حوار مع الفرعي: عمّان بوصلتي، تستحوذ عليّ وتحاصرني

الأربعاء 10 آب 2016
بعدسة خالد بشير.

تصوير خالد بشير

قبل عامين، أطلق الفرعي (طارق أبو كويك) ألبوم الراب الثالث الخاص به «كمان دفشة»، وما لبث أن سافر بعدها إلى إنجلترا ليعمل على مشروعه الموسيقي الجديد 47SOUL. اليوم حين يعود أبو كويك إلى عمّان يعود لجمهوره بالفرعي و47SOUL، وأحيا هذا الشهر حفلين لمشروعيه، وينتظر جمهوره حفلًا آخر للفرعي يوم السبت، 13 آب.

الفرقة الجديدة تغني دبكات وجوبي إلكترونية بصوتها الخاص، وتضم: حمزة أرناؤوط (الجهاز) على الجيتار، طارق أبو كويك (الفرعي) على الإيقاع، ولاء سبيت على الإيقاع، ودبكة، ورمزي سليمان (زين الناس).

في لقائه مع «حبر»، ظلَّ الفرعي يؤكد أن لندن لم تغيره، لكنه استهل حديثه يخبرنا أنه حين غاب عن عمّان وذهب إلى أميركا لمدة ثلاث سنوات دون أي زيارة كان «كثير مشتاق لعمّان أكثر من هلّا، وهاد شعور كتير غريب مش عارف ليش». لدى الفرعي شعورٌ بأن الأوضاع في المنطقة «مكركبة»، ولربما كان هذا سببًا كافيًا يدعوه لعدم الشعور بالحماس للعودة.

قبيل حفلته الأخيرة على خشبة مسرح البلد، حاورنا أبو كويك حول هذه العودة، ومشروعه الجديد، وموقعه في عمّان بعد ثلاث سنوات من الغياب.

7

حبر: من خلال وجودك في إنجلترا هل ما تزال قادرًا على البقاء على صلة مع محيطك العربي، ومع ما يحدث سياسيًا واجتماعيًا؟

الفرعي: سياسيًا بالطبع من خلال الأخبار، أما اجتماعيًا فلا أعتقد؛ فحين بدأت الحرب على داعش لم أكن أعرف تمامًا ما هي ردة فعل الشارع الأردني على هذه الحرب، وشعرت بضرورة أن أكون حذرًا، ولكن في الوقت نفسه هناك أوقات أشعر فيها بأنني أريد أن أكون عفويًا وهذه هي فكرتي، فينتابني الشك: هناك مسؤولية، يجب أن أكون حذرًا، أم أن هذا مجرد وهم، أم يجب علي أن أقول ما يدور في رأسي مهما كان الثمن؟ هذه حرب لا تنتهي.

هل أثر هذا على الفرعي؟

لم يؤثر شيء على الفرعي من ناحية الموسيقى. ولكنني لم أعد أقيم حفلات بنفس الكم. قدمت أغاني جديدة وطرحتها عبر الإنترنت، ولم أتباطأ. سجلت ألبومي على حسابي وهو في طريقه للطرح. لم يؤثر أي شيء على محتوى الفرعي؛ لم أتصور يومًا ألا يكون محتوى ما أغنّيه غير شخصي ولا يعكس أفكاري الشخصية، والمحيط الذي أعيش فيه. المحيط أثر بي، سواء كان سلبًا أم إيجابًا.

ألا تستطيع أن تحكم ما إذا كان التأثير سلبًا أم إيجابًا؟ هل تشعر أنك ابتعدت عن الفرعي الذي كان يتطرق للمواضيع الإشكالية؟

أشعر أن على المستمع أن يُجيب على هذا التساؤل، أن يُجيب ما إذا تغيّر عليه شيء من محتوى الفرعي أم لا. أول ألبوماتي كانت تتحدث عن تجربة شخص داخل مدينة عمّان، واليوم ما أزال أتحدث عن تجربة الشخص نفسه، وبلا شك الغربة أثرت على تجربة هذا الشخص. بُعدي المُباشر عن مواضيع الشارع الأردني لا علاقة له بالغربة، فلو كنت ما أزال في عمّان، لكنت أيضًا ابتعدت عنها، لأن الشارع دخل في مرحلة يصعب عليّ وصفها، وأنا أشعر بصعوبة وصف الشارع ليس لأنني بعيد، ولكن لأن الشارع الأردني تغيّر كثيرًا وصرنا في مرحلة حساسة جدًا.

