صول

هل موسيقانا الشعبية لنا؟ الهوية والحداثة في تجربة بيلا بارتوك

الثلاثاء 15 تشرين الثاني 2016
جزء من غلاف أسطوانة كونشيرتو للأوركسترا لبيلا بارتوك، بأداء أوركسترا فيلاديلفيا وقيادة يوجين أورماندي.

تشكل «الموسيقى الشرقية المحدثة» والموسيقى التي «تمزج الكلاسيكية بالعربية» قمة الموضة اليوم لدى مؤسساتنا الثقافية، حكومية أو ربحية أو ما بينهما، وهي نتيجة منطقية في هذا الوقت الذي تمر فيه منطقتنا بأزمة هوية صارخة، وفي ظل حاجة الكثيرين إلى التشبث ولو بقشور بسيطة من التراثين المحلي والكلاسيكي، مما يوفق بين الحاجة إلى الانتماء وسماع شيء مألوف، والحاجة إلى الإحساس بالعصرية ومواكبة الغرب.

المشكلة تبدأ في الأوساط الأكاديمية عندما تتحول هذه الموسيقى إلى بديل عن الدراسة الجدية للتراثين الكلاسيكي والشرقي، وإلى مهرب حقيقي للكثير من الموسيقيين والفرق التي اقتصرت معظم نشاطاتها في السنوات الأخيرة على إعادة توزيع أغاني فيروز للمرة العشرين، أو تكرار القوالب التراثية نفسها مع القليل من الهارموني والآلات الحديثة هنا وهناك.

الحاجة إلى نسخة نمطية وسهلة من تراثنا تنبع أيضًا من الحاجة إلى إنتاجه بكميات استهلاكية تحافظ على مظهرها التجديدي وملائمتها لوسائل تواصل كالفيسبوك، ولو على حساب تنوعنا التاريخي الهائل الذي يصبح معلبًّا في قوالب متكررة وصحيحة سياسيًا تعمم على الجميع، وتغرق سريعًا في النسيان كونها لا تقدم أي تجربة إنسانية أو فكرية. الموضوع متشعب فوق أي تصور، لكن تجربة الموسيقي الهنغاري بيلا بارتوك، التي لا تزال مغيبة عن عالمنا العربي إلى حد كبير، قد تكون نموذجًا يقدم لنا طرف الخيط.

مطلع القرن الماضي، تعلم بارتوك الموسيقى الكلاسيكية على الطريقة الألمانية، فبلده هنغاريا كانت لا تزال جزءًا من إمبراطورية النمسا المجرية، والكثير من الهنغاريين أبناء الطبقة المتعلمة مثله كانوا يفتخرون بمزج الهنغارية بالألمانية في كلامهم اليومي، وبثقافتهم «الغربية».

مع تنامي القومية الهنغارية، أحس بارتوك بحاجة بلده إلى موسيقى كلاسيكية خاصة بها، تكون مستوحاة من الموسيقى الشعبية الهنغارية، وهكذا بدأت عملية التوثيق الأشهر ربما في تاريخ الموسيقى. كان يدور من قرية إلى قرية مع آلة تسجيل بدائية ليجمع أغاني ورقصات الفلاحين ويسجل كلماتها. هذه المواد لم تكن توضع على الرف، بل كانت تخضع لجملة من التحليلات لتفكيكها إلى عناصرها البسيطة ودراسة تحولاتها حسب العادات واللهجات المحلية، مما جعل من بارتوك أحد مؤسسي علم الإثنوميوزيكولوجيا، أي علم دراسة الموسيقى غير المكتوبة للشعوب.

بعد التوثيق والدراسة، كان بارتوك يعيد توزيع بعض هذه الألحان للبيانو بهدف نشرها بطريقة عصرية تمكنها من تجاوز الحدود والطبقات الاجتماعية مع احتفاظها بطابعها اليومي، حيث يستطيع أي أحد تقريبًا عزفها في بيته. لكن بالمقابل، أدرك بارتوك أن لصق مرافقة كلاسيكية تقليدية على لحن شعبي هو نوع من الغش، فطوّر بالتالي نظامًا غير مسبوق يقوم على استنباط المرافقة من مقامات الألحان نفسها، وإن عنى ذلك تفكيك أربعة قرون من قواعد الهارموني الصارمة وبناء لغة جديدة.

يستخدم بارتوك هذا الأسلوب في توزيعه «ثلاث أغنيات شعبية هنغارية من منطقة تشيك» حيث يمتد التجديد ليطال حتى طريقة التنويط، التي لم تكن تسمح من قبل بتسجيل كل تفاصيل الموسيقى الشعبية. أسلوب المعالجة الثوري هذا سيشكل سلاحًا ذا حدين لحماية الموسيقى الشعبية من «الاستعمار» الموسيقي إن صح التعبير، ولكسر النمطية والقواعد التقليدية في الوقت نفسه، مما منحها نضارة جديدة. هكذا وجد بيلا بارتوك في الموسيقى الشعبية مفتاحًا للحداثة.

كانت نقطة التحول الرمزية في حياة بارتوك لحظة وجد نفسه مضطرًا إلى الاستمرار أبعد من القرى الهنغارية، فقد أدرك حقيقة سابقة لعصره، هي أن الموسيقى الشعبية التي نعتبرها غالبًا جزءًا من هوية قومية واضحة، هي في الحقيقة أقرب لمخلوق حي ومعقد، مثل اللغة أو الحكايات الشعبية أو أي تراث شفهي، هي نظام متداخل زمنيًا ومكانيًا لا يخضع لأي حدود سياسية أو إثنية، تتطور فيه الفكرة اللحنية تدريجيًا من منطقة إلى أخرى وتخضع لتغيرات لغوية وأسلوبية.

أدرك بارتوك خطورة الحديث عن موسيقى «هنغارية حصرًا» أو «رومانية حصرًا»، تمامًا مثل حديثنا عن موسيقى «أردنية حصرًا» أو «سورية حصرًا» أو حتى «عربية حصرًا»، فهي قوالب لا تحد من تعقيد الموسيقى وتعدد أبعادها فحسب، بل وتستخدم فيما بعد كجزء من خطاب ثقافي-سياسي يساهم في التأكيد على حدود مخترعة والترويج لوطنيات متعجرفة قائمة على الفوقية ورفض الآخر.

تجسد ذلك الكابوس بصعود النازية، ومعها الحديث عن تفوق الثقافة الألمانية وموسيقاها. عام 1944، نشر بارتوك مقاله «النقاء العرقي في الموسيقي»، مهاجمًا النازية وقائلاً بأن «الهُجونة العرقية» هي مكسب للثقافة وأن «الرغبة في الحفاظ على الشيء من التأثيرات الأجنبية هي تخلف بكل وضوح». وهو يسجل بذلك الموقف خطوة أخرى نحو الحداثة، وإن دفع الثمن باضطراره اللجوء إلى أميركا، منفاه الأخير.

مشروع بارتوك الذي بدأ من منطلق قومي انتهى على طريق مختلف تمامًا، ففي الأربعينيات، حين كان معظم المؤلفين لا يزالون يفضلون العمل على الموسيقى الشعبية الخاصة بحدودهم، كان بارتوك قد وثق ما يقارب 7000 لحن من مجموعة دول امتدت من هنغاريا وحتى تركيا، مرورًا ببلغاريا ورومانيا والبلقان، ووصولًا إلى المغرب العربي، وربما كان بلغ أبعد من ذلك لو لم تجعل الحرب تحركاته أكثر صعوبة.

لكن إضافةً إلى عمله في التوثيق والتوزيع، يبقى بارتوك مؤلفًا كلاسيكيًا، ومؤلفاته هي عالم واسع خاص به، تكتسب فيه الموسيقى الشعبية حضورًا خاصًا. يبرز هذا في أعمال مثل «كونشيرتو الأوركسترا» و«متتالية الرقصات» التي كتبها عام 1923، والتي يسعى من خلالها إلى خلق ما سماه «الفولكلور المتخيل»، أي عملية تركيب تنصهر فيها الأساليب الموسيقية للحضارات المختلفة في أسلوب متجانس ومعاصر.

النتيجة هي مجموعة ألحان «بطابع شعبي» من ضمنها ألحان بطابع عربي/شرقي (7:05)، جميعها من تأليف بارتوك، الذي يثبت أن لحنًا هنغاريًا مثلًا يمكن أن يبدو إندونيسيًا أو آيرلنديًا  بتغيير بسيط في المرافقة (5:30)، وأن الثقافات التي يروج لاختلافها تتشارك في الحقيقة نفس المقامات والخواص، وهو ينسف بذلك أسطورة النقاء في الثقافة، ويغسل الموروث الشعبي من أي التزامات قومية أو طبقية للاحتفاء به لما هو عليه من حالة إنسانية وجمالية.

أما ذروة نضج لغة بارتوك الموسيقية، فتتمثل في عمله «موسيقى لوتريات وإيقاع وسيليستا» من عام 1936. ظاهريا، يقدم العمل تجربة حداثية تستحضر الحياة المتسارعة للمدن، وتستخدم تشكيلة آلات جريئة وغير مسبوقة، لكن تحت الإيقاعات الحادة والأصوات العنيفة، تشكل الموسيقى الشعبية الحياة السرية للعمل. فهدف بارتوك هنا لم يكن تقليد الموسيقى الشعبية أو إعادة إنتاج مظاهرها الحرفية وألحانها، بل الانطلاق من عناصرها الأساسية للوصول إلى لغة جديدة خاصة به، والتعامل مع الموروث الشعبي لا كزينة سطحية، بل كأداة بنائية تغذي العمل بالمقامات والإيقاعات والدلالات.

ترسم الحركة الثالثة قطعة ليلية باردة بخطوط عريضة، وتطغى شهرتها واستخدامها من قبل هوليوود (خصوصاً في فيلم الرعب The shining) على الحضور الفولكلوري القوي في إيقاعاتها، المستوحاة من الزجل والإنشاد القروي. أما الحركة الرابعة، فتستحضر رقصةً شعبيةً ملونة، وتعيد تأويل طريقة الغناء القروي القائم على السؤال والرد، كما تتحول فيها المقامات التقليدية إلى شبكات معقدة تُشتق من بعضها وتتزامن وتتغير بمعدل مرات في الثانية أحيانًا، كنوع من التصعيد للمفردات الشعبية إلى مرحلة متقدمة.

تظهر «موسيقا لوتريات» تماهي الموسيقى الشعبية مع لغة بارتوك الشخصية، وتثبت في الوقت الذي كان فيه الجميع يسعى للقطيعة مع الماضي أن العودة إلى رواية مختلفة وأكثر نضجًا عن الماضي قد تشكل بحد ذاتها نوعًا من الحداثة.

تقنيات التحليل والتوثيق التي استخدمها بارتوك منذ قرن لا تزال متقدمة عن معظم التجارب المحلية في منطقتنا، حيث تقتصر معظم المبادرات اليوم على تسجيل الألحان ببساطة، أو انتقاء ما يعجب موسيقيينا منها أحيانًا على أساس انتماءاتهم الطائفية والقومية، أو لاستخدامها في حفلاتهم الشخصية، دون الاهتمام بنشر النسخ الأصلية أو بدراستها علميًا. الاستثناء الوحيد (بكل ما يحمله من سخرية سوداء) قد يكون المبادرات المدعومة من الجامعة العبرية في الستينيات، والتي قامت من خلالها داليا كوهين وروت كاتز بمتابعة إرث بدأه روبرت لاخمان وإذاعة القدس البريطانية في الثلاثينيات، مما أنتج أرشيفًا ضخمًا ودراسات معمقة في الموسيقى الفلسطينية.

بالعودة إلى السؤال، موسيقانا الشعبية هي لنا بالطبع، لكنها ليست لنا وحدنا، ولا يمكن إلا أن تكون استمراراً لتفاعلات تاريخية واسعة سبقت أي قوالب توسم بها اليوم. اكتفاء الموسيقي الكلاسيكي بالعمل على هذه القوالب والقشور وما يصله منها عن طريق الإعلام، وإصرار الموسيقي الشرقي على أن موسيقاه سماعية لا تحتاج إلى الكتابة والدراسة، يخلقان فجوة يضيع فيها الكثير من موروث منطقتنا، ليس فقط بالمعنى المباشر المقتصر على الألحان، بل أيضًا المعاني والدلالات الاجتماعية والجمالية التي تمكننا من فهمها.

قد نشهد خلال العقود القادمة اختفاء الكثير من هذا الموروث، بالذات إن كان ضحية اضطهاد سياسي (كالموسيقى الكردية أو الآشورية) أو طبقي (مثل الدبكات التي ينظر إليها بدونية)، أو ببساطة لأن المناطق التي تتعرض للقصف والتهجير والاحتلال لا وقت لديها للموسيقى، وقد لا يبقى منها من يحكي القصة، وفي فترة محتملة قد نشهد فيها جاهزية للتطور في مجال الإثنوميوزيكولوجيا، سنفاجئ بفجوات مفرغة من تاريخنا، وسيكون الوقت قد تأخر.

لكننا اليوم نحتاج بارتوك بشدة لسبب آخر يتعدى التوثيق أو حتى الموسيقى، ففي الوقت الذي يحول فيه التاريخ إلى بضاعة للاستهلاك، أو ملكية حكومية لبناء روايات فاشية وضيقة الأفق، تعلمنا مؤلفات بارتوك أن ذات التاريخ يمكن أن يستخدم كإرث فردي خاص بكل منا لكسر هذه الروايات وتشكيل رؤى بديلة عن الماضي تكون مفتاحًا لبناء هوية أكثر إنسانية وعصرية من جهة، وأكثر إنصافًا لتعقيد وتنوع التراث المحلي من جهة أخرى.