حروب عتمة وقمم يجب أن تُصعد: حوار مع إبراهيم نصر الله

الإثنين 21 تشرين الثاني 2016
الصورة من موقع فسحة.

الشهر الماضي، فاز الروائي والشاعر إبراهيم نصر الله بجائزة كتارا للرواية العربية، عن روايته «أرواح كليمنجارو». وجائزة كتارا للرواية العربية هي جائزة سنوية أطلقتها المؤسسة العامة للحي الثقافي – كتارا في قطر، في بداية عام 2014. ويفوز بالجائزة في كل عام عشرة كتّاب، كان أبرزهم في النسخة الأولى للجائزة الروائي الجزائري واسيني الأعرج عن رواية «مملكة الفراشة».

بُعيد فوزه بالجائزة، التقت حبر بإبراهيم نصر الله للحديث معه حول روايته التي حصلت على الجائزة، وحول روايته الصادرة للتو «حرب الكلب الثانية»، وكذلك حول الأدب وجوائزه، وقضايا أخرى، في حوار مقتضب.

وتحكي رواية «أرواح كليمنجارو» عن مجموعة من الأفراد لا يؤلف بينهم سوى اشتراكهم في مهمة تسلق جبل كليمنجارو. وتستعرض الرواية التجارب الأليمة التي عاشها فتيان فلسطين مقابل تلك الحالات والمواقف الصعبة لباقي الشخصيات القادمين من ثقافات مغايرة.

أمّا رواية «حرب الكلب الثانية» فتحكي قصّة عالم متقدم على عالمنا زمنيًا وتقنيًا، لكنه شبيه بعالمنا الحالي إنسانيًا، أو ربما هو أسوأ منه. يعيش فيه الناس في خوف دائم، وفي مخيّلتهم دومًا حرب لم تبقِ ولم تذر.

حبر: مبروك فوز روايتك «أرواح كليمنجارو» بجائزة كتارا للرواية العربية. ما الذي يعنيه لك هذا الفوز؟ وما الذي تعنيه لك هذه الرواية بالذات؟

إبراهيم نصر الله: يحمل الفوز، أي فوز، درجة مهمة من التقدير، وفوز هذه الرواية، مع وجود هذا العدد الكبير من الروايات العربية المتنافسة، له معناه الطيب، فهو أولا وقبل كل شيء فوز لفكرة بالنسبة لي، فكرة حوَّلها أطفال فلسطينيون، فقدوا أطرافهم بسبب العدو الصهيوني، إلى واقع، حين استطاعوا بلوغ قمة كليمنجارو، وسعدت أنني كنت معهم. أما على المستوى الفني، والأدبي بشكل عام، فالأمر يشير إلى أن كتابتي حققت حضورها، والتقدير الذي آمل أن تكون تستحقه سواء في هذه الجائزة، أو ما سبقها، أو في الكتابات العربية والأجنبية وعشرات الدراسات الجامعية، وإقبال القراء عليها، وقدرتها على أن تكون جزءًا من أرواحهم وهويتهم، وليس فقط من قراءاتهم.

تواجه جائزة كتارا بعض التشكيك في أهميتها وجدّيتها، ومما تنتقد عليه الجائزة عدد الحاصلين عليها، إذ أنها تمنح في كل سنة لعشرة أسماء. كما أنها تنتقد بسبب منحها عادة لأسماء كبيرة، مثل إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج، وغيرهما. ما رأيك بهذه الانتقادات؟

لا أعرف إن كان علينا أن نعاقب الأسماء الكبيرة على طريقة رعاة البقر، وهي أسماء كبيرة وتعطي، وبها تشكل المشهد الروائي العربي واستمر، فهؤلاء ليسوا خيولًا هرمة، ولذا من العيب أن يتحوّل البعض إلى رعاة بقر، لا هم لهم سوى إطلاق النار عليهم.

بالنسبة لي، لا أفرح بجائزة أنالها ولا أحزن لجائزة أخسرها، بسبب هذا الوضع العربي المتعلق بالجوائز، وحجم ما يثار حول كل الجوائز من كلام، بعضه صحيح وبعضه لأن آخرين يهاجمونها يتمنون الفوز بها. ربما كان أفضل ما حدث لي هذه المرة هو أن الجائزة ساعدتني لأن أتبرع لجمعية إغاثة أطفال فلسطين، التي نظمت رحلة كليمنجارو، كما أن الجائزة تقدير في النهاية لرواية كتبتها بعد تجربة اشتباك مع الحياة والموت عشتها وعاشها من معي في الرحلة.

كما أشرت، قبل كتابتك لرواية أرواح كليمنجارو، صعدت برفقة مجموعة من الأطفال الفلسطينيين الفاقدين لعدد من أطرافهم إلى قمّة الجبل، في تجربة أتخيل أنها كانت مثرية ومؤثّرة. هل لك أن تخبرنا عمّا تعلّمته من هذه التجربة؟

ما تعلمته عبرتُ عنه في هذه الرواية المكونة من ثلاثمائة وثمانين صفحة، ولم أتعلم دروسًا فقط، فالمسألة كبيرة حقًا، وثرية ومؤثرة كما أشرتَ، وربما يكون مفتتح الرواية أحد الدروس: «في كل إنسان قمة عليه أن يصعدها، وإلا بقي في القاع مهما صعد من قمم». ولكنني تعلمت أيضًا كيف أجد معادلًا فنيًا، أكاد أقول مركبًا وبسيطًا ومجنونًا، في كتابة هذه الرواية، ولذا لم يكن أمرًا مبالغًا فيه حين قلت: إنها الرواية التي كنت أتمنى أن أكتبها.

في زمن العربي الهارب من الموت في بلاده إلى الموت على شواطئ أوروبا، ما هي المهمة الرئيسة للمثقف العربي؟ وما هي الأسئلة التي على الأدب تحديدًا أن يطرحها؟

المثقف العربي لم يكن يوما ما إنسانًا غير مسؤول، لنطالبه بتحمّل المسؤولية، فقد ساهم منذ قيام الدولة «الوطنية» بالدور الأبرز في تكوين الهوية والمحافظة عليها، وأن يكون روح الحياة، في وقت كانت فيه الدولة «الوطنية» ولم تزل تنتزع من كل شيء الحياة وتزوّر كل شيء. السؤال الذي نتناساه، هو ما دوْر بقية شرائح المجتمع، وهل لعبت الدوْر الذي لعبه المثقف العربي، في حالاته الزاهية؟

الإبداع قوة أخلاقية، تنويرية، وكلنا كمثقفين منحازين، دفعنا أثمانًا باهظة نتيجة هذا الانحياز، هناك دور على الدول والمنظمات والهيئات الشعبية أن تلعبه، ونحن اليوم بلا دول فعلية.

يبدي البعض امتعاضه من غزارة إنتاجك، فيما يرى بعض آخر هذه الغزارة ميزة إيجابية. لماذا تكتب عامة، ولماذا بهذه الغزارة؟

لا أعد نفسي كاتبًا غزيرًا وليتني كنت كذلك. لقد لاحظت دائمًا، وفي كل الساحات العربية، أن الذين يتحدثون عن غزارة سواهم هم الذين لا يقرؤون، وهؤلاء غالبًا من أوساط الكتاب. لا أعرف لماذا يمتعضون، إنهم لا يفعلون سوى القيام بإحصاء عدد الكتب، لا قراءتها. إنهم غير مضطرين لقراءتها، فلماذا يمتعضون؟!

بالنسبة لي أمتعض كثيرًا حين أرى كتّابًا مثل باتريك زوسكيند صاحب «العطر»، أو صبري موسى الذي كتب «فساد الأمكنة»، أو لامبيدوزا الذي كتب «الفهد» مقلّين، وكنت أفرح كثيرًا حين أرى نجيب محفوظ، ومحمود درويش، وعبد الرحمن منيف، وغسان كنفاني، و ساراماغو، يقدمون جديدًا باستمرار.

ما يهمني فعلًا، هو ذلك الاستقبال غير العادي لأرواح القراء لكتبي، وترجماتها، وإعادة طباعتها سنويًا أكثر من مرة، يهمّني هذا الحب لها، والذي لمسته واضحًا في معرض الشارقة الدولي للكتاب هذا الشهر، حين وقعت روايتي الأخيرة، وكانت من الكتب الأكثر مبيعًا، وسررت حين أخبرني مدير الدار الأهلية في عمان أن الدفعة الأولى منها -وأعني «حرب الكلب الثانية«- التي نزلت إلى الأسواق يوم 3 تشرين الثاني الجاري، انتهت في يوم واحد، مما جعله يطلب كمية أخرى من بيروت بالطائرة.

الرائعون وحدهم هم من يفرحون حين يظهر كتاب جديد، جمال جديد، وتجارب جديدة، أي حياة جديدة، في الكتب التي يحبون قراءتها.. ومن خلال معايشتي للكتابة، أو للنشر، لمدة أربعين سنة، توصلت إلى بعض القواعد التي يمكن أن تفيدني، وتفيد أي كاتب شاب: فكّر في كتابك خمس سنوات، أكتبه في ستة أشهر، انسه ثلاثة أشهر، وعد واعمل عليه ستة أشهر. ويمكنني القول اليوم، إذا ما استثنيت «أرواح كليمنجارو» أن كل رواية كتبتها عاشت معي خمس سنوات على الأقل قبل كتابة أول حرف فيها، وبعضها عاش معي متجاوزًا عشرين سنة.

أول ما نشر لك، فيما أعلم، كان ديوان شعر، لتصدر بعده بسنوات رواية «براري الحمّى» وتلتها روايات عديدة. هل ظلم الروائي في إبراهيم نصر الله الشاعر؟

روايتي الأولى «براري الحُمّى»، بدأتُ بكتابتها قبل أن أنشر ديواني الأول، كنت في الرابعة والعشرين من عمري، وانتهتْ مطلع الثمانينيات، لكن صدورها تأخر لأن الديوان الأول نجح، وكذلك الثاني، وكان رأي صديقنا فتحي البس، مدير دار الشروق، ناشري، أن نشري لرواية قد يضر بسمعتي كشاعر! فقد كان الزمن هو زمن الشعر، وهكذا تأخر صدورها حتى عام 1985، والآن هي تواصل حياتها، كما لو أنها رواية مكتوبة اليوم.

بالطبع، ذهب زمن الشعر، وجاء زمن الرواية، وهذا الاهتمام بالروايات ظاهرة ثقافية اجتماعية، لا تعني أبدًا أن الرواية أفضل من الشعر، أو العكس، إذ لا يمكننا أن نقارن بين شجرة الزيتون والنخلة! أنا سعيد أن في حقلي زيتونة الرواية ونخلة الشعر، ومن الجميل أن الزيتونة لا تستطيع أن تلعب دور النخلة، كما لا تستطيع النخلة أن تلعب دور الزيتونة.

لكن الشعر نفسه مظلوم اليوم في كل أنحاء العالم للأسف، وأظن أن هذا من أسباب تيبس روح العالم وغلظة القلب البشري.

بما أننا في موسم حصد الجوائز، ما تعليقك على حصول بوب ديلان على جائزة نوبل للأدب؟

في ظني أن الجوائز هي التي تفوز حين يفوز كاتب محترم بها، وتخسر، حين يفوز بها كاتب رديء، فالكتّاب هم من يمنحون الجوائز قيمتها، أو العكس، وليست الجائزة هي التي تمنحهم قيمتهم، فكبار الكتاب الذين لم يفوزوا بنوبل خسرتهم نوبل، من تولستوي حتى محمود درويش، وكارلوس فوينتس، وهناك كتاب فازوا بها منذ أعوام قليلة ولا نتذكرهم، ولم نحب كتاباتهم.

لقد قرأت بتمعن قصائد باهرة لبوب ديلان، إنه شاعر غنائي كبير، تمنيت لو أنه حافظ على أخلاقياته ونضاله الإنساني، ولم ينجرف لمديح الكيان الصهيوني، فجوهر الكتابة وإنسانيتها، يحتّمان علينا أن نكون ضد كل الفاشيات، حيثما كانت، وإسرائيل كيان فاشي عنصري.

تتخيّل روايتك الجديدة، حرب الكلب الثانية، عالمًا مستقبليًا، فيه الكثير من البؤس، والعتمة، الروحية والمادية ربما، مع إسقاطات على الواقع الذي نعيشه. هل ترى أن البشرية إن بقيت في هذا المسار، فإننا سنصل إلى عالم يشبه عالم «حرب الكلب الثانية» أو ربما أسوأ؟ أم أننا أصلًا في ذلك العالم، لكننا تكيّفنا معه لدرجة أننا لم نعد نرى هذه العتمة؟

بقدر ما استطاع الإنسان أن يتحضّر، لم يستطع أن ينسل بعيدًا عن وحشيته. تاريخ الحروب مثال ساطع على هذا، وتاريخ السيطرة على الشعوب وإذلالها وتدمير كل شيء من أجل الجشع والسيطرة، أمثلة أخرى. لكننا مع تقدم العلوم وتأخر الأخلاق وسهولة التدمير عن بُعد، بتنا اليوم وجهًا لوجه مع ظواهر جديدة، بدأتْ برفض الآخر، ووصلت إلى رفض الشبيه أيضًا. العالم كله ينحدر باتجاه المضامين والرؤى القاتمة التي عبرت عنها «حرب الكلب الثانية»، وأنا سعيد أنني لم أؤجل نشرها، لضمان مسافة زمنية تكون عامين تقريبًا، كما أفعل دائمًا، بينها وبين «حرب الكلب الثانية»، فهذه الرواية أرقتني طويلًا، وكان يجب أن تنشر الآن، أو الأدق: تولد الآن، مثل أي مولود إذا أجلتَ خروجه إلى العالم ستقتله.

هل يعجّل فوز دونالد ترامب بالانتخابات الأمريكية من موعد حصول «حرب الكلب الثانية»؟

البدايات هي جزء فعلي من تاريخ الحروب، بل لولا البدايات لما وقعت الحروب، ومعركة الرئاسة الأمريكية، تكمن خطورتها، في أنها وباء قابل للانتشار، فما حدث حدث في الدولة الأولى! وهذا كافٍ لكي يقلد الآخرون اللعبة في كل مكان، فهي فيلم كوني، لا يستطيع البشر أن يخرجوا من صالته المعتمة إلا وقد تلطخوا بالوحول المتطايرة منه.

في الحقيقة يفزع الروح والعقل أن تصعد الفاشيات من قلب مدّعي الديمقراطية وحراسها. معركة ترامب وكلينتون، على قباحتهما، نموذج حقيقي لاستكلاب البشر. وإذا واصل العالم طريقه هذا، هنا، وهناك، فلن ينجو أحد، لا المهزوم ولا المنتصر!

أخيرًا، كيف تنظر إلى المشهد الأدبي في الأردن والمنطقة حاليًا؟ وهل هناك أسماء شابّة تنصح بمتابعتها؟

في اعتقادي كان يمكن أن يكون المشهد في الأردن أفضل بكثير، فبذور السبعينيات والثمانينيات لم يتطور كثير منها، بما يليق ببداياتها الرائعة، ومنذ التسعينيات، سادت الأردن والعالم العربي ظاهرة التمرد المريض على كل إنجاز متحقق، وهذا أدى إلى فقر كبير، لدى معظم النماذج الشابة، باستثناءات قليلة؛ وأنت تعرف، أن من لا يتعلم، لا يستطيع أن يُعلِّم. أعتقد أن ربع القرن الأخير محبط إبداعيًا، ولعل ميوعة النقد وسهولة النشر، ونزق كثير من الشابات والشباب، ولا أقول تمردهم، أفقدنا مواهب رائعة توسّمنا فيها الكثير، فالتمرد قيمة، إذا ما بني على معرفة، وخراب إذا ما بني على جهل.

ما أخشاه أن تصاب المواهب التي تتفتح اليوم بالمرض نفسه، فالنظر إلى كل من سبقوهم باعتبارهم خيولًا هرمة، لا يعني سوى شيء واحد: إنهم يقومون بحرق المكتبات دون أن يعوا ما فيها.

أما أفضل ما في المشهد، فأن هناك من هم خارج هذا الخراب، ويمكن أن نرى بعضهم هنا في الأردن، وفلسطين، وكثير من الدول العربية وخارجها، في المنافي.