال فرانز كافكا وألبير كامو وتشارلز ديكنز وغيرهم.

يرى جهاد أبو حشيش أن الإعلام يلعب دورًا مهمًا في توجيه القراء نحو كتب بعينها وترويجها، قائلًا إن «الإعلام خلق ما يشبه «التريند» أو الموضة، فنجد أن بعض الكتب تصبح الأكثر مبيعا خلال فترة من الزمن ويجري طبعها وإعادة طبعها مرات».

اقتصاد الكتب الجديد

المتابع لوسائل الإعلام المحلية، وكذلك لتطورات الاقتصاد الأردني، قد لا يجد أية إحصاءات عن صناعة واستهلاك الكتاب. قد تقرأ عناوين من مثل «الأردنيون يشترون 40 مليون رغيف» أو «الأردنيون ينفقون كذا مليون على السفر أو التعليم أو اقتناء الهواتف الخلوية»، لكن لن تقرأ أي عنوان أو إحصائية عن مبيعات الكتب، ناهيك عن صناعته التي شهدت توسعًا كبيرًا خلال العقد الأخير، بحسب من التقينا بهم من العاملين في هذه الصناعة.

يرى أحمد يونس أن دور النشر الأردنية صارت منافسة للأسواق المجاورة بفعل التطور التكنولوجي، وجذبت العديد من الكتاب العرب، وخاصة العراقيين، للنشر عبرها. كما يقول أبو حشيش إن داره، فضاءات، باتت تطبع لكتاب وكاتبات «من مختلف الدول العربية وخاصة من دول المغرب العربي ودول الخليج».

ويرد سامي أبو حسين هذا التطور في صناعة الكتب إلى «إعفاء مدخلات إنتاجه من الرسوم والضرائب [الذي] أدى إلى إقبال عدد مهم من الكتاب العرب وخاصة العراقيين على الطباعة والنشر في الأردن».

لكن الصورة ليست وردية بالكامل، فهناك مشاكل كبيرة أمام صناعة وتوزيع الكتاب، لعل مشكلة التعدي على ملكية المؤلف أهمها. إذ يشتكي أصحاب دور النشر «الكبيرة» والمعروفة من «تزوير» الكتب. ففي السنوات الخمس الأخيرة انتشرت بشدة ظاهرة «تصوير الكتاب»، وصار يباع إما بأسعار أقل كثيرًا عن سعر الكتاب الأصلي أو بنفس السعر.

لكن على عكس تذمر معظم دور النشر، يقول حسين الشيخ إن الكتب الإلكترونية ساهمت بزيادة المبيعات بالنسبة للأزبكية. «ممكن يكون في هوس بتجميع الكتب الإلكترونية، لكنها أصعب في القراءة، بالتالي بتزيد مبيعات الكتاب الورقي».

يشرح حسين أن المواقع التي تنشر الكتب الإلكترونية تنشر معها معلومات عامة حول الكتب الأكثر مبيعًا والأخرى الحاصلة على جوائز وتقييمات القرّاء ونبذة عن الكتاب، ما يوجّه القرّاء نحو الكتاب الذي يرغبون في شرائه ورقيًا، كون القراءة الإلكترونية مزعجة للعين، وغير مريحة، إضافة إلى عدم نشرها كاملة في كثير من الأحيان، على حد قوله.

ويذهب مالك مكتبة الأزبكية، إلى أنه ضد أي عملية «قرصنة» لمؤلف أو كتاب عبر نشره إلكترونيًا، لكنه يستفيد من الكتب الإلكترونية عبر طباعتها وبيعها ورقيًا في حالتين، الأولى عدم توفر الكتاب بسبب منعه في الأردن، والثانية ارتفاع سعره من قبل الموزعيّن. «أنا مع طباعة المادة وعدم احتكارها، بالتأكيد مع [حفظ] حق ملكية المؤلف، بس في حال وجود مادة قيّمة ومش متوفرة أنا ممكن أطبعها وأوزعها».

كقارئ، يقول المعلم والناشط ياسر معادات، المنحاز للكتب الإلكترونية، إنه متصالح مع «التعدي» على حقوق الملكية الفكرية. «نعم، أنا أعتقد أن [الكتب الإلكترونية] تؤثر على حقوق الملكية وصناعة النشر، خصوصًا في المواقع اللي ممكن تحميل الكتب منها مجانًا، [لكن] موقفي راديكالي تجاه أي محاولة لاحتكار المعرفة».