أنا من الأشخاص الذين بدأوا بمحاربة الفكر المتطرف من خلال الغناء في مرحلة مبكرة جدًا، وحاربت العلمانية الزائفة المستوردة منذ اليوم الأول، وعبرت عن هوية أردني من أصل فلسطيني ومسلم ضد التطرف، ولكن وضع المنطقة اليوم معقد جدًا، وعلاقة الأردن بالمنطقة معقدة، وحتى أحاول أن أصفها علي أن أكون دكتور علوم سياسية. وحتى تستطيع أن تؤثر بالناس ليس ببساطة أن تقول بدنا ثورة، وبدنا خبز، وبدنا تحرير فلسطين، وبدناش تطبيع، هذه أمور قلناها، وسنظل نرددها، لكن ما أحاول أن أقوله اليوم إني متخربش، مثلي مثل غيري، وسيكون هذا أكثر شيء صادق.

لماذا اخترت إنجلترا بالذات؟ هل هو سلوك مادي أم سلوك مرتبط بهجرة آلاف المسلمين والعرب الذين هاجروا في السنوات الخمس الأخيرة إلى هذا المكان؟ هل هي هجرة ثقافية؟

أنا لم أهاجر، أنا مثل أي شاب جاءته فرصة عمل في دبي مثلًا، لا أستطيع مقارنة تجربتي بتجربة عرب آخرين في أوروبا لأنني لستُ لاجئًا هناك. ذهبت إلى لندن لأن الفرصة جاءتني لتحقيق مشروع كنتُ مؤمنًا به كثيرًا، وكان لدي تصور عنه منذ البداية. أن تكون لدينا موسيقى تخصنا باستخدام لغتنا بالموسيقى التي نحبها. وهذا ما بدأته في [ألبوم] فرع المداخل، وأردت أن أتحرك به نحو العالم وألا أظل محصورًا في منطقة واحدة فقط. وإذا استطعت أن تستخدم لغتين من أجل الوصول للعالم كله، لمَ لا؟ وحين أتتني الفرصة لأكون ضمن فريق قادر على أن يكون ضمن هذه المواصفات اقتنصت الفرصة.

أنت موجود في محيط فيه مهاجرين ولاجئين، وموجود هناك بشخصك كالفرعي، ولكن أيضًا ضمن مشروع آخر فيه فنانون عرب من جنسيات أخرى. ما الذي يُلهم طارق أبو كويك اليوم في كتابة أغانيه؟ وهل تجد محتوى من داخل لندن نفسها؟

بصراحة بالفرعي لا، وفي السنتين الأخيرتين كنت أعمل على إنهاء أغاني أعددتها في عمّان وغنيتها سابقًا وستكون ضمن ألبومي الجديد «رجل خشبي»، ويحكي الألبوم عن السلطة والدين ما بعد الثورات. وتأليه الحاكم أو القائد أو الإنسان بشكل عام، وبناء الأحكام بناء على افتراضات شخصية بدلًا من الواقع. ويتحدث الألبوم عما بعد انتكاسة الثورات العربية. وهناك بعض الأغاني تتحدث عن [الإساءة إلى] المرأة.

أنا أغني لفلسطين وأنا لا أراها، أغني لأشخاص ظروف حياتي مختلفة عنهم. بالنسبة لي عمان الغربية لا تفرق عن لندن الشرقية التي أعيش فيها اليوم. الحدود فصلتنا عن كل العالم، ونحنا مقسمون ومعزولون عن بعض، وهذا الانعزال عن المحيط العربي والإنسان العربي لن يفرق كثيرًا حين تسافر، ولا أتصور بأنني متأثر بلندن في المحتوى الغنائي بشكل مباشر، ولكن إذا كنت متأثرًا بشيء فهو فكرة البعد عن عمّان بحد ذاتها.

أنا أفكر بعمّان بشكل أساسي، وأفكر بالإنسان العمّاني، وهي بوصلتي في الكتابة والغناء، وهو أمرٌ يستحوذ علي، وقد يكون هذا الشيء خطير، لأن العالم كبيرٌ جدًا، وأحيانًا تشعر بأن الناس ستضع عليك حكمًا معينًا. أوقات بكون نفسي أطلع من فكرة الحدود بس بقدرش، عمّان بتحاصرني حتى لما بروح على جنين عند دار خالي، عند عيلة من قلب المقاومة، بكون متأثر بشيء من الضفة الغربية، ولمّا باجي بدي أكتبه على ورق، بكون كتير مقشعر، بس بعدين بفكر إنه كيف بده يفهمني الشب بعمّان، رح يحس إني بحكي عن إشي بعرفوش. عمّان دايمًا عاملتلي هاد العائق، بس هاد العائق حقيقي وما بدي أخلص منه ولا بقدر، لأنه أنا مدينة عمّان، وإيجابيتي وسلبيتي من عمّان.

إذا لم يكن للندن تأثير على الفرعي، هل لفرقة الـ47SOUL تأثير عليه؟ هل تأخذ من حق الفرعي؟

إذا كانت تأخذ من حق الفرعي، فهي أيضًا تأخذ من حق الآخرين في الفرقة، وهم أشخاص يكتبون أعمالهم الخاصة أيضًا. بالنهاية من الطبيعي أن يؤثر كل مشروع على الآخر من ناحية الوقت في مرحلة معينة. الجانب الإيجابي أننا نتصرف كمنظومة إنتاج وندعم بعضنا بعضًا.

بالنسبة لإدارة الوقت وتنظيمه بين المشاريع، فهذا يعود إلى الشخص نفسه. بالنسبة لي أقسم وقتي بين الفرعي وفرقة 47SOUL وبين شركة إعزف التي أؤمن بها وأشعر بالسعادة أنني جزء منها.

متى كان آخر حفل للفرعي؟

في لندن، وحضرها ما يقارب 200 إلى 300 شخص ما بين عرب وأجانب. ليست بزخم حفلات عمّان. في مرة من المرات قرأت ستيتوس عالفيسبوك «راحت أيام بخمس دنانير بتحضر الفرعي وبتفش غلك». بين المسؤولية والأحلام الشخصية هناك حد، لا أدعي أنني أريد أن أمسك يدي العالم وأطير بهم إلى مكان أفضل، وإذا كان هناك شخص قادر على فعل ذلك ولا يقوم به فهو شخص شرير. بعد فترة سأكون قادر على إقامة حفل في عمّان كل ثلاثة أشهر في عمّان بدلًا من كل سنتين. غيابي عن عمّان هذه الفترة سببه أنني كنت أحاول أن أبني مشروعًا جديدًا، وهذا هو السبب الذي دفعني إلى إطلاق ألبوم «كمان دفشة» قبل سفري.

لكنك لم تغني الألبوم إلا مرة واحدة في عمّان، ولم يأخذ حقه بالانتشار في عمّان، خصوصًا وأن الراب يعتمد على العروض الحيّة أكثر من الأونلاين.   

صحيح، هذا الألبوم انظلم بسبب مشاريع أخرى. لكن هناك جانب آخر، ما زلت حتى هذا اليوم أُنظم حفلاتي بنفسي في عمّان، ولا توجد جهات عديدة تقوم بدعوتك لإقامة حفلات لك، لا توجد هنا شركات عديدة لتنظيم الحفلات المستعدة لتنظيم حفل للفرعي كل عام مثلًا، وهذا جانب مهم. وما هي الطاقة التي يستطيع الفرد أن يتحمل عبء حفلاته وتكاليفها بسعر بسيط. ولكن هذا الكلام لا أستطيع أن أقوله لجمهوري، جمهوري له حق أن يحضر حفلاتي دون أن يدخل في تفاصيل هذه المشاكل.

2

بالحديث عن فرقة  47SOUL، كان هناك تعليق من مجموعة من المتابعين لكم بأن المساحة التي تعملون فيها ضيقة نوعًا ما تقنيًا وموسيقيًا، هل ستعملون على توسيع مساحتكم الموسيقية؟

بالنسبة لي هذا رأي، عملي في هذه الفرقة هو 25%، أما الفرعي فهو 100%، نحن لم ننتج حتى اليوم سوى خمس أغانٍ، وما زلنا نعمل على المزيد. الفرقة في ألحانها وإيقاعاتها ليست تجريبية؛ نحن نستخدم البيّاتي والكيبورد الأنالوج وهو يختلف عن الكيبورد الشرقي الديجيتال. هدفنا ليس التجريب، بل نحن نريد أن نقدم موسيقى سهلة وترسيخ فكرة الموسيقى البسيطة التي يستطيع أن يفهمها كل العالم وآتية من كل بلاد الشام ونغني باللغتين ولكن بدماغ عربية.

هل تشعر أن الوقت ما زال مبكرًا للحكم على الفرقة؟

لا تستطيع ألا تحكم على شيء مطروح بالفعل، بالنهاية الموسيقى زي الأكل، في واحد بحبها، وواحد ما بحبها، يا بتدخل قلبك، يا ما بتدخل قلبك. [عدد] الأشخاص الذين تجاوبوا مع الفرقة في الأردن وفلسطين كان أكبر مما تتوقعت. عدم التجاوب وجدته عند مشهدي الخاص، المشهد اللي طلعني واشتغلنا فيه مع بعض من عمّان، ما لقيت عنده نفس ردود فعل الجمهور؛ يمكن لأن توقعاته مرتبطة بما كنت أقدمه، وعندي نظريات أخرى خاصة بي لردود الفعل هذه.

وأيضًا الفرقة ليست فرقة عمّانية فقط، وطبيعي أن يكون جمهورها موزعًا وأن لا تتجاوب معها كل المدن بالمقدار نفسه.

ولكن عندما نستمع إلى نوع الموسيقى التي تقدمها الفرقة، يشعر المتابع أنكم تحاولون جذب جمهور مستشرق، وأن هذه الموسيقى التي يحبونها.

هذه تهمة تم توجيهها لنا عدة مرات، ولن أجيب عليها.

جمهوركم في لندن، هل هو عربي في أغلبه أم أجنبي؟

الاثنين.

ولكن الأغلبية؟

جوّا لندن؟ ممم، ما هو شوفي.. بتعرفي شغلة، لو بتيجي على لندن وبتشوفي خط الدبكة اللي كل اللاجئين بعملوه بحفلات الفرقة ما بتحكي هاد الحكي. تاني إشي ممكن تطلعي على الأرقام في فلسطين ومصر، أرقام بتحكيلك الشعب العربي شو بده يسمع. شوفي الجمهور. نحنا بنعيش بمنطقة من المدينة بعمّان اللي بالنسبة إلنا المجوز سهل وبس بعرس ابن عمي بعزفه، وإذا بعزفه بغير هاد السياق معناته أنا بحاول أحكي مع الغرب. يمكن إحنا عم نتحول لراديكاليين أكتر.

لماذا اخترتم بأغنية «يا ظريف الطول» الغناء مع الفنان حمزة نمرة؟

هذه الأغنية جاءت محض صدفة، من خلال برنامج حمزة نمرة «ريمكس»، يختار فرقتين من أي تراث، ويقدم أغنية مرة مع فرقة أسلوبها فيوجين أو تجريبي، ومرة مع فرقة كلاسيكية. وحين اختار فلسطين لم يستطع الذهاب هناك، فقدم حلقة مع فرقة الحنونة في الأردن، ومعنا. انتشرت الأغنية بصورة غير متوقعة. لم يكن مطروحًا اليوم أن نُقدم أغانٍ فيها إعادة إنتاج للتراث، ربما نقوم بذلك بعد خمس سنوات، لكن ليس اليوم.

بعيدًا عن الغناء، حدثنا عمّا حدث بينك وبين الراس، وما هي خلفية الخلاف؟

لقد تراجعت عن الأغنيتين، سواء التي أطلقتها قبل رده، أم تلك التي جاءت بعده. وقلت «أسرفت في استخدامي للقلم». الراس من الفنانين الذين أحترمهم كثيرًا وبيننا علاقة صداقة. أنا لستُ قبليًا ولا عشائريًا ولا متحزبًا ولا متعصبًا للذين أحبهم، ولكن حين أسمع أغنية وأشعر أنها تخاطبني، سواء كانت مقصودة أم لا، وأتأثر، أكتب ردًا عليها. كان عليّ أن أكتب هذه الأغنية وألا أشخصنها، كنت مُستفز واختلطت الأمور لدي.

مسيرة أي فنان هي مسيرة أعماله، هناك فنان أعماله لا علاقة لها بالمجتمع والسياسة لكن أفعاله وخدمته للمجتمع، وهناك العكس أيضًا.

بالنسبة لي رد الراس كان مبالغًا فيه وعندما قمت بالرد عليه، شعرت أنه لا يجوز أن أقوم بالرد على أشخاص. حاولت أن أقوم بحل الإشكال، وأكره الانقسامات. لا أؤمن أنه لا يمكن إصلاح ما حدث، فهي ليست غلطة قاتلة.