عين على الرقابة

مخرج فيلم «إنشالله استفدت»: مشكلتي مع من يسنّ الرقابة

الخميس 02 آذار 2017
لقطة من الفيلم.

لميس عسّاف

بعد أقل من أسبوع من إطلاق الهيئة الملكية للأفلام الفيلم الأردني «انشالله استفدت» في عرض أول، منعت هيئة الإعلام الفيلم من العرض، بحسب ما أوضحه مخرج الفيلم محمود المسّاد من خلال بيان نشره بعد صدور القرار. وجاء في البيان أن الهيئة منعت الفيلم «من العرض في الصالات التجارية، بعد رفضها وتحفظها على غالبية مشاهده».

وبحسب البيان، فإن الفيلم، الذي تدور أحداثه حول انعدام الكفاءة والبيروقراطية والفساد في أجهزة حكومية أردنية بقالب كوميدي أسود، مُنع لأسباب ارتبطت بـ«الإساءة لهيبة الدولة». لكن ردّ الهيئة جاء نافيًا لكل ما قاله المسّاد إذ أكد المدير العام للهيئة المحامي محمد قطيشات عدم صدور أي قرار من قبل الهيئة بمنع عرض الفيلم «لأنه لم يقدّم بالأصل طلبًا رسميًا للهيئة لمراجعة هذا الفيلم لغايات أخذ الرخصة وعرضه بدور السينما بشكل رسمي».

في حديثه مع «حبر»، لم ينفِ المسّاد عدم تقدمه بطلب رسمي للهيئة، قائلًا «قالت لي الهيئة أنني لم أقدم طلبًا رسميًّا، لكن عمليّة التقديم ليست متاحة. سألتهم إن تقدّمت رسميًّا الآن هل سيُسمح لي عرض الفيلم، قالوا لا»، وأضاف موضحًا «أنا رسميًا لم أستلم كتاب من الرقابة بالمنع. ذهبت لأقدم لموافقة لأننا كنا نريد عرض الفيلم في سينما العبدلي وطلبوا منّا موافقة، وقلنا لهم إن الهيئة الملكية لا تأخذ كتاب من الرقابة وتقتصر على الإخبار. بعد العرض، حصلت على عروض من أجل عرضه في دور السينما، فذهبت [إلى هيئة الإعلام] من أجل إصدار موافقة. جلست مع الموظفين، شباب كتير حبوبين وأمورين وطيّوبين، وتناقشنا بالفيلم، أخرج لي أحد الموظفين تقريرًا من ثلاث ورقات عن الفيلم، وقال لي «إحنا عنا مشكلة مع الفيلم مع الهيئة». حين قرأت التقرير تضمن الإساءة لهيبة الدولة والذم والفساد ومشاكل توقعتها ومشاكل لم أتوقعها ومشاكل لن أتوقعها بحياتي».

يتابع المسّاد: «مشكلتي مع قانون الرقابة ومع من يسنّها ويقول هذا ممنوع وذلك ممنوع وليس مع الموظف. أنا ما أعطوني قانون، بس شفت التقرير ومسكته بإيدي، بدهمش يحرجوا حدا، وهذا المنطق اللي عم بتّبعوه». ويستدرك «حتّى لا أظلمهم، أنا بحس بأن الجميع يحاول حماية نفسه. مشكلتنا بالبلد من الصغير حتّى الكبير هي خوفنا من القرارات، لأنّ الناس تخاف من المسؤوليّة، لذا فالحل يكون الرفض والمنع حتّى نتجنّب المسؤوليّة».

شيزوفرينيا السلطة

وفي إشارة للصراع بين جهتين مسؤولتين عن عرض الأفلام، قال المسّاد: «من حقي الترويج لفيلمي وعرضه لجميع الناس. هذا ليس فيلمًا يأخذ يوم أو يومين من العمل، ونحن لا ذنب لنا بالشيزوفرينيا بين المؤسسات. إما أن تقوم هيئة المرئي والمسموع بالتدخل بعمل الهيئة الملكية للأفلام، أو بما أنه ستكون هناك رقابة على المنتج النهائي لماذا لا تطلب المرئي والمسموع من الهيئة [الملكية] مراقبة النص قبل إنتاجه. ما تخلّونا نشتغل ونتعب وندفع مصاري وبعدين تمنعوا الفيلم!».

وحين واجه المسّاد هيئة الإعلام «المرئي والمسموع» بأن الهيئة الملكية للأفلام عرضت الفيلم دون تحفظ على النص أو المشاهد، «قالولي نحنا ما إلناش بالهيئة. (..) المأساة التي نعاني منها هنا والقّصة كاملة هي أنّنا نجد مؤسّستين حكوميّتين وتتناقضان بشكل غريبٍ جدًّا. لا يجوز وجود اثنتين. الأميرة ريم شاهدت الفيلم وأظن أن عليهم التدخّل. بنفس الوقت الهيئة قدّمت الفيلم كأنه من إنتاجها بالكامل والآن لم أسمع منهم أي شيء ولم يتحرك أي منهم لمساعدتي مع هيئة المرئي والمسموع».

المأساة بالهيئة الملكيّة للأفلام، كما يراها المسّاد، «هي أنني أنا ذهبت لأجسّ النبض وسألتهم إن كانوا يشعرون بأنّ فيلمًا مثل هذا يمكن أن يتم منعه، فأجابوا أنّهم لم يجدوا به شيئًا قد يؤدّي إلى ذلك. بعثت لهم رسالة بعد المنع، وأتفاوض معهم حاليًّا، لكنّ المشكلة أنّهم في برلين حاليًّا ليروّجوا للسينما الأردنيّة، وهذا الأمر يجعلني أريد أن أنتحر. مشكلتنا هي النكران، ولدينا الكثير من المشاكل لكننا نرفض أن نُريها لأحد أو نعترف بها. أنا أرى أنّ الطريق لحلّ مشاكل الدولة من كلّ الجهات يبدأ بالاعتراف بأنّ المشاكل موجودة».

«الفيلم لا يهدف إلى الإضرار بأي شخص. أنتم أسأتم لأنفسكم ولدولتكم».

يتملك المسّاد شعور بالإحباط حين يُفكر بأن عمله المتواصل لسنوات لن يرى النور في صالات العرض الأردنية. «الشعارات التي يضعونها على اليافطات التي تتحدّث عن التسعة مليون مواطن، من تفيد؟ (..) لدينا كذب بشكل لا يصدّق ومقرف يجعلني أتقيّأ. لن نحلّ أي مشاكلنا بهذه الطريقة بعد مئة عام. الممثلون الذين عملوا في الفيلم لم يجدوا عملاً حتّى الآن. لم يصدّق أحد أنّهم ليسوا ممثلين. نضيع كفاءاتنا المحليّة ونشاهد الكوري والتركي والهندي المدبلج».

يؤكد المسّاد أنه لم يصنع الفيلم ليجرّح بأحد وإنما «لنضحك قليلًا». «أنا أتعاطف مع موظّف الحكومة والشرطي، هو مواطن معتّر مثلنا، أنا لا أفرّق بين المواطن والشرطي والموظّف والحارس. أنا أتحدث في الفيلم عن موظفين حكومة وعن مواطنين وهم جميعًا بنفس المستوى الاجتماعي والطبقي، ولم أختلق شيئًا من عندي، بل بالعكس لم أتحدث سوى عن 1% مما هو موجود حقًا. (..) الفيلم لا يهدف إلى الإضرار بأي شخص. أنتم أسأتم لأنفسكم ولدولتكم».

وعلى الرغم من أن المسّاد كان متخوفًا بعض الشيء من وجود تحفظات على بعض مشاهد الفيلم، إلا أنه لم يكن يتوقع منعه. «كنت متخوفًا بأن يكون هناك تحفّظ على بعض المشاهد إذا ما تم النظر إلى المشاهد بشكل منفصل. المصيبة أن المنع جاء على مشاهد لم تخطر على بالي من الأساس، مثل الشرطي الذي يفتش أحمد [بطل الفيلم] (أنت لم تثبت أن الشرطي لم يأخذ مصاري من محفظة أحمد). يمكن بسهولة إخراج سوء نية من كل مشهد، وهذه المسخرة لا يمكن احتمالها».

ويضيف: «لم يخطر ببالي أبدًا أنه قد يتم منعه، ولا بد أن نعترف أن وضع البلد قبل خمس سنوات لم يكن بالحساسية التي نراها اليوم. هناك تخبط ورقابة كثيرة. كانت حرية التعبير عن الرأي أفضل بكثير. بعد موضة الربيع العربي صنع العديد من المخرجين أفلامًا عنه، لكنني لم أشأ أن أصور فيلمًا عن هذا الموضوع، كنت أريد أن أتحدث عن المعاناة والضغوطات اليومية التي يتعرض لها الناس والتي يمكن أن توصلهم في يوم من الأيام إلى حرق أنفسهم أو الانفجار بأي شكل آخر».

ويتابع المسّاد حول عقم هذا النوع الرقابة بالقول: «صلاحية الرقابة على الأفلام منتهية في ظل وجود الإنترنت. من الأفضل للرقابة «تسكر بوابها وتروّح أحسنلها»، يمكننا اليوم تحميل أي شيء عبر الإنترنت ونشره للعالم كله، قلت لهم بكرة حمودة بياخذ الفيلم وبصير يبيعه للدنيا كلها، وبصير ع النت. قال لي مزبوط، بس بهاي الحالة ببطّل مسؤوليّتنا الفيلم».

رحلة الإنتاج

بدأت فكرة الفيلم من خلال أحداث حقيقية لشخص تربطه معرفة بالمسّاد «انصدمت بأنه مقاول ودخل السجن، وحين خرج كان مرتاحًا نفسيًا وكأنه كان في تايلاند، وقال لي أنه أمضى وقتًا رائعًا في السجن وأنها تجربة رائعة».

يروي لنا المسّاد مشوار فيلمه الشاق، «كانت هناك العديد من المشاكل بيني وبين المنتج. كان يريد أن يحول الفيلم إلى تجاري وأن يغير شخصية أحمد، ولكنني رفضت، وقلت له أنني أقوم بهذا الفيلم من أجل البلد ومن أجل الناس التي تهمني. (..) لكنني شعرت باليأس من الفيلم ومن الحياة بالأردن ومن الفن والثقافة لأني لم أجد الدعم اللازم» يقول المسّاد. «لم أكن قادرًا على خيانة الناس الذين أروي قصتهم. من الضروري أن يشاهد الناس قصتهم، والرسالة السياسية والاجتماعية والحكومية الموجودة في هذا الفيلم موجهة لأصحاب القرارات الذين أوصلونا إلى ما نحن فيه اليوم».

وحول آلية الحصول على تمويل من الهيئة الملكية، قال المسّاد إن النصوص تمر بعددٍ من الخطوات، حيث يُعرض الفيلم على لجنة محلية ودولية، وهناك يتم عرض السيناريو كاملًا ولا تتدخل الهيئة بالسيناريو أبدًا. بعد ذلك تأتي مرحلة التصاريح وحجز أماكن التصوير. يقول المسّاد «كانت الهيئة تأتي معي لحجز مواقع التصوير من سجون وغيرها، ولم نتعرض لأي مشاكل بسبب محتوى الفيلم».

«لم يتم تحذيري بأن الفيلم قد يتم منعه»، يقولها المسّاد مستذكرًا الجهد والوقت والأموال التي استنزفها منه الفيلم. «لربما لو تم تحذيري بأن فيه ما قد يَمْنَع عرْضه لكنتُ غيرتُ فيه، لأنني صنعت هذا الفيلم من أجل المشاهد الأردني». ويتابع «الأذى المادي والمعنوي والنفسي من وراء هذا الفيلم كان كبيرًا. حين بدأت بتصوير الفيلم حاولت أن أقوم بتمويله داخليًا وفشلت. ولم أكن أتوقع أن تلقى قصة محلية مثل هذه القصة إقبالًا عالميًا وأن يحصل النص على جوائز عالمية. لكنه فاز بجوائز فعلًا. ما يربطني في البلد أنني كلما عدت إليها أتفاجأ بأن الأمور تتكركب أكثر، وتسوء عامًا بعد عام. كنّا بالسابق نضرب المثل بسوريا وكيف أن الأمور لا تسير دون أن ندفع. للأسف قطعنا مشوارًا أبعد من ذلك. وهذا حصل معي شخصيًا».

ويتلقى المسّاد عروضًا عربيةً وعالميةً من أجل عرض فيلمه، في سينمات تجارية خارج الأردن وفي عدد من المهرجانات. كما سيعرض الفيلم على قناة تلفزيون ألمانية، ويتواصل المسّاد مع موزع في دول الخليج لعرض الفيلم، ومع شركة طيران دولية لعرضه في رحلاتها.

تنويه: عقب نشر حبر لهذه المقابلة، نشرت الهيئة الملكية للأفلام بيانًا وضحت فيه موقفها من تصريحات المسّاد. إذ قالت إنها تواصلت مع هيئة الإعلام عقب تصريح المخرج بمنع عرض الفيلم، لتحصل على رد «بأن المخرج لم يتقدم بأي طلب رسمي لعرض فيلمه وبالتالي لم يصدر أي قرار رسمي بمنع عرضه». وأكدت الهيئة أنها دعمت الفيلم «ماليًا من خلال صندوق الأردن للأفلام -الذي توقف عن العمل في سنة 2013- وسهلت عملية تصويره ونظمت عرضا غير تجاري له»، وأن «تصوير فيلم في الأردن لا يُخوله للعرض فيما بعد في صالات السينما. كما أن دعم الهيئة الملكية للأفلام لمنتج ما لا يعني بالضرورة حصوله على الموافقة لعرضه تجاريا في البلد»، معتبرة أن «لا تناقض في ذلك طالما أن الإجراءات واضحة منذ البداية لجميع صناع الأفلام سواء الأردنيين أو الأجانب».