تتحدث شادن عبد الرحمن، إحدى مؤسسي مؤسسة «انكتاب» غير الربحية، عن ميزات الكتب الإلكترونية التي تجد أنها صاحبة الانتشار الأكبر قائلة إن «محدودي الدخل أو طلبة الجامعات بتوجّهوا للكتاب الإلكتروني، بالإضافة أنه أسهل الحصول عليه، وبختصر الوقت». بالإضافة إلى إمكانية قراءة العديد من الكتب غير المتوفرة في المكتبات الأردنية، والآخذة بالازدياد بسبب الأوضاع  في سوريا وزيادة صعوبة استيراد الكتب، بحسبها.

تعقد انكتاب جلستين شهريًا، يحضرها المهتمون والقرّاء لمناقشة كتب مختارة. تقول شادن إنه في الكثير من الجلسات كان أغلب الحضور قد قرأوا الكتب إلكترونيًا. «كنا نشوف البعض بنزل روابط الكتب على صفحتنا على الفيسبوك، ما كنّا ننشجع بس ما كنا نمنعهم من مشاركة الروابط.. الأوضاع الاقتصادية مش بزيادة».

يقرأ ياسر من سبعة إلى ثمانية كتب شهريًا، يقول إن الكتب الإلكترونية لا تكلفه شيئا مقارنة في الكتب الورقية، إضافة لسهولة قراءتها في أي مكان. «أنا بقرأ غالبًا على التلفون، بأي مكان، بالباص وأنا ماشي، بأوقات الاستراحة، بالشغل، أما بالبيت، فعلى اللاب توب, وكله أسهل من حمل كتاب ورقي والتنقل فيه في كل مكان خصوصًا للكتب ذات الحجم الكبير».

استيراد الكتاب من مصر أثر كثيرًا على دور النشر المحلية المستوردة أو الناشرة، في ظل «عجز» الجهات المنفذة للقانون عن ضبط هذه الظاهرة.

يقول محمد العبادي، مدير المكتبة الوطنية إن تزوير الكتب هو «أهم مشكلة تواجه الكتاب» في الأردن، موضحًا أن المكتبة تتعامل شهريًا مع 25 إلى 30 قضية تزوير كتب. هذه القضايا تستند بحسب العبادي إلى المادة 36 من قانون حماية حق المؤلف، التي تعطي لمكتب حماية حق المؤلف التابع للمكتبة الوطنية صفة «الضابطة العدلية» وتمنحه حق مصادرة أي كتاب مزور.

لكن العبادي يقر بصعوبة ضبط التزوير، كون تحرك المكتبة مرهونًا بتقديم شكوى. «لا تستطيع المكتبة الوطنية أن تتحرك بدون وجود شكوى رسمية من المتضرر. بعدها نقوم بالتحقق عن طريق فني مختص لدينا يطابق بين النسخة الأصلية والنسخة المزورة، وفي حالة الإثبات نقوم بتحويل القضية إلى القضاء».

على أي حال، فقد تراجعت صناعة الكتاب في الأردن مؤخرًا بسبب الظروف السياسية والاقتصادية في المنطقة، مثل الحرب الأهلية في ليبيا التي توقف تصدير الكتاب المطبوع محليًا لها، أو تراجع مبيعات الكتب في الخليج بسبب الصعوبات الاقتصادية، بحسب الناشرين الذين التقيناهم. وبحسب هؤلاء، فإن صناعة الكتاب في الأردن تحتاج أيضًا انتباه الحكومة مثلها مثل الصناعات الأخرى، لحمايتها أو تشجيعها، خاصة وأن بعض دور النشر تكاد تقف على حافة الإفلاس بسبب ظروف السنوات الأخيرة.

أخيرًا، فالواضح بحسب شهادات أصحاب دور النشر أن طفرة القراءة التي حفزها الربيع العربي قد بدأت بالتراجع. لكن الثابت أن القراءة والإقبال على الكتاب ارتبطا ارتباطًا وثيقًا بالربيع العربي، زادت حين كانت الثورات في أوجها والأمل معقودًا عليها، وتراجعت مع تقدم الثورة المضادة والأحلام المجهضة لجيل عربي جديد كاد يرى ضوءًا في آخر النفق منذ أقدم محمد البوعزيزي على إحراق نفسه.

* ساعد في إنجاز هذا التقرير الناقد سليم النجار والصحفية دانة جبريل